مدينة بيرزيت
رعية اللاتين
عذراء غوادالوبة
مواضيع روحية ومتنوعة
روابط
الكمال الإنجيلي: عدم الانتقام ومحبة الأعداء بقلم: الأب لويس حزبون



 يصف إنجيل متى شريعة كمال المحبة التي جاء بها سيدنا يسوع المسيح (متى 5: 38-48). وتحثُّ هذه الشريعة المسيحيين أن يكونوا كاملين كما أَنَّ أَباهم السَّماويَّ كامِل خُصوصًا فيما يتعلق بعدم الانتقام ومحبة الأعداء؛ فعالمنا المعاصر بأمس الحاجة الى شريعة كمال المحبة: كم من مدينة تمّ تدميرها في وقتنا الحالي بسبب الاعمال الانتقامية؟ كم من صراعات عرقيــة ودوليــــــة واجتماعية يُطبّق عليهــا مبدأ التصعيد "الأقوى هو الذي يرُدّ الضربات". ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.

 أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 5: 38-48)

38 سَمِعتُم أَنَّه قيل: العَينُ بِالعَين والسِّنُّ بِالسِّنّ

 تشير عبارة "العَينُ بِالعَين والسِّنُّ بِالسِّنّ "إلى شريعة الاخذ بالثأر والانتقام المأخوذة من سفر الخروج، وهي "وإِن تأَتَّى ضَرَر، تَدفَعُ نَفْساً بِنَفْس، وعَيناً بِعَين وسِنّاً بِسِنّ وَيداً بِيَد ورِجْلاً بِرِجْل" (خروج 21: 24). ولم يكن هذا القانون قاعدة للانتقام الشخصي (خروج 21: 23-25)، إنما أعطي للحد من الانتقام ومعاونة المحكمة على تحديد القصاص الذي لا يغالي في الصرامة او في اللَّين بحيث يكون القصاص بقدر حجم الجريمة. فان هذا القانون يُخفّف من حدة الانتقام (التكوين 4: 15-24). إذا أصيب الإنسان بظلم فيجب ان لا يثأر لنفسه بظلم أشد، وإنما يجب ان يكتفي بمقابلة العين بالعين والسن بالسن، ولكن بعض الناس استخدموا هذا القانون للتبادل بالمثل القائل "اعاملك كما تعاملني"، في حين يسوع يطلب من تلاميذه " كَما تُريدونَ أَن يُعامِلَكُمُ النَّاس فكذلِكَ عامِلُوهم" (لوقا 6: 31). ويعتبر هذه المبدأ القاعدة الذهبية التي تلخّص الشريعة والأنبياء (متى 7: 12).

 39 أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: لا تُقاوِموا الشِّرِّير، بَل مَن لَطَمَكَ على خَدِّكَ الأَيْمَن فاعرِضْ لهُ الآخَر.

 تشير "أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم" الى تناقض قول يسوع مع سوء استعمال الكتبة والفريسيين للشريعة، حيث ان الشريعة عبارة عن قانون للحاكم. أمَّا عبارة " تقاوموا" في اليونانية ἀντιστῆνα فتشير الى الوقوف في حرب ضد من يقاومك مجاهدًا أن تنتصر عليه؛ أمَّا عبارة "لا تُقاوِموا" فتشير الى عدم الرد أو مقابلة الضربة بالضربة إمَّا بصورة شخصية وفورية، وإمَّا بهجوم معاكس في المحكمة كما أوضح­ يسوع كلامه مع تلاميذه "فسَأُوتيكم أَنا مِنَ الكَلامِ والحِكمَةِ ما يَعجِزُ جَميعُ خُصومِكم عَن مُقاوَمَتِه أَوِ الرَّدِّ علَيه " (لوقا 21: 15). لا يريد يسوع ان نردّ على الضربة بالضربة، وعلى الشر بالشر. بل ننتظر حكم المحكمة. بينما الدفاع عن النفس بالعنف لا يدلّ دوما على القوة، وعدم الدفاع لا يعني الخنوع، او الجُبن او فقدان للكرامة بل تحدّيًا للشّرير وإحراجًا له وترفّعًا عن النزول إلى مستواه المُتدنّي.

 يسوع دافع عن نفسه حين لُطم واحِدٌ مِنَ الحَرَسِ كانَ بِجانِبِه في دار رئيس الكهنة ولامَه. ولكنّه لم يردّ على الصفعة بالصفعة، ولا على الإهانة بالإهانة، بل ناقشه وحاوره قائلا: "إِن كُنتُ أَسَأْتُ في الكَلام، فبَيِّنِ الإِساءَة.

وإِن كُنتُ أَحسَنتُ في الكَلام، فلِماذا تَضرِبُني؟ "(يوحنا 18: 22)؛ وهكذا يقصد السيّد المسيح أن نتحدّى بحِلمنا المُعتدين، ونفحمهم بلطفنا ونبلنا وشهامتنا وشجاعتنا وضبط أنفسنا. أمَّا عبارة "الشِّرِّير " فتشير الى من يُسيء إليك شخصيا. فمعنى هذه الآية انه يجب على الانسان أن يحتمل الأذى والاهانة من ناحية، ومن ناحية أخرى ان يتخلّى عن ذاته، فيكون مستعدًا لمحاربة نفسه قبل محاربة الناس واحتمال الألم الذي أصابه ظلمًا وعدوانًا.  ويعلق القديس فرنسيس الاسِّيزي" "هل ارتكبتُ خطيئة؟ إنّ ذلك بسبب الشيطان! هل عانيتُ ظلمًا؟ إنه خطأ القريب!" هذا هو موقف العديد من المسيحيّين. لكن ليس علينا أن نرمي خطأنا على الآخر: فالعدو، كلّ يحمله بين يديه؛ والعدو هو الأنانية التي تجعلنا نقع في الخطيئة.

 

طوبى للخادم الذي منذّ ذلك الحين يبقي مقيّدًا هذا العدو الموجود بين يديه ويعرف أن يتسلّح ضدّه بحكمة؛ طالما يفعل هذا، لن يتمكّن أي عدو آخر، منظور أو غير منظور، من أن يؤذيه" (Admonitions, 9-10). وما يساعده على تنفيذ هذا الامر هو حصوله على النعمة التي أفيضت في قلوبنا بالروح القدس "لأَنَّ مَحَبَّةَ اللّه أُفيضَت في قُلوبِنا بِالرُّوحَ القُدُسِ الَّذي وُهِبَ لَنا" (رومة 5: 5)؛ أما عبارة " لَطَمَكَ " فتشير الى مثل على الأذى الشخصي. فخير لك ان تحوِّل خدَّك الآخر لمن لطمك من ان تنتقم لنفسك او ان تحقد في قلبك. فاترك النقمة لله وللحكام كما جاء في حكمة الامثال " لا تَقُلْ: ((أُجازي بِالشَّرّ)) بلِ انتَظِرِ الرَّبَّ فيُخَلِّصَكَ"(أمثال 20: 22).  أمَّا عبارة "خَدِّكَ الأَيْمَن" فتشير الى الكرامة الشخصية، وهكذا عندما تأتي الصفعة على الخد الأيمن للإنسان تهدف الى احتقاره واستهانته والاستهتار به، إذ يلطم المُعتدي براحة يده، وإذا لطمه من الخلف بمؤخّرة يده يُعتبر دليلا على الغدر والجبن؛ وخلاصة ما أراده المسيح هو ما تنبَّأ به أشعيا النبي من امره " أَسلمتُ ظَهْري لِلضَّارِبين وخَدِّي لِلنَّاتِفين ولم أَستُرْ وَجْهي عنِ الإِهاناتِ والبُصاق "( أشعيا 50: 6)  وأمَّا عبارة "الخد الآخر" فتشير الى التنازل عن سبب الخلاف والمسامحة وتحمل ضعف الآخرين لأجل المسيح. وليس المفهوم هنا عدم دفاع المسيحي عن نفسه، بل أن يحتمل الآخر قــــدر استطاعته وبمحبة لكي يربحه للمسيح. والمسيح يضع هنا حكمة ذهبية "كَما تُريدونَ أَن يُعامِلَكُمُ النَّاس فكذلِكَ عامِلُوهم " (لوقا 6: 31)؛ فالمطلوب ان لا نردَّ على إخوتنا بمثل ما يفعلون بنا من شر، بل بحسب ما نحب أن يفعلوا هم بنا. وأوصى يسوع بعدم المقاومة للشر، لأنه هو نفسه استنفذ كل عقوبة، وقوّم كل خطأ، وقاسى كل ثأر وكل عقاب وكل تخليص حق او عِوض بفضل موته على الصليب. وبالتالي الثأر يكون نكران عمل المسيح وتعليمه، لذا يجب ان نحسن الى من يسيئون إلينا، وان نحبَّ وان نغفر لهم وان نصلي لأجلهم. وامَّا من يبادر الى الانتقام في طلب حقوقه فهو مغاير لروح المسيح. وهذا لا يعني ان الشريعة الطبيعية والهيَّة تمنع الانسان عن ان يحامي عن شخصه وعن عائلته عندما تكون حياته او حياتهم في خطر.

