مدينة بيرزيت
رعية اللاتين
عذراء غوادالوبة
مواضيع روحية ومتنوعة
روابط
لاحد السادس للفصح: الوعد بالروح القدس (يوحنا 14: 15-21) الأب د. لويس حزبون

الاحد السادس للفصح: الوعد بالروح القدس (يوحنا 14: 15-21)

الأب د. لويس حزبون

في خطاب الوداع بعد العشاء الأخير (يوحنا 14: 15-21) وعد سيدنا يسوع المسيح تلاميذه ان يبقَ حاضراً معهم بالرغم من رحيله عنهم وذلك بإرسال الروح القدس؛ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.

اولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 14: 15-21)

15 إِذا كُنتُم تُحِبُّوني، حَفِظتُم وَصاياي

تشير عبارة "حَفِظتُم" الى العمل بالوصايا وطاعتها. ومحبتنا تختبر بأن نحفظ الوصايا أي نطيعها. فالمحبة لا تكون بالكلام والعواطف، بل بحفظ وصايا يسوع كما يؤكد الكتاب المقدس "لا تَكُنْ مَحبَّتُنا بِالكلام ولا بِاللِّسان بل بالعَمَلِ والحَقّ" (1 يوحنا 3: 18). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "الله يطلب الحب الذي يظهر بالأعمال". هذا هو السبب الذي لأجله يقول يوحنا في رسالته: "مَن قالَ: إِني أَعرِفُه ولَم يَحفَظْ وَصاياه كان كاذِبًا ولَم يَكُنِ الحَقُّ فيه" (1 يوحنا 2: 4). وصايا الله هي إثبات لحبِّه لنا، وإطاعة وصاياه هي تعبيرٌ لحبِّنا له.

16 وَأَنا سأَسأَلُ الآب فيَهَبُ لَكم مُؤَيِّداً آخَرَ يَكونُ معَكم لِلأَبَد

تشير عبارة "سأَسأَلُ الآب" الى شفاعة المسيح أمام الآب، فبدم المسيح وفدائه صار هناك إمكانية لإرسال الروح القدس للإنسان. والروح القدس هو الذي يساعدنا على حفظ الوصايا. ومن يحب يطيع الوصايا والروح القدس هو الذي يعطينا الحب فنحفظ الوصايا. لذا فإنَّ إرسال الروح من قبل الآب هو تلبية لطلب يسوع ويرتبط برسالته ارتباطا وثيقا (يوحنا 14: 13-14). اما عبارة " مُؤَيِّداً" في الأصل اليوناني παράκλητος فتشير في المعنى الحرفي: واحد يُدعى الى جانب الشخص. وهو لفظ مقتبس من لغة القانون ويدل على من يسُتدعى لدى المتَّهم للدفاع عنه ليساعده في التحقيق امام المحكمة. فالمعنى الأول هو المحامي والمساعد والمدافع والشفيع (1 يوحنا 2: 1). وبناءً على هذا المعنى، ظهرت معان أخرى كالمعزي والمشجّع. فالمسيح عزّى تلاميذه حين كان معهم بالجسد، وإذ يفارقهم بالجسد يُرسل لهم روحه القدوس معزيًا آخر. وهذه اللفظة ترد فقط في كتابات يوحنا الرسول. واستعملها يوحنا أربع مرات في الانجيل ومرة واحدة في رسالة يوحنا الأولى. وهي تدل تارة على الروح القدس الذي يتابع عمل يسوع، ويعاون التلاميذ في اتهام العالم لهم. ووظيفته هي ان يبكت (يوحنا 16: 8) وان يشهد (يوحنا 15: 26) وان يعلّم (يوحنا 14: 26)، وهو يرشدنا للمسيح الحق "لأَنَّه يَأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه" (يوحنا 16: 14)، فهو يعزي ليس فقط بالمواساة بل أيضا بإعلان طبيعة يسوع وعمله. هذا الروح يبقى معنا. لا يحل محل يسوع الذي هو معنا حتى انقضاء الدهور (متى 28: 20) ويعمل عمل التقديس في الكنيسة، دون ان يكون حدود في الزمان والمكان (يوحنا 14: 16 و26، 15: 26 و16: 7). ويدل تارة على المسيح (1 يوحنا 2: 1). اما عبارة "يَكونُ معَكم لِلأَبَد" فتشير الى موهبة الروح الذي تُعطى بلا سقف زماني، وهي تضمن للأبد الاتحاد بالمسيح الذي يهب الروح (يوحنا 18: 20) .