 40 ومَن أَرادَ أَن يُحاكِمَكَ لِيَأخُذَ قَميصَكَ، فاترُكْ لَه رِداءَكَ أَيضًا

 تشير عبارة "قَميصَكَ" الى الثوب وهو اشد الثياب ضرورة. ولا ينتزع القميص إلاَّ عند الذي يُباع كعبد كما حدث مع أخوة يوسف الذين "نَزَعوا عنه قَميصَه، القَميصَ المُوَشَّى الَّذي علَيه" ليبيعوا يوسف للتجار (التكوين 37: 23). ولذلك فإن ما يطالب به الخصم باهظ الثمن؛ أمَّا عبارة "رِداءَكَ" فتشير الى الثوب الفوقاني المستعمل غطاء في الليل والذي لا تجيز الشريعة احتجازه بسب ذلك، إلاَّ نهارا واحدا "إِذا اَستَرهَنتَ رِداءَ قَريبِكَ، فعِندَ مَغيبِ الشَّمْسِ رُدَّه إِليه، لأَنَّه سِترُه الوَحيد وكِساءُ جِلدِه، ففيمَ يَنام؟" (خروج 22: 25 -26)؛ ومع ذلك يطلب يسوع ان تسير الأمور الى النهاية وأن يُعطى "الرداء" أيضا، ويؤكّد على أنّه، في اللحظة الّذي ينتزع الآخر شيئاً ما منّا، فنحن مدعوّون إلى أن نعطيه إيّاه. كما حدث مع يسوع "ما مِن أَحَدٍ يَنتزِعُها مِنَّي بل إنّني أَبذِلُها بِرِضايَ" (يوحنّا، 10، 18). فالشرّ الّذي يرتكبه الآخر يُصبح مجالاً لحبّنا المجاني له.

 

ولا يقوم طلب يسوع ليس فقط باحتمال الألم، وإنما ان نكون مستعدِّين في الداخل لتقبل الآلام أكثر مما يودّ الظالم أن يفعل بنا، فإن اغتصب ثوبنا نترك له الرداء، وإن سخّرنا ميلًا نسير معه ميلين. ولكن يجب ان لا يُفهم من ذلك تحريم الدفاع عن أنفسنا لان ذلك يفسح المجال للأشرار ان يتمادوا ويجلعوا المظلوم فريسة لهم. والمسيح لم يحتمل الشر بل قاومه بلسانه كما جاء في الانجيل "لَطَمَ يسوع واحِدٌ مِنَ الحَرَسِ كانَ بِجانِبِه وقالَ له: أَهكذا تُجيبُ عَظيمَ الكَهَنَة؟  أَجابَه يسوع: إِن كُنتُ أَسَأْتُ في الكَلام، فبَيِّنِ الإِساءَة. وإِن كُنتُ أَحسَنتُ في الكَلام، فلِماذا تَضرِبُني؟" (يوحنا 18: 22-23)، وهكذا فعل بولس الرسول أيضًا "فأَمَرَ حَنَنْيا عَظيمُ الكَهَنَةِ الَّذينَ بِجانِبِ بولس بِأَن يَضرِبوه على فَمِه. فقالَ له بولُس: (سيَضَرُبكَ الله، أَيُّها الحائِطُ المُكَلَّس، أَتَجلِسُ لِمُحاكَمَتيِ بِسُنَّةِ الشَّريعة، وتُخالِفُ الشَّريعة فتَأمُرُ بِضَرْبي؟" (أعمال الرسل 23: 2-3) الرسل أيضا (قولسي 4: 9-13)، وهكذا فعل المسيحيون في كل عصر.

المسيح يَنهى عن مخاصمة الآخرين لدى الحكومة عندما تكون الغاية من ذلك الانتقام، لا إظهار الحق كما يقول بولس الرسول "وفي كُلِّ حال فإِنَّه مِنَ الخَسارةِ أَن يَكونَ بَينَكُم دَعاوٍ. فلِمَ لا تُفَضِّلونَ احتِمالَ الظُّلْم؟ ولِمَ لا تُفَضِّلونَ احتِمالَ السَّلْب؟ " (1 قورنتس 6: 7). خير لنا ان نخسر مالنا من ان نخسر نفوسنا لعدم محبَّتنا.

 41 ومَن سَخَّرَكَ أَن تَسيرَ معه ميلاً واحِداً. فسِرْ معَه ميلَيْن.

 تشير "مَن سَخَّرَكَ" الى مثلٍ ثالثٍ للأحوال التي يُفضِّل فيها يسوع ان يحتمل الانسان الظلم على الدفاع عن حقه بروح الغضب والثأر والانتقام. أمَّا عبارة "ميلاً" فتشير الى قياس روماني يساوي 1500 متر على وجه التقريب او مسافة نحو ثلث ساعة مشياً؛ وأمَّا عبارة "سَخَّرَكَ" فتشير الى عادة رومانية حيث كان اليهودي تحت الحكم الروماني  مهدّدًا في أية لحظة أن يسخره جندي روماني ليذهب حاملًا رسالة معيّنة على مسافة بعيدة بناء على النظام البريدي المُتبع في ذلك الحين، أو يسخره القيام بعمل معين، كما فعل الجند مع سمعان القيرواني كما ورد في الانجيل "بَينَما هُم خارِجون، صادَفوا رَجُلاً  قيروانياً اسمُهُ سِمعان، وسَخَّروه أَن يَحمِلَ صَليبَ يسوع" (متى 27: 32). فالمبدأ هو ان لا نقاوم الشرير الذي يسئ إلينا، حيث ان العنف يُولد العنف، والمحبة هي الرابحة في النهاية. ولكل إنسان خطيئة وعيوب قليلة كانت او كثيرة، فماذا نربح إذا كنّا لا نغض النظر ولا نتنازل عنها ولا نغفر زلات بعضنا؟ ألا تسوء العاقبة؟ ويُعلق البابا بولس السادس: "إن لم تقضِ البشريّة على الحرب، فلسوف تقضي الحرب على البشريّة" وإن لم تقضِ البشريّة على العنف، سيقضي العنف على البشريّة!". أمَّا عبارة "ميلَيْن" فتشير الى الميل الثاني وهو علامة قوّة الروح وانفتاح القلب بالحب، فلا يعمل الإنسان ما يطلب منه عن مضض، وإنما يُقدّم أكثر ممّا يطلب منه بحرية لكي يربح نفسه ويربح الآخر بحبّه. ويُعلق القديس أوغسطينوس "بالتأكيد إن الرب لا يقصد كثيرًا تنفيذ هذه الوصيّة بالسير على الأقدام، بقدر ما يعني إعداد الذهن لتنفيذ الوصيّة". تطلب منا هذه الآية ان تكون المحبة دستور تصرُّفنا حين يلحّ احدٌ علينا.

 42 مَن سأَلَكَ فأَعطِه، ومَنِ استَقرَضَكَ فلا تُعرِضْ عنه.

 تشير عبارة "من سأَلَكَ فأَعطِه" الى العطايا المجانية. وأول من يستحق الصدقة والعطاء هم الارامل واليتامى والعُميان والعُرجان والكُسحان والمرضى كما أوصى يسوع "لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني، وكُنتُ غَريباً فآويتُموني، وعُرياناً فَكسَوتُموني، ومَريضاً فعُدتُموني، وسَجيناً فجِئتُم إِلَيَّ" (متى 25: 35-36)؛ أمَّا عبارة "فأَعطِه" فتشير الى العطاء بسخاء وهو موقف إيجابي حيث لا يستطيع الإنسان القيام بهذا العمل الا ّ إذا اعتبر كل شيء نفاية على غرار بولس الرسول "أَعُدُّ كُلَّ شَيءٍ خُسْرانًا مِن أَجْلِ المَعرِفَةِ السَّامية، مَعرِفةِ يسوعَ المسيحِ رَبِّي. مِن أَجْلِه خَسِرتُ كُلَّ شَيء وعدَدتُ كُلَّ شَيءٍ نُفايَة لأَربَحَ المسيحَ" (فيلبي 8:3). فمهما أعطى الأنسان فهو أفضل من الرفض بروح الغضب. أمَّا عبارة "ومَنِ استَقرَضَكَ" فتشير الى القرض المطلوب بلجاجة ونحن لا نريد ان نقرض.

أمَّا عبارة "فلا تُعرِضْ عنه" فتشير الى من هو في عزّة نفس لا يقدر أن يستعطي فيطلب قرضًا، فلا تطلب ردّه منعًا من إحراجه. أعتبر اليهود اقوال يسوع الواردة أعلاه (متى 5: 39-42) متطرفة في ذلك الوقت من الاحتلال الروماني، لأنهم كانوا معتادون على حب الانتقام واخذ الثأر والبغض لأعدائهم. فاقترح يسوع أسلوبا جديداً لمقابلة الظلم، وذلك بدلا من المطالبة بالحقوق، يطلب يسوع التسليم بها، ويعني ذلك ان صنع العدالة والرحمة اهم من المطالبة بهما. فالمسيح يقول لنا من خلال هذه الآية انه خير لنا ان نقرض مِن ان نرفض ذلك بروح الغضب. وقروضنا يجب ان تكون بحسب إمكانيتنا وبالنظر الى خير من يسألنا إياها. وأحياناً يكون امتناعنا عن العطاء أفضل معروف للمقترض او المستعطي الكسول تمشيا مع توصية بولس الرسول "إِذا كان أَحدٌ لا يُريدُ أَن يَعمَل فلا يَأكُل" (2 تسالونيقي 3: 10). ولكن أفضل ان نعطي غير المستحق بعض الاحيان من ان نطرد محتاجا حقيقية.

43 سَمِعتُم أَنَّه قِيل: أَحْبِبْ قَريبَك وأَبْغِضْ عَدُوَّك.

  تشير عبارة "أَحْبِبْ قَريبَك" الى ما ورد في العهد القديم في محبة القريب "وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ: أَنا الرَّبّ" (الاحبار 19: 18)، ومحبة القريب كانت محصورة على قريب الدم والدِّين والقومية. وقد جاء في قانون الأسِّينيِّين في قمران: على أبناء النور من اهل قمران ان يُحبّوا المنتسبين الى جماعتهم، وان يكرهوا أبناء الظلام من غيرهم" (الاحبار 1: 9-10)؛ لانَّ القريب في نظر اليهود هو اليهودي، أمَّا في نظر يسوع المسيح فهو السامري الَّذي عَامَلَهُ بِالرَّحمَة (لوقا 10: 37)؛ أمَّا عبارة "عَدُوَّك" فتشير إلى أعداء جماعة المؤمنين "عبَادَ أَوثانِ الباطِل أَبغَضتَ" (مزمور 31: 7)؛ أمَّا عبارة "أَبْغِضْ" فتشير الى البغض الى المستوى الديني وليس الشخصي "ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يَعمَلَ لِسَيِّدَيْن، لأَنَّه أمَّا أَن يُبغِضَ أَحَدَهُما ويُحِبَّ الآخَر، وإِمَّا أَن يَلزَمَ أَحَدَهُما ويَزدَرِيَ الآخَر. لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِلّهِ ولِلمال" (متى 6: 24). إذ علم الكتبة ان الشريعة لم تأمر ببغض الأعداء بل بمحبة القريب حيث ألزمت الشريعة بحب القريب وسمحت بمقابلة العداوة بعداوة مساوية. وسمحت الشريعة نفسها محبّة الأعداء على الصعيد الفردي، فقيل: وإذا رَأَيتَ حِمَارَ مُبغِضِكَ ساقِطاً تَحتَ حِملِه، فكُفَّ عن تَجَنُّبِه، بل أَنهِضْه معَه (خروج 23: 5). وقيل أيضًا: لا تَكرَهِ الأَدومِيَّ، لأَنَّه أَخوكَ، ولا تَكرَهِ المِصرِيَّ، لأَنَّكَ كُنتَ نَزيلاً في أَرضِه" (تثنية الاشتراع 23: 8)، بالرغم من أن الادوميين والمصريّين كان من ألد أعدائهم.

 44 أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: أَحِبُّوا أَعداءَكم وصَلُّوا مِن أَجلِ مُضطَهِديكُم

 تشير عبارة "أَحِبُّوا أَعداءَكم" الى محبة الأعداء، وهي في قلب تعليم يسوع حيث كان يسوع أول شخص أحب أعداءه، وصلى من أجل الذين حكموا عليه وعذَّبوه "يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون" (لوقا 23: 34). فوصية المحبة نقضت جميع الحواجز كما جاء في تعليم بولس الرسول "فلَيسَ هُناكَ يَهودِيٌّ ولا يونانِيّ، ولَيسَ هُناكَ عَبْدٌ أَو حُرّ، ولَيسَ هُناكَ ذَكَرٌ وأُنْثى، لأَنَّكم جَميعًا واحِدٌ في المسيحِ يسوع" (غلاطية 3: 28)؛ فالمحبة مطلوبة على مستوى الجميع دون اي تمييز، وهي محبة تحطّم الحواجز والحدود وتدعو الى نبذ ما يتشبَّث به الناس من مُبرِّرات للكراهية والبغضاء كما جاء في تعليم مثل السامري الصالح (لوقا 10: 25-37) والمحبة مطلوبة على المستوي الاجتماعي بدون مراعاة للأشخاص كما جاء في توصيات يعقوب الرسول "لا تَجمَعوا بَينَ مُراعاةِ الأَشخاصِ والإِيمانِ بِرَبِّنا يسوعَ المسيح، لَه المَجْد (يعقوب 2: 1)، والمحبة مطلوبة أيضا على المستوي الشخصي كما يؤكد القديس بولس الرسول "لا يَكوَننَّ علَيكم لأَحَدٍ دَيْنٌ إلاَّ حُبُّ بَعضِكُم لِبَعْض، فمَن أَحَبَّ غَيرَه أَتَمَّ الشَّريعة (رومة 13: 8-10). ومن ليست له محبة لكل إنسان حتى أعداءه فهو ميت روحيًا " نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا انتَقَلْنا مِنَ المَوت إِلى الحَياة لأَنَّنا نُحِبُّ إِخوَتَنا. مَن لا يُحِبُّ بَقِيَ رَهْنَ المَوت" (1يوحنا 3: 14)، حيث أننا لسنا غرباء أو أعداء بعد اليوم في نظر يسوع، لذلك يتوجب علينا ان نحبَّ الجميع وبدون استثناء وان نُزيل الحدود ونُهدم الجدران التي تفصلنا عن بعضنا البعض؛ وهذا الامر ليس في قدرة الإنسان العادي، بل بفضل المحبة التي هي هبة من الله يُعطيها الله لنا بالنعمة التي يُشير إليها بولس الرسول: أما تَعلَمونَ أَنَّكُم هَيكَلُ الله، وأَنَّ رُوحَ اللهِ حالٌّ فيكم؟" (1 قورنتس 3، 16). وفي هذه المهمّة الصعبة المتمثّلة في أن نُحبّ الأعداء يُعزّينا وجود الروح القدس، روح المحبّة. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "جاء المسيح بهذا الهدف حتى يغرس هذه الأمور في أذهاننا ويجعلنا نافعين لأعدائنا كما لأصدقائنا"؛ امَّا عبارة "وصَلُّوا مِن أَجلِ مُضطَهِديكُم" فتشير الى ان صلاتنا من أجل مُضطَهِدينا التي تجعلنا نشبه الله في محبّته للبشر، ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "ان صلواتنا ضدّ افتراءات أعدائنا حتى تموت، أمَّا هم فيحيون. لأنه إن مات عدوّنا نفقده كعدوّ ولكن نخسره كصديق أيضًا. وأمَّا إذا ماتت افتراءاته فإننا نفقده كعدوّ وفي نفس الوقت نكسبه كصديق". يطلب يسوع منا ان نحتمل الظلم أكثر ممّا يودّه الظالم دون أن نحمل في داخلنا كراهيّة نحوه، بل يتحول حبنا للأعداء إلى صلاة كما طلب منا يسوع "صَلُّوا مِن أَجلِ مُضطَهِديكُم"، وهكذا نقابل الشرّ بعمل خير.

 45 لِتَصيروا بني أَبيكُمُ الَّذي في السَّمَوات، لأَنَّه يُطلِعُ شَمْسَه على الأَشرارِ والأَخيار، ويُنزِلُ المَطَرَ على الأَبرارِ والفُجَّار.