17 رُوحَ الحَقِّ الَّذي لا يَستَطيعُ العالَمُ أَن يَتَلَقَّاه لأَنَّه لا يَراه ولا يَعرِفُه. أَمَّا أَنتُم فتَعلَمون أَنَّه يُقيمُ عِندكم ويَكونُ فيكم

تشير عبارة "روح الحق " الى الروح الذي يمنحه المسيح، ويشهد للمسيح الذي هو الحق، ويجتذب النفوس لقبول إنجيله، والتعرف على أسراره. هو الروح الذي يساعد التلاميذ على التقدّم في المعرفة " متى جاءَ هوَ، أَي رُوحُ الحَقّ، أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه "(يوحنا 16: 13) ويساعد في تأدية الشهادة له " وأَنتُم أَيضاً تَشهَدون لأَنَّكُم مَعي مُنذُ البَدْء"(يوحنا 15: 27). وهذا الروح يتعارض مع روح الضلال (1 يوحنا 4: 5) والكذب المسيطر على العالم " ليسَ فيه شَيءٌ مِنَ الحقّ. فَإِذا تكَلَّمَ بِالكَذِب تَكَلَّمَ بِما عِندَه لأَنَّه كذَّابٌ وأَبو الكَذِب " (يوحنا 8: 44). والحق هو وصف لله. فالآب حق (يوحنا 3:17) والمسيح حق (6:14). والروح القدس حق؛ أما عبارة "لا يَستَطيعُ العالَمُ أَن يَتَلَقَّاه" فتشير الى رفض العالم للروح القدس كما رفض الكلمة المتجسد يسوع المسيح (يوحنا 1: 10). لأنّ العالم لا يملك نظرة التقدير ويأخذ بنظرة اعتبار لكل ما هو إلهي، فالعالم لا يُميِّز روح الحق، ولا يستطيع ان يقبله لان العالم وجد ذاته في شهوات الجسد وشهوة العين وتعظم المعيشة " لأَنَّ كُلَّ ما في العالَم مِن شَهوَةِ الجَسَد وشَهوَةِ العَين وكِبرياءِ الغِنى لَيسَ مِنَ الآبِ، بل مِنَ العالَم" (1 يوحنا 2: 16). فالعالم لا يدرك سوى المحسوسات كما جاء في تعليم بولس الرسول " إِذا كانَت بِشارتُنا مَحجوبَة، فإِنَّما هي مَحجوبَةٌ عنِ السَّائِرينَ في طَريقِ الهَلاك، عن غَيرِ المُؤمِنينَ الَّذينَ أَعْمى بَصائِرَهم إِلهُ هذِه الدُنْيا، لِئَلاَّ يُبصِروا نورَ بِشارةِ مَجْدِ المسيح، وهو صُورةُ الله "(2 قورنتس 4: 3-4)، فهو مصاب بالعمى الروحي وفساد الفكر، فلا يقدر أن يرى روح الحق أو يعرفه. ويُعلق القديس اوغسطينوس "الحب العالمي (الزمني) ليس له تلك الأعين غير المنظورة بينما الروح القدس لا يمكن أن يُرى إلاَّ بالأعين غير المنظورة". اما عبارة " أَمَّا أَنتُم فتَعلَمون" فتشير الى المؤمنين الذين عرفوا الابن ويعرفون الروح أيضا كما جاء في رسالة العبرانيين "أَنَّ الطَّعامَ القَوِيَّ هو لِلرَّاشِدين، لأَولئِكَ الَّذينَ بِالتَّدَرُّبِ رُوِّضَت بَصائِرُهم على التَمْييزِ بَينَ الخَيرِ والشَّرّ"(عبرانيين5: 4)؛ اما عبارة " يُقيمُ عِندكم ويَكونُ فيكم " فتشير الى ان المؤمن هو هيكل الروح القدس. ولن يفارق الروح التلاميذ كما سيفارقهم يسوع الآن بالجسد لدى موته.