  تشير عبارة "لِتَصيروا" الى برهان بنوَّتنا له لا سببها. أمَّا عبارة "بني أَبيكُمُ" فتشير الى أننا أبناء الله عندما نشابهه في الرأفة وعمل الخير لجميع الناس وخاصة في محبة الجميع. نتثبِّت بنوتنا إن تمثلنا بالله في عمل المحبة للجميع لأننا لا نقدر ان نشابه الله في القوة ولا في الحكمة كما جاء في تعليم بولس الرسول "قَدَّرَ لَنا مُنذُ القِدَم أَن يَتَبنَّانا بِيَسوعَ المسيح على ما ارتَضَته مَشيئَتُه " (أفسس 5: 1)، لأنَّ غاية حياتنــا الروحيّة هي ان نصير شركاء له في الطبيعة الإلهيّة من خلال شركة الروح القدس فننعم بأبوّته لنا. وليست البنوّة الالهيّة واقعًا سننتظره في نهاية الأزمنة، بل إنّها تُعطى لنا يوم نُحبّ أعداءَنا حبُّا حقيقيًّا. والأخوة العالمية تصدر عن حقيقة الأبوة العالمية؛ أمَّا عبارة "تَصيروا" فتشير الى الانتقال إلى حالة جديدة تؤثر في الكيان كله؛ لو لم يحبنا الله ونحن اعداؤه ما صرنا أبناءه، ولكنا إن ادعينا اننا ابناءه ونحن غير مشابهين له في المحبة فقدنا كل حقوقنا. أمَّا عبارة "يُطلِعُ شَمْسَه على الأَشرارِ والأَخيار ويُنزِلُ المَطَرَ على الأَبرارِ والفُجَّار" فتشير الى الله الذي لا يُميّز بين الأشخاص، بل يُحبّ الجميع، ولا يقتصر منح شمسه ومطره للصالحين بل للأشرار أيضا، دون استثناء أيّ أحد، ودون تحديد، ودون تفضيل البعض على البعض الآخر. اختار المسيح الشمس والمطر لان نفعهما للجميع ظاهر. وموقف يسوع هنا مغاير لموقف اليهود، حيث لا أعداء له بل يعتبر كل واحد قريبه كما ورد في مثل السامري الرحيم (لوقا 10: 25-37) مُقتديا بالآب السماوي الذي لا يُميّز بين الأشخاص، بين الاخيار والاشرار حين يُشرق شمسه او مطره بل يُحبّ الجميع. وفي هذا الصدد يقول بولس الر سول "اسلُكُوا سَبِيلَ الرّوحِ" (غلاطية 5: 16)، ومن يسلك سبيل الروح يسمو فوق الشر، فلا يرى فقط شرّ الإنسان، بل صلاح الله وحكمته اللامتناهية، ونعمته على الإنسان. وليس لدى الله إلاّ عدوٌ واحدٌ يبغضه وهو الخطيئة.  وتُبين الآية ان موجب الأول لمحبتنا للناس هو مثل الآب السماوي.

46 فإِن أَحْبَبْتُم مَن يُحِبُّكُم، فأَيُّ أَجْرٍ لكم؟ أَوَلَيسَ الجُباةُ يفعَلونَ ذلك؟

تشير عبارة "أَحْبَبْتُم" الى جوهر الملكوت والصفة المُميَّزة للملكوت هي المحبة؛ أمَّا عبارة "مَن يُحِبُّكُم" فتشير الى والدينا واصدقائنا ومحيطنا وبيئتنا وبلدنا وعرقنا وديننا وحزبنا السياسي؛ أمَّا عبارة "فأَيُّ أَجْرٍ لكم؟" في الأصل اليوناني μισθός (معناه الأجرة أي ما هو مستحق من الناحية القانونية) فتشير الى استفهام انكاري أعنى لا حق لكم للمدح او للثواب على ذلك من الله. في حين أن لوقا الإنجيلي يركز على النعمة وليس على الاجر "فإِن أَحبَبتُم مَن يُحِبُّكم، فأَيُّ فَضْلٍ χάρις لَكُم؟ لأَنَّ الخَاطِئينَ أَنفُسَهُم يُحِبُّونَ مَن يُحِبُّهُم" (لوقا 6: 32). وفي الفصلين 5 و6 في انجيل متى يركز الكلام على التعارض بين أجر الناس وأجر الله. ويبيّن يسوع ان أجر الله مُطلق ولا يعود إلاّ لعطائه المجاني كما جاء في مثل العملة واجرتهم، اذ قال صاحب العمل "أَلا يَجوزُ لي أَن أَتصرَّفَ بِمالي كما أَشاء؟ متى 20: 15)؛ أمَّا عبارة "الجُباةُ" فتشير الى العشارين الذين يُضرب بهم الدناءة بين الناس. (لوقا 3: 15) وهم جُباة الضرائب المحليِّين للرومانيين من اليهود والذين كانوا يضعون تحت المزاد ضرائب بعض أقسام البلاد. وكان الفائزون بدورهم يؤجّرون جمع الضرائب لجباه محليِّين كانوا يبتزّون كل ما يستطيعون من الشعب، وكان اليهود يعتبرون هؤلاء الجباه خونة وعرضة لاحتقار المجتمع، لأنهم كانوا في خدمة الرومانيين المُحتليِّن، وكانوا يمارسون غالبا مهنتم باختلاس الأموال كما أعلن ذلك زَكَّا العشار فقال لِلرَّبّ: "يا ربّ، ها إِنِّي أُعْطي الفُقَراءَ نِصفَ أَموْالي، وإِذا كُنتُ ظَلَمتُ أَحداً شَيئاً، أَرُدُّه علَيهِ أَربَعَةَ أَضْعاف" (لوقا 19: 8)، وغالبا ما كانوا يُعدّون خاطئين. فلا عجب ان لوقا الإنجيلي تحدث عن الخاطئين بدل العشارين "فإِن أَحبَبتُم مَن يُحِبُّكم، فأَيُّ فَضْلٍ لَكُم؟ لأَنَّ الخَاطِئينَ أَنفُسَهُم يُحِبُّونَ مَن يُحِبُّهُم" (لوقا 6: 32). وهنا ينادي الرب يسوع بحبّ بلا حدود، بحب عاشه هو نفسه، حب يُشبه حب الله لجميع البشر حتى الذين لا يُحبونه، ويوزّع خيراته ويطلع شمسه ويُنزل غيثه على الجميع. فالله هو المرجع الأخير والوحيد: يجب ان نطابق عقليتنا عقلية الله، وان نتشبَّه به تعالى كي نُصبح فعلا أبناءه. والاّ ما والفرق بين المؤمن المسيحي والوثني؟ وتُبين الآية ان موجب الثاني لمحبتنا للناس هو مثل الجباه الذين يُحبون اصدقاءهم ويعاملوهم بالمثل.

47 وإِن على إِخواِنكم وَحدَهم، فأَيَّ زِيادةٍ فعَلتُم؟ أَوَلَيسَ الوَثَنِيُّونَ يَفعَلونَ ذلك؟

تشير عبارة "سلَّمتُم" الى طريقة إظهار الاعتبار والمحبة، لكن كان اليهود لا يسلمون على الأمم، لأنهم كانوا يعدُّون الذين يسلمون عليهم أصدقاء وأخوة. أمَّا عبارة "إِخواِنكم" فتشير الى اليهود بني جنسهم. أمَّا عبارة "زِيادةٍ" فتشير الى سر الخُلق المسيحي. فالمحبة تعمل أكثر مما يطلب منها، والمسيح ينتظر من تلاميذه أكثر من ذلك، لان لهم من النور والمعرفة والنعمة أعظم مما للغير. أمَّا عبارة "الوَثَنِيُّون" في الأصل اليوناني ἐθνικοὶ (معناها الأمم) فتشير الى الأمم الذين هم خارج العهد، الذين ما كان يُنتظر منهم ان يعرفوا أكثر من ذلك. الأمم تعني في التقليد اليهوديّ "اللايهوديّ". في هذه الآية يعطي يسوع مثلا عن الذي يُحيّي من يحيّيه. والاّ ما والفرق بين المؤمن المسيحي وغير مسيحي؟

48 فكونوا أَنتُم كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل

تشير عبارة "كامِلين" الى القداسة الوارد ذكرها في التوراة "كونوا قِدِّيسين، لأَنِّي أَنا الرَّبَّ إِلهَكم قُدُّوس" (الاحبار 19: 2)؛ وهنا يدعو السيّد الرّب شعبه إلى أن يكون في شركة الكمال معه في القداس والرحمة والمحبة. ويسوع يُكرّر ذات الشيء. واعطانا مثالا على الكمال بقوله للشاب الغني: "إِذا أَرَدتَ أَن تكونَ كامِلاً، فاذْهَبْ وبعْ أَموالَكَ وأَعْطِها لِلفُقَراء، فَيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّماء، وتَعالَ فاتبَعْني" (متى 19: 21). فالمؤمن المسيحي ينبغي ان يقود حياته بمقتضى المقياس الأخلاقي الكامل للإنجيل حيث انه يجب على التلاميذ ان يطابقوا كمال الله الذي يشمل حبه "الابرار والأشرار"، ولقد عبَّر لوقا عن ذلك تعبيرًا جيّدًا باستعمال كلمة "رحيم"، "كونوا رُحَماءَ كما أَنَّ أَباكُم رَحيم" (لوقا 6: 36). وكمال الله هو مثال رفيع يقدّمه يسوع لنا في انجيل متى، الذي هو انجيل الكمال، أمَّا انجيل لوقا فهو انجيل الرحمة حيث ان الكمال الذي يطلبه يسوع هو كمال في القداسة الذي يكمن بانفصالنا عن قيم العالم الشريرة وتكريس نفوسنا لعمل مشيئة الله وحمل رحمته للعالم، وهو والكمال في الأخلاق أيضا، وأخيرا الكمال في النضج كما جاء في تعليم يوحنا الرسول "أَيُّها الأَحِبَّاء نَحنُ مُنذُ الآنَ أَبناءُ الله ولَم يُظهَرْ حتَّى الآن ما سَنَصيرُ إِليه. نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا نُصبِحُ عِندَ ظُهورِه أَشباهَه لأَنَّنا سَنَراه كما هو" (1 يوحنا 3: 2). وهنا يتحدّث يسوع عن درجات الكمال ويبلغ إلى قمّتها في محبة الجميع حتى الأعداء بلا مقابل شبيه بمحبة ألاب السماوي كما صرّح بولس الرسول "اقتدوا إِذًا بِاللهِ شأنَ أَبْناءٍ أَحِبَّاء" (أفسس 5: 1). ويقول البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني: "إن أولئك الّذين يتبعون الدعوة إلى القداسة بأمانة يكتبون تاريخ الكنيسة في بُعدها الأكثر أهمّية، أي بعد العلاقة الحميمة مع الربّ". اما عبارة "كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل" فتشير الى الاقتداء بابينا السماوي وليس بأفضل الناس، لان ابينا السماوي هو الاله الكامل الذي محبته الكاملة تشمل اعداءه حتى جعلته يطلب فداهم "أَمَّا اللهُ فقَد دَلَّ على مَحبتِّهِ لَنا بِأَنَّ المسيحَ قد ماتَ مِن أَجْلِنا إِذ كُنَّا خاطِئين" (رومة 5: 8). فانه كنَّا غير كاملين الآن يجب ان نجعل الكمال غايتنا عالمين اننا كلما تمثَّلنا به في المحبة دنونا من الكمال كما جاء في خبرة بولس الرسول "ولا أَقولُ إِنِّي حَصَلتُ على ذلِكَ أَو أَدرَكتُ الكَمال، بل أَسْعى لَعَلِّي أَقبِضُ علَيه، فقَد قَبَضَ عَلَيَّ يسوعُ المسيح" (فيلبي 3: 12). ونستنتج من هنا أن يسوع لا يتحدث عن كمال الطقوس كما كان في العهد القديم التي اهتم بضحية بلا عيب، لكن في العهد الجديد، لم يعد تقديم ضحايا بل محبة، ولا يتحدث يسوع أيضا عن كمال الشخص الذي يقوم بواجبه على أكمل وجه، بل عن قلب يعرف كيف يحب الله والآخرين بطريقة متكاملة ونزيهة وبلا شروط على مثال يسوع "أَنا فيهِم وأَنتَ فِيَّ لِيَبلُغوا كَمالَ الوَحدَة ويَعرِفَ العالَمُ أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني وأَنَّكَ أَحبَبتَهم كَما أَحبَبتَني" (يوحنا 17: 23).

 ثانيًا: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 5: 38-48)

بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي وتحليله (متى 5: 38-48)، نستنتج انه يتمحور حول كمال الشريعة بمفهوم يسوع. الله يدعو شعبه إلى أن يكون في شركة معه في القداسة والمحبة. من هنا نبحث في مقومات الكمال في العهد القديم وفي العهد الجديد.

1. اهم مقومات الكمال في العهد القديم: القداسة

لا تتكلم اسفار العهد القديم عن كمال الله إنما تتكلم عن كمال أعماله وشريعته وطريقه.  يتكلم سفر تثنية الاشتراع عن كمال الله في اعماله "جَميعَ سُبُلِه حَقّ. اللهُ أَمين لا ظُلمَ فيه هُو بارِّ مُستَقيم" (تثنية الاشتراع 32: 4)، وأمَّا عن كمال شريعته فيترنم صاحب المزامير بقوله" شَريعَةُ الرَّبِّ كامِلَةٌ تُنعِشُ النَّفْسَ" (مزمور 19: 8)، وأخيرا عن كمال طرقه يقول الكتاب "الله عِزِّي وبَأسي يَجعلُ كامِلاً سَبيلي" (2 صموئيل 22: 31).

ولا تتكلم أسفار العهد القديم عن كمال الله إنما تتكلم عن قداسة الله حيث تُقدِّم الله تعالى كمثال للقداسة ينبغي الاقتداء به "كونوا قِدِّيسينَ لأَنِّي أَنا قُدُّوس" (الأحبار 11: 45)، إنه قدوس، عظيم، قدير، رهيب "لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكم هو إِلهُ الآلهَةِ ورَبُّ الأَرْباب، الإِلهُ العَظيمُ الجبَارُ الرَّهيبُ الَّذي لا يُحابي الوجوهَ" (تثنية الاشتراع 10: 17)، وأنه صالح وأمين "الرَّبّ! إِلهٌ رَحيمٌ ورَؤُوف، طَويلُ الأَناةِ كَثيرُ الَرَّحمَة والوَفاء" (خروج 34: 6)، ويتدخل في التاريخ بعدالة سامية كما يترنم صاحب المزامير "قَدير أنتَ المَلِكُ المُحِبُّ للِحَقّ فإِنَّكَ أَنتَ أَقَمتَ الاْستِقامة وأَجرَيتَ في يَعْقوبَ الحَقَّ والعَدل" (مزمور 99: 4).

وإذا كان الله القدوس يطلب من شعبه ان يكونوا قدِّيسين ومُكرَّسين لله، فيفرض عليهم بذلك مطلب الكمال. فالمكرّس ينبغي أن يكون سليمًا صحيحًا لا عيب فيه سواء في ذبائحه التي تقرب يقرّبها لله "الأَعْمى والمَكْسورُ والمَبْتورُ والمُتَقَرِّحُ والأَجرَبُ ومن بِه القُوباء لا تُقَرِّبوها لِلرَّبّ، ولا تَجعلوا مِنها ذَبيحةً بِالنَّارِ على المَذبَحِ لِلرَّبّ" (الاحبار 22: 22)، وسليما في الكهنة "كُلُّ رَجُلٍ بِه عَيبٌ مِن نَسْل هارونَ الكاهِن لا يَتَقَدَّمْ لِيُقَرِّبَ الذَّبائِحَ بِالنَّارِ لِلرَّبّ: إِنَّه بِه عَيْب، فلا يَتَقَدَّمْ لِيُقَرِّبَ طَعامَ إِلهِه" (الاحبار 21: 21).

وتطلب الشريعة ان لا يكون الشخص المُكرَّس سليما في جسده فحسب، إنما أيضا سليما في نفسه حيث ان من واجب المُكرَّس أن يخدم الله "بقلب كامل"، وبكل إخلاص وأمانة كما أوصى سليمان الملك" فلتكُنْ قُلوبُكم بِكامِلِها لِلرَّبِّ إِلهِنا لِتَسيروا في فَرائِضِه" (1 ملوك 8: 61)، وأن هذه الخدمة هي بمثابة كفاح ضد الشر، "فاقلعَ الشَّرَّ مِن وَسطِكَ" (تثنية الاشتراع 7:17). ولذا فإن الانحرافات في المفهوم الديني كانت موضع محاربة شديدة من جانب الأنبياء (عاموس 4: 4، أشعيا 1:1-17)، مع تجنَب العنف والأنانية. لذا كان اليهود الأتقياء يمارسون الكمال في حفظ الشريعة "طوبى لِلكامِلينَ في سُلوكِهم لِلسَّائرينَ في شَريعةِ الرَّب" (مزمور 119: 1).

2. أهم مقومات الكمال في العهد الجديد: المحبة

إذا كان الكمال في العهد القديم يقوم على القداسة، فإن الكمال في العهد الجديد يقوم على المحبة حيث كشف يسوع أنَّ الإله القدوس هو إله المحبة، فلم يَعد الأمر يتعلق بالقداسة التي ينبغي المحافظة عليها بقدر ما يتعلق بالمحبة، ويقوم كمال المحبة على هبة حب الله الذي ينبغي قبولها ثم نشرها. ولقد عبَّر لوقا الإنجيلي عن عبارة متى انجيلي التي تنص "كونوا أَنتُم كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل" (متى 5: 48) باستعمال كلمة "رحيم" بدلاً من "كامل"، فقال "كونوا رُحَماءَ كما أَنَّ أَباكُم رَحيم" (لوقا 6: 36).