18 لن أَدَعَكم يَتامى، فإِنِّي أَرجعُ إِلَيكم

تشير عبارة " لن أَدَعَكم يَتامى " الى تعزية يسوع لتلاميذه بعدم تركه التلاميذ يتامى وكأن لا أب لهم يسندهم. فقد كان اليهود يدعون المعلمين آباء والتلاميذ أبناءهم، فبترك السيد المسيح تلاميذه يصيرون كمن هم بلا أب؛ اما عبارة " فإِنِّي أَرجعُ إِلَيكم" فتشير الى وعد يسوع لتلاميذه بظهورات بعد قيامته كتأييد وحدته الجوهرية مع الآب، كما يأتي إليهم بعد صعوده في مجيئه الأخير ليحملهم إلى المجد. إنه يأتي أيضًا إلينا على الدوام بروحه، حاضر في قلوبنا، وفي وسطنا. فهو يجيء إليهم ولا سيما حين يقولون له: تعال أيها الرب يسوع (رؤيا 22: 20). وفي الواقع، إن لم يعطينا الله الروح، نبقى وحيدين في العالم. لهذا السبب يقول لنا يسوع بأنه لن يدعنا يتامى ؛ فبالروح نصبح أبناء الله وبالتالي يصبح الله بشكل أبانا. 

19 بَعدَ قَليلٍ لَن يَراني العالَم. أَمَّا أَنتُم فسَتَرونَني لِأَنِّي حَيٌّ ولأنَّكُم أَنتُم أَيضاً سَتَحيَون

تشير عبارة " لَن يَراني العالَم " الى عجز العالم عن معرفة يسوع القائم من الموت (يوحنا 6: 34 و8: 21). فبعد ان يُصلب يسوع ويموت لا يعود العالم يراه، لا حسب جسده ولا حسب لاهوته؛ لأنّ يسوع أوقف من قبل اليهود، وصُلِب في اليوم التالي، ودُفِن في المساء واختفى بالتالي عن أنظار البشر. اما عبارة "أَمَّا أَنتُم فسَتَرونَني لِأَنِّي حَيٌّ ولأنَّكُم أَنتُم أَيضاً سَتَحيَون" فتشير الى اختبار التلاميذ حضور يسوع القائم ومشاركته في حياته الجديدة، وكذلك من سيؤمنون بناءً على شهادتهم. وهذه المعرفة وهذه المشاركة في حياة القائم من الموت تمهدان وتستبقيان ما سيتم عند مجي المسيح " نَحنُ مُنذُ الآنَ أَبناءُ الله ولَم يُظهَرْ حتَّى الآن ما سَنَصيرُ إِليه. نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا نُصبِحُ عِندَ ظُهورِه أَشباهَه لأَنَّنا سَنَراه كما هو" (1 يوحنا 3: 1-2) ، ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "فقد أبلغهم من خلال هذه العبارة بأنّه سيعود، وبأنّ الافتراق سيكون قصيرًا وبأنّ اللقاء معهم سيدوم إلى الأبد. ؛ اما عبارة " سَتَحيَون" فتشير الى الحياة التي هي الاتحاد بالابن وعن يده بالآب، وهذا التبادل القائم على المعرفة والمحبة المتبادلة مضمون على وجه ثابت ونهائي كما جاء في تعليم بولس الرسول " أَحْيانا مع المَسيح" (أفسس 2: 5)؛ وكما اختبر بولس نفسه هذه الحياة " فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ" (غلاطية 2: 20). هناك التمييز بين التلاميذ والعالم. فالتلاميذ هم الذين يختبرون حضور المسيح القائم من الموت، ويقاسمونه حياته الجديدة. هو يحيا، وهم سيحيون، اما العالم فلا يستطيع ان يُدرك يسوع عبر موته (يوحنا 7: 34).

20 إِنَّكم في ذلك اليَومِ تَعرِفونَ أَنِّي في أَبي وأَنَّكم فِيَّ وأَنِّي فِيكُم

تشير عبارة " إِنَّكم في ذلك اليَومِ " الى عبارة مألوفة في العهد القديم للدلالة على مجيء في آخر الأزمنة (اشعيا 2: 17). وتبتدئ هذه الأزمنة بقيامة يسوع التي يشترك فيها المؤمنون، لقد أعطي كل شيء بقيامة المسيح، لكن كل شيء يبقى منفتحا على الاكتمال. وهذا اليوم يتم ويتجلى يوم بشارة الرب. اما عبارة " تَعرِفونَ" فتشير الى تبدُّل تفكير التلاميذ فيعرفون العلاقة التي تربط الآب بالابن، والعلاقة التي تربطهم بالابن، وبواسطته بالآب. اما عبارة " أَنِّي في أَبي " فتشير للوحدة القائمة بين الآب والابن، وحدة الطبيعة أو الجوهر، وجوهر الله ألوهيته؛ أما عبارة " وأَنَّكم فِيَّ وأَنِّي فِيكُم" فتشير الى العلاقات التي تربط التلاميذ بيسوع وتمكّن من اكتشاف حقيقة العلاقة القائمة بين يسوع والآب. وهذه شركة بيننا وبينه، يعطينا فيها حياته ويشترك معنا في كل عمل، وهو يعمل الاعمال فينا، ويعطينا القداسة، والسلطان على إبليس وعلى الخطيئة، وبهذا يصير لنا سلطان أن نكون أولاد الله. اما عبارة " وأَنَّكم فِيَّ " فتشير الى اتحاد بين جسد المسيح البشري وجسدنا البشري. المسيح هو الله المتأنس الذي تجسَّد، وصار له جسد بشريتنا، أنه أخذ البشرية فيه بتجسده، فأصبحنا مسكن الله. أمّا عبارة " أَنِّي فِيكُم " فتشير الى الشركة في حياة المسيح كما اختبره بولس الرسول " وأَكونَ فيه " (فيلبي 9:3)، يسوع صار فينا حيث ننعم بشركة الطبيعة الإلهية. أخذنا فيه أعضاء جسده، ووهبنا إياه فينا بإقامة ملكوته داخلنا.