جاء يسوع "ليكمّل" في العمق ما هو مغروس في قلب كل إنسان حيث تُعتبر المحبة هي أكبر أماني الإنسان. ودعا أبناء الله الى كمال المحبة كما جاء في تعليم بولس الرسول "البَسوا فَوقَ ذلِك كُلِّه ثَوبَ المَحبَّة فإنَّها رِباطُ الكَمال" (قولسـي 3: 14) "لا يَكوَننَّ علَيكم لأَحَدٍ دَيْنٌ إلاَّ حُبُّ بَعضِكُم لِبَعْض، فمَن أَحَبَّ غَيرَه أَتَمَّ الشَّريعة فإِنَّ الوَصايا الَّتي تَقول: "لا تَزْنِ، لا تَقتُلْ، لا تَسْرِقْ، لا تَشتَهِ" وسِواها مِنَ الوَصايا، مُجتَمِعةٌ في هذِه الكَلِمَة: "أَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفْسِكَ". فالمَحبَّةُ لا تُنزِلُ بِالقَريبِ شرًّا، فالمَحبَّةُ إِذًا كَمالُ الشَّريعة" (رومة 13: 8-10). وأكمل يسوع الشريعة القديمة بتوجيه القلوب تجاه الحب من خلال عدم الانتقام ومحبة الأعداء.

يجب ان تكون مبادئ حياتنا وكل غاياتنا كمبادئ الله وغاياته أي ان نكون نُظراء في المحبة والقداسة، "لأَنَّه مَكتوب: كونوا قِدِّيسين، لأَنِّي أَنا قُدُّوس" (1 بطرس 1: 16)؛ ويسوع وحده المعلم القادر ان يعلمنا ان نكون كاملين، لأنه تجسَّد لكي يشخِّص كمال الله امام الناس في حياته وموته. إنّ هذا الكمال، أي قداسة الربّ الإله، يتطابق مع ملء المحبّة. ويعرض السيّد المسيح على مُستمعيه المتطلّبات الكبيرة للقداسة والمحبة التي تصل إلى حدّ إعلان عدم الانتقام ومحبة الأعداء.  

أ‌) لا تُقاوِموا الشِّرِّير (متى 5: 38-39)

يقول يسوع "سَمِعتُم أَنَّه قيل: (العَينُ بِالعَين والسِّنُّ بِالسِّنّ)؛ أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: لا تُقاوِموا الشِّرِّير (متى 5: 38-39). يقابل المسيح هنا تعليمه بتعليم الكتبة والفريسيين بخصوص الانتقام حيث يُنهي المسيح عن أخذ بالثأر والانتقام، ذلك لان اليهود احتجوا على جوازه بما قيل في شريعة موسى "عَينًا بِعَين وسِنًا بِسِنّ وَيدًا بِيَد ورِجْلاً بِرِجْل" (الخروج 21: 24) قائلين ان الشريعة سمحت لهم ان ينتقموا ممن اذاهم بشرط الاَّ يزيدوا على القصاص المُعيَّن في الشريعة. وشريعة الانتقام هذه هي قانون للحاكم لإجراء العدل بين الناس عموما، وغايتها ردع الشخص عن ان ينتقم لنفسه ومنع ارتكاب التعدي بتعيين العقاب حتى لا يزيد على الاستحقاق. ومن هذا المنطلق، لا تسمح هذه الشريعة للمظلوم ان ينتقم لنفسه كما انها لا تسمح لجماعة من الناس ذلك، ولكنها تعلن للحاكم الذي تجبره وظيفته ان يُعاقب المجرمين ما يجب ان يجازى به المذنب.

الانتقام في لغتنا اليوم يعني ايقاع العقاب على المُتعدي بالرَّد على الشر بالشرّ. والواجب يقضي بالانتقام للحق المهضوم. ومع ذلك فممارسة هذا الحق قد تطورت على مرّ التاريخ، قد سحبت من الفرد ليعهد بها إلى الجماعة، لا سيما وقد أظهر الله ذاته، تدريجياً، انه هو المنتقم الشرعي الوحيد للبرّ.

 أمَّا يسوع فقال: "سَمِعتُم أَنَّه قيل: العَينُ بِالعَين والسِّنُّ بِالسِّنّ، أمَّا أَنا فأَقولُ لكم: لا تُقاوِموا الشِّرِّير، بَل مَن لَطَمَكَ على خَدِّكَ الأَيْمَن فاعرِضْ لهُ الآخَر" (متى 5: 38-39). إن قانون "العين بالعين" سُنَّة الملك حمورابي البابلي في القرن الثامن عشر ق.م. وهي شريعة الانتقام، وذلك بمقابلة الإساءة بالإساءة مثلها للحدّ من الثأر الشخصي ومن انتشار العنف المفرط وتنظيما لنزوات الناس. وقد ورد هذا القانون على لسان موسى النبي في القرن الثالث عشر قبل الميلاد: "وإِن تأَتَّى ضَرَر، تَدفَعُ نَفْساً بِنَفْس، وعَيناً بِعَين وسِنّاً بِسِنّ وَيداً بِيَد ورِجْلاً بِرِجْل، وحَرْقاً بِحَرْق وجُرْحاً بِجُرْح ورَضَّاً بِرَضَّ" (خروج 21: 23-25)، وذلك تلافيا للتجاوز في مقابلة الإساءة بأعظم منها. ولذلك فان هذا القانون يُحرّم الانتقام دون حدود، ذاك الذي ساد في الأزمنة الهمجية كما ورد في سفر التكوين "إنَّه يُنتَقَمُ لِقايِنَ سَبعَةَ أَضْعاف وأَمَّا لِلامَكَ فسَبْعَةً وسَبْعين" (تكوين 4: 24). ومنها نستنتج أنَّ شريعة "العين بالعين" استهدفت طريق فرض عقاب مساوٍ للإهانة للحد من الانتقام والغريزة الطبيعية التي تطالب بعينين مقابل عين واحدة.

إن شريعة القداسة في العهد القديم تحرّم الأخذ بالثأر او الانتقام "لا تُبغِضْ أَخاكَ في قَلبِكَ، بل عاتِبْ قَريبَكَ عِتاباً، فلا تَحمِلَ خَطيئَةً بِسَبَبِه. لا تَنْتَقِمْ ولا تَحقِدْ على أَبْناءِ شَعبِكَ، وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ" (الاحبار 19: 17-18). وهناك بعض أمثلة مشهورة كصفح يوسف بن يعقوب (تكوين 45: 3-4) لكن واجب الصفح كان محصوراً في دائرة الأخوة في القومية. وأخذ واجب الصفح وجه شمولية مع الحكماء (سيراخ 28: 1-7).

وكان السبب الذي لأجله يُقلع البار تماماً عن الانتقام لنفسه هو ثقته بالله والاستغاثة به: "لا تَقُلْ: أُجازي بِالشَّر بلِ انتَظِرِ الرَّبَّ فيُخَلِّصَكَ" (أمثال 20: 22). إن البار لا ينتقم، بل يفوّض الله مهمة الانتقام والعقاب بالعدل "لإِنْزالِ الِاْنتِقام بِالأُمَم والعِقابِ بِالشُّعوب" (مزمور 179: 7). على هذا النحو يتصرف إرميا في اضطهاده، عندما "يفوِّض دعواه لله" (إرميا 20: 12)، إن ما يرغب فيه ليس هو الشر، بل العدل، وهذا لا يمكن أن يعود إلى مجراه إلا بتصرف من الله وحده. ويُعلق أيوب البار "إنّي لعالمٌ بأن فاديّ حيّ، وسيقوم آخراً على التراب"، ويحكم بالعدل (أيوب 19: 25).

وفي أسفار العهد القديم منع الله شعبه من مقاومة الشرّ بشرٍ أعظم، إنّما سمح له أن يقابل الشرّ بشر مساوٍ أو بشر أقل أو بالصمت من أجل قسوة قلوبهم. أمّا وقد دخلنا العهد الجديد فقد ارتفع بنا يسوع المسيح إلى مقابلة الشرّ بشر مماثل أو أقل أو حتى بالصمت وإنما نقابله بالخير ناظرين إلى الشرّير كمريض يحتاج إلى علاج. وانتقل بنا يسوع إلى درجة الكمال المسيحي كأعلى درجات الحب التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان.

وبهذا الأمر، لم ينشئ يسوع المسيح شريعة جديدة تكمّل مبدأ العين بالعين فحسب، وإنما يوصي بعدم مقاومة الشرير (متى 5: 38-42). إنه لا يدين عدالة المحاكم البشرية، التي سيقول عنها بولس إنها مكلّفة بمباشرة تنفيذ الانتقام الإلهي "إِنَّ السُّلْطَة لم تَتقلَدِ السَّيفَ عَبَثًا، لأَنَّها في خِدمَةِ اللهِ كَيما تَنتَقِمُ لِغَضَبِه مِن فــــاعِلِ الشَّرّ" (رومة 13: 4)؛ ولكن يسوع يطالب تلميذه بالصفح عن الزلات ومحبة الأعداء.

ليس كافيا مـــن الآن فصاعدًا، أن نفوِّض أمرنا للانتقام الإلهي، بل يجب أن "نغلِبِ الشَّرَّ بِالخير" (رومة 12: 21)، وأن يطبّق حرفيًا وصيّة الكتاب: لأَنَّكَ في عَمَلِكَ هذا تَرْكُمُ على هامَتِه جَمْرًا مُتَّقِدًا (رومة 12: 20). وليس في الأمر انتقامًا بل نضعه في موقف حرج جداً يؤدّي به إلى تحويل بغضه إلى حب. إذ قد تتحوّل هذه النار إلى حب إذا ما تقبل العدوّ ذلك. فالإنسان الذي يحب عدوّه، يستهدف تحويله إلى صديق، ويتخذ الوسائل المؤدِّية لذلك بحكمة. وقد سبقه الله نفسه في هذا المضمار، فإِن "صالَحَنا اللهُ بِمَوتِ ابِنه ونَحنُ أَعداؤُه، فما أَحرانا أَن نَنجُوَ بِحَياتِه ونَحنُ مُصالَحون" (رومة 5: 10).

ويُعلّق القديس يوحنا الذهبي الفم "لا تُطفأ النار بنارٍ أخرى، وإنما بالماء. فإن هذا التصرّف ليس فقط يمنعهم عن الاندفاع أكثر، وإنما يعمل فيهم بالتوبة عما سبق أن ارتكبوه، فإنهم إذ يندهشون بهذا الاحتمال يرتدّون عما هم فيه. هذا يجعلهم يرتبطون بك بالأكثر، فلا يصيروا أصدقاءً لك فحسب، بل عبيدًا عِوض كونهم مبغضين وأعداء".

ولا يريد يسوع بوصية تجنب الانتقام "مَن لَطَمَكَ على خَدِّكَ الأَيْمَن فاعرِضْ لهُ الآخَر" (متى 5: 38-39)، تدمير مبادئ العدالة الاجتماعية المتعارف عليها، وضياع الحق العالم وظلم الأقوياء للضعفاء. فهنالك ظروف يجب فيها الدفاع عن أنفسنا وعن الآخرين. يسوع نفسه لم يُعرض خدّه لخادم عظيم الأحبار عندما ضربه، بل توجّه اليه بعزة وكرامة سائلا: "إِن كُنتُ أَسَأْتُ في الكَلام، فبَيِّنِ الإِساءَة. وإِن كُنتُ أَحسَنتُ في الكَلام، فلِماذا تَضرِبُني؟" (يوحنا 18: 22). ويُعلق القديس أوغسطينوس "كثيرون تعلّموا كيف يقدّمون الخدّ الآخر، ولكنهم لم يتعلّموا كيف يحبّون ضاربهم.

المسيح رب المجد، واضع الوصيّة ومنفّذها الأول، عندما لُطم على خدّه، لم يقدّم الخدّ الآخر، ومع ذلك فقد كان قلبه مستعدًا لخلاص الجميع لا بضرب خده الآخر فقط من قبل ذلك العبد، بل وصلب جسده كله".

كذلك ان وصية يسوع "لا تُقاوِموا الشِّرِّير" (متى 5: 39) ليس هي موقف صادر عن ضعف، بل عن قوة داخلية التي تنمّ عن التغلب على روح الانتقام التي فينا. لا يتم التغلب على الشر عندما نكيل الصاع صاعين؛ ان الشر الذي نعاني منه يبقى قوة خارجية عنا، ولكن عندما ننتقم ونكيل لخصمنا بالمثل فان ذلك يؤدي الى تغلغل الشر فينا والى تقويته. وهكذا نسمح للشرير ان يسكن فينا. أما المسيح فيفتح طريقا جديد للبشرية: الانتصار على الشر بالخير والإجابة على البغض بالمحبة لا بالانتقام.

ب‌) أَحِبُّوا أَعداءَكم (متى 5: 44)

يقول يسوع سَمِعتُم أَنَّه قِيل: أَحْبِبْ قَريبَك وأَبْغِضْ عَدُوَّك. أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: أَحِبُّوا أَعداءَكم وصَلُّوا مِن أَجلِ مُضطَهِديكُم (متى 5: 43 -44). لم يوصِ يسوع تلاميذه الى السعي نحو الكمال بعدم الانتقام فحسب، إنما بمحبة الأعداء أيضا، فقال "أَحِبُّوا أَعداءَكم وصَلُّوا مِن أَجلِ مُضطَهِديكُم" (متى 5: 44). وتبرز هذه الوصية وسط مطالب يسوع الجديدة، فهو نفسه تعرّض لأعداء "أَمَّا أَعدائي أُولِئكَ الَّذينَ لم يُريدوني مَلِكاً علَيهم" (لوقا 19: 27). وقد سلّموه للموت، وهو، من فوق صليبه قد غفر لهم "يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون" (لوقا 23: 34). ويُعلق القديس أوغسطينوس "لا تفيد الصلاة من أجل الأصدقاء بقدر ما تنفعنا لأجل الأعداء! فإن صلينا من أجل الأصدقاء لا نكون أفضل من العشارين، أمَّا إن صلينا من أجلهم فنكون قد شابهنا الله في محبته للبشر. وهكذا ينبغي أن يصنع التلميذ"، اقتداء بمعلمه الذي "شُتِمَ ولَم يَرُدَّ على الشَّتيمَةِ بِمِثلِها. تأَلَّمَ ولم يُهَدِّدْ أَحَدًا، بل أَسلَمَ أَمْرَه إِلى مَن يَحكُمُ بِالعَدْل" (1 بطرس 2: 23).

يعلق القديس فرنسيس الاسيزي "أن نُحَبّ عدوّنا بصدق، يعني أولاً ألاّ نحزن للإساءات التي تلقّيناها. ويعني أيضًا أن نشعر بألم الخطيئة التي ارتكبها الآخر كإهانة لمحبّة الله، وأن نُثْبت للرّب، من خلال الأعمال، أننا لا زلنا نحبّه" (Admonitions, 9-10). وهكذا نسير على مثال الآب السماوي "لِتَصيروا بني أَبيكُمُ الَّذي في السَّمَوات، لأَنَّه يُطلِعُ شَمْسَه على الأَشرارِ والأَخيار، ويُنزِلُ المَطَرَ على الأَبرارِ والفُجَّار" (متى 5: 45)، الذي منه نستطيع الحصول على الغفران "وأَعْفِنا مِمَّا علَينا فَقَد أَعْفَينا نَحْنُ أَيْضاً مَن لنا عَلَيه" (متى 6: 12).

وإن لم نحبّ إلاَّ الذين يعبّرون لنا عن محبّتهم، فلسنا أفضل من الخاطئين. علينا أن نحبّ حتى الذين لا يقدرون أن يردّوا لنا المحبّة، إن أحببنا من لا يُحبنا، تشبَّهنا بالله. وإن عملنا أعمال الله أي قابلنا الشر بالخير نكون قد قمنا بعمل إلهي، وهذا العمل لا ينبع من قدراتنا، إنّه طاقة مجّانيّة بفضل روح الآب القدّوس الّذي يَحيا فينا. أمَّا في الانتقام فهو شيء من الطفولة والمراهقة وعدم ضبط الذات.

ولم يكتفِ يسوع بالتحدث عن محبة الأعداء بين افراد العائلة او البلد بل عن محبة عالمية شاملة بدون حدود، محبة تشمل أيضاً العدو والمُضطهِدين. وان استثنيت أحداً من حبّنا فحبِّنا ليس كاملا. الانسان الذي لا نحبُّه، الله يُحبّه! يحب الله الجميع، يحب الله اعداءه، ويحب من لا يحبونه، فعلينا ان نحب ايضا جميع أعداءنا كما يفعل الله.