  21 مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي.

تشير عبارة " مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها " الى معنى مزدوج عرف ومارس مثل: سمع وحفظ (يوحنا 12: 47) وسمع وآمن (يوحنا 5: 24)، وهذه الطاعة هي التعبير عن المحبة، وتمكّن من معرفة الآب على وجه ظاهر من خلال ظهوره؛ اما عبارة "حَفِظَها" في الأصل اليوناني τηρέω فتشير الى حفظها في فكره وفي قلبه كوديعة، وعمل بها (يوحنا 12: 47). يتصف الحب الصادق بالخضوع التام لمن يحبه. عندما نحب شخصا نستطيع ان نتخلى بحرية عن وجهة نظرنا الشخصية، للتوافق بين ارادته ورغباته، الحب الصادق هو تعبير عن هبة الذات للآخر، ولا ينفصل حب المسيح عن حفظ الوصايا. سمع وحفظ (يوحنا 5: 24) وسمع وآمن. فطاعة الرسل لوصايا المسيح بمثابة امتحان محبتهم ودليل وحدتهم معه. اما عبارة "فذاكَ الَّذي يُحِبُّني" فتشير الى الشهادة الحقيقية لحبنا للسيد المسيح وذلك الطاعة لوصيته؛ اما عبارة " والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه" فتشير الى ثمرة الحب العملي، هو تمتع المؤمن بحب الآب. فالآب يحب الابن، والابن يحب محبّيه. ان المحبة هي الشرط الذي تنبع منه الطاعة للمسيح كلمة الله، والشركة الروحية مع الله. المحبة هي سلسلة من الصداقة تقوم بين يسوع وبين الآب. اما عبارة "فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي" فتشير الى ظهور يسوع القام من الموت والممجد كجزاء طاعة الرسل لوصايا المسيح. يشرق يسوع بنوره على فكر المؤمن وعلى قلبه، ويتمتع باستنارة روحية.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 14: 15-21)

بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 14: 15-21)، يمكن ان نستنتج انه يتمحور حول وعد يسوع بحضوره من خلال الروح القدس وحفظ وصاياه.

1) حضور يسوع لتلاميذه من خلال الروح القدس

ان الروح القدس هو الذي يؤمِّن حضور المسيح بشكل من الاشكال "أَنا سأَسأَلُ الآب فيَهَبُ لَكم مُؤَيِّداً آخَرَ يَكونُ معَكم لِلأَبَد" (يوحنا 14: 16). كان حضور الله الموقت في المسيح على الأرض شيئًا حتميًا، لأن المسيح من حيث انه انسان، ما كان يستطيع أن يبقى على الارض إلى الأبد مع المؤمنين. لكن بالرغم من صعود يسوع بالجسد إلى أبيه، بقي حضور الله مستمرًا بطريقة جديدة عن طريق الروح القدس. إن المعزّي، روح الله ذاته، يجيء بعد صعود يسوع ليهتم بتلاميذه ويرعاهم ويُرشدهم. وقد حدث هذا في يوم العنصرة (اعمال الرسل 2: 1-4). في العنصرة قطع الله عهداً جديداً معنا يختمه بسكنى روحه القدوس فينا. وهذا ما اكّده بولس الرسول " أَما تَعلَمونَ أَنَّكُم هَيكَلُ الله، وأَنَّ رُوحَ اللهِ حالٌّ فيكم؟ " (1 قورنتس 3: 16)، فحضور الروح في حياتنا هو تتميم لمخطط الله الخلاصي لنا. قال القديس اثناسيوس الاسكندري: "لقد أصبح الله انسانًا ليجعلنا أهلاً لقبول الروح القدس".