 وتتطلب محبة الأعداء من المسيحي أن يأخذ حذره من الشر "فإِذا كانت عينُكَ اليُمنى حَجَرَ عَثْرَةٍ لَكَ، فاقلَعْها وأَلْقِها عنك، فَلأَنْ يَهلِكَ عُضْوٌ مِن أَعضائِكَ خَيْرٌ لَكَ مِن أَن يُلقى جَسَدُكَ كُلُّه في جَهنَّم"(متى 5: 29). والحذر من الشر يتطلب تجنب ظروف الخطيئة بل الابتعاد عنها كما يقول بطرس الرسول " فلا تَتبَعوا ما سَلَفَ مِن شَهَواتِكم في أَيَّامِ جاهِلِيَّتِكم. بل، كما أَنَّ الَّذي دَعاكم هَو قُدُّوَس، فكذلِكَ كُونوا أَنتم قِدِّيسينَ في سيرَتِكم كُلِّها لأَنَّه مَكتوب: كونوا قِدِّيسين، لأَنِّي أَنا قُدُّوس" (1 بطرس 1: 14-16)، إلا أنه لكي نتشبّه بأبينا السماوي (متى 5: 45)، يجب علينا في الوقت نفسه، أن نسير على خطى الله تجاه الخاطئ "أمَّا اللهُ فقَد دَلَّ على مَحبتِّهِ لَنا بِأَنَّ المسيحَ قد ماتَ مِن أَجْلِنا إِذ كُنَّا خاطِئين" (رومة 5: 8)، وأن نحبه، مهما كلّفه الأمر، ومن هنا توصية بولس الرسول "لا تَدَعِ الشَّرَّ يَغلِبُكَ، بلِ اغلِبِ الشَّرَّ بِالخير" (رومة 12: 21). نحن نحقق الوصايا التي نحبها لأننا أبناء الآب.

ونستنتج مما سبق أن المسيحي الحق لا يقابل الشر بالشر، ولا الشتيمة بالشتيمة، ولا العين بالعين، ليس تأييداً للظلم والطغيان بل كبحا للأنانية وانتصارا للمحبة ونيل البركة كما صرّح بطرس الرسول "لا ترُدُّوا الشَّرَّ بِالشَّرّ والشَّتيمَةَ بِالشَّتيمَةَ، بل بارِكوا، لأَنَّكم إِلى هذا دُعيتُم، لِتَرِثوا البَركة" (1 بطرس 3: 9).

ولا يطلب يسوع فقط ان لا نقابل الشر بالشر بل ان نصلي من اجل اعدائنا (متّى 5، 44). الصلاة من أجلهم تعني أننا نعهد بهم إلى الربّ، وأن نتخلّى عن أي إدانتهم أو مطالبة في حقنا. فنحن نخسر كلّ شيء، لكن يُخلّص الآخر. ما الذي يدفعنا الى هذه المواقف؟ نجد الجواب في قول يسوع ربنا "فبِما تَكيلونَ يُكالُ لَكم وتُزادون" (مرقس 4: 24). نحن نحب اعداءنا لكي نتمِّم وصية الله فكونوا أَنتُم كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل (متى 5: 48) ولأننا ابناء الله الاب.

ومن الضروري أن نستجيب لوصية السيد المسيح بالسير نحو كمال المحبة ونتَّجه إلى الأمام، كما صرّح بولس الرسول: "يَهُمُّني أَمرٌ واحِد وهو أَن أَنْسى ما ورائي وأَتَمطَّى إِلى الأَمام فأَسْعى إِلى الغاية، لِلحُصولِ على الجائِزَةِ الَّتي يَدْعونا اللّهُ إِلَيها مِن عَلُ لِنَنالَها في المسيحِ يسوع" (فيلبي 3: 13)، فنصل بأجمعنا إلى بناء ذلك الإنسان الكامل، وبلوغ القامة التي توافق سعة المسيح "ونَبلُغَ القامةَ الَّتي تُوافِقُ كَمالَ المسيح" (أفسس4: 13).

الخلاصة

يفرض يسوع على تلاميذه واجبات ثقيلة: "فأَقولُ لكم: لا تُقاوِموا الشِّرِّير، بَل مَن لَطَمَكَ على خَدِّكَ الأَيْمَن فاعرِضْ لهُ الآخَر" (متى 5: 39)، "أَحِبُّوا أَعداءَكم وصَلُّوا مِن أَجلِ مُضطَهِديكُم" (متى 5: 44). وهذه التعليمات مقتضبة وغير معهودة في عالمنا الذي يعيش فيه، ولا يعرف إلا قانون الغاب: العين بالعين.

يسوع ينتقد أسلوب الكتبة والفريسيين الذين كانوا يُشغلون مناصبهم القيادية ويستغلونها لمصالحهم. وقدّم يسوع معادلات أصعب من قانون العين بالعين والسن بالسن المعروفة، موجها كلامه إلى تلاميذه، ليكونوا على مثال ابيه السماوي "فكونوا أَنتُم كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل" (متى 5: 48) وعلى مثاله معلمهم "أحِبُّوا أَعداءكم، وأَحسِنوا إِلى مُبغِضيكُم، وبارِكوا لاعِنيكُم، وصلُّوا مِن أَجْلِ المُفتَرينَ الكَذِبَ علَيكُم " (لوقا 6: 27-28).

 سار على خطى المسيح وتعليماته ورسله وكثيرين من تلاميذه وخير مثاله على ذلك الشماس إِسْطِفانُس الذي غفر لجلاديه ساعة رجمه قائلا " يا ربّ، لا تَحسُبْ علَيهم هذهِ الخَطيئَة" (اعمال الرسل 7: 40) وفي العالم المعاصر قال مارتن لوثر كينغ الذي كان زعيمًا أمريكيًّا قال لأهل أمريكا البيض، الذين كانوا يضطهدون بني جنسه: "تصرفوا معنا مثلما تريدون، لكننا بالتالي نقول لكم: نحن نُحبكم. لأن محبة العدو هي من صلب رسالة يسوع". فالمحبة هي سلاحنا. وأكّد يسوع أن كل مَن يرى أَعمالَهم الصَّالحة، سوف "يُمَجِّدوا أَباُهم الَّذي في السَّمَوات" (متى 5: 60). لان أعمالهم وكلماتهم لا تأتي منهم بكونها أبناء الله بفضل الروح القدس الذي حال فيهم.

وبفضل تعليم المسيح نحن الآن لا نحيا بحسب الإنسان القديم، فمتل هذا يحب من يحبه، ويعطى من يرجو منه خيراً، أمَّا إنسان العهد الجديد المملوء نعمة فهو قادر أن يحب حتى من يكرهونه ويُعادونه. الحب هو السير في الكمال الذي يطالب به يسوع المسيح "كونوا أَنتُم كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل"، الحب هو الله بالذات كما عرّفه يوحنا الرسول "مَن لا يُحِبّ لم يَعرِفِ الله لأَنَّ اللّهَ مَحبَّة" (1 يوحنا 4: 8). وفي الواقع، لا أحد يقدر أن ينتصر على الشيطان، باستعمال سلطة الشيطان وهي الانتقام وبغض الأعداء. وخلاصة القول، يُعلمنا يسوع بان نغلب الشر بالخير، ولا نقاوم الشرير بل نحب اعداءنا ونصلي من أجلهم.

دعاء: -

أيها الآب السماوي، أعطنا نعمتك كي نسلك أمامك لا كمن يتصرفون خوفاً من العقاب،  كم هم يُشبهون العبيد، ولا كمن يتصرفون حباً بالمكافأة وكأنهم أُجراء، بل كمن يحاولون إرضاءك كأبناء لك بفضل نعمة يسوع المسيح القادر أن يجعلنا كاملين" لأَنَّه بِقُرْبانٍ واحِدٍ جَعَلَ المُقَدَّسينَ كامِلينَ أَبَدَ الدُّهور" (عبرانيين 10: 14)، فساعدنا يا رب كي نُحبَّ الذين لا نُحبهم، وان نُجبَّ الذين يُلحقون بنا ضرر، ودعنا نحب مثلك جميع الذين تحبهم، فنتمم وصيتك الإلهية "كونوا أَنتُم كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل". أمين.

قصة وعبرة: -

في أيام المسيح، كانت ارضنا الفلسطينية تحت الاحتلال الروماني. فألق جنود رومانيون القبض على شبان من المسيحيين زوراً وبهتاناً، ظلماً وجوراً. وأراد الشبان إثبات براءتهم، فاغتنموا فرصة قدوم الجنود لتناوب الحراسة، لكي يُعرّوا رقابهم، ويُعرضوها على الجند الرومان. وتحدّوهم قائلين: "اضربوا أعناقنا، هيّا". فأُحرج الجند وخجلوا من بغيهم وأطلقوا الشبّان. وهكذا يقصد السيّد المسيح أن نتحدّى المعتدين بحِلمنا ونخجلهم ونُحرجهم، ونُفحمهم بلطفنا ونبلنا وشهامتنا وشجاعتنا وضبط أنفسنا "فيستحيي الخصم على دمه" كما تقول العامّة