لقد كشف لنا الروح عن ذاته من خلال الصور: "حمامة" في عماد يسوع في الاردن، "ريح وألسنة نار" يوم العنصرة. لقد شبّه الانبياء الروح بالذي "يمسح" مختاريه، إنّ الانسان الذي يحصل على هذه المسحة يصبح "ممسوحًا" أو "مسيحًا". نجد هذه الصورة مكتملة فينا عندما نحصل على سر الميرون المقدس أو التثبيت، يتكلّم القديس بولس عن الروح القدس ويشبهه بختم في علاقتنا مع الله. يصبح المعمّد خاصة الرب عندما يختمنا الرب بروحه. فالروح القدس هو، بحسب القديس باسيليوس الكبير، "عربون الميراث الآتي وباكورة الخيرات الابدية" (الليتورجيا الالهية). ويدعوه الرسول بولس "الضمانة" للحصول على الحياة الابدية: إنه "هو عُربونُ مِيراثِنا إِلى أَن يَتِمَّ فِداءُ خاصَّتِه لِلتَّسْبيحِ بِمَجدِه" (أفسس 1: 14).

ان الروح القدس لن يتركنا بل يبقى معنا الى الابد، ويقودنا الى الحق كله "رُوحَ الحَقِّ الَّذي لا يَستَطيعُ العالَمُ أَن يَتَلَقَّاه لأَنَّه لا يَراه ولا يَعرِفُه"(يوحنا 14: 17)، ويحيا معنا وفينا لأنه في وسطنا وسيكون في داخلنا " تَعلَمون أَنَّه يُقيمُ عِندكم ويَكونُ فيكم" (يوحنا 14: 17)، وهو يُعلمنا كل شيء" المُؤَيِّد، الرُّوحَ القُدُس الَّذي يُرسِلُه الآبُ بِاسمي هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء"(يوحنا 14: 26)، ويذكّرنا بكل اقوال يسوع المسيح " يُذَكِّرُكُم جَميعَ ما قُلتُه لَكم "(يوحنا 14: 26). والروح يشهد للحق أي للمسيح كما صرّح يسوع "فهُو يَشهَدُ لي" (يوحنا 26:15)، وهو مصدر كل الحق، لأنه هو "رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب" (يوحنا 15: 26)، ويقنعنا بخطيئتنا وبدينونة الله " وهو، مَتى جاءَ أَخْزى العالَمَ على الخَطيئِة والبِرِّ والدَّينونَة "(يوحنا 16: 8) ويعطينا بصيرة الى أحداث المستقبل " فَمتى جاءَ هوَ، أَي رُوحُ الحَقّ، أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه لِأَنَّه لن يَتَكَلَّمَ مِن عِندِه بل يَتَكلَّمُ بِما يَسمَع ويُخبِرُكم بِما سيَحدُث" (يوحنا 16: 13)، ويُبيِّن مجد المسيح " سيُمَجِّدُني لأَنَّه يَأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه "(يوحنا 16: 14).

لقد كان الروح القدس عاملا بين الناس منذ بداية الزمان، لكنه بعد العنصرة سكن في المؤمنين (اعمال الرسل 2: 1-13). إن الروح القدس هو الله داخلنا وداخل كل المؤمنين يعمل معنا ولأجلنا وهو يعيننا ان نحيا كأبناء الله؛ كتب بولس الرسول إِنَّ الَّذينَ يَنقادونَ لِرُوحِ الله يَكونونَ أَبناءَ اللهِ حَقًّا. لم تَتلَقَّوا روحَ عُبودِيَّةٍ لِتَعودوا إِلى الخَوف، بل روحَ تَبَنٍّ بِه نُنادي: أَبًّا، يا أَبَتِ! وهذا الرُّوحُ نَفْسُه يَشْهَدُ مع أَرواحِنا بِأَنَّنا أَبناءُ الله" (رومة 8: 14-16). بالروح القدس نصبح أبناء للآب وأخوة بعضنا لبعض وللناس كلّهم.

يعلن يسوع لتلاميذه انهم سيرونه عما قريب “بَعدَ قَليلٍ لَن يَراني العالَم. أَمَّا أَنتُم فسَتَرونَني لِأَنِّي حَيٌّ ولأنَّكُم أَنتُم أَيضاً سَتَحيَون" (يوحنا 14: 19). ويقصد يسوع قيامته وترائيه لتلاميذه (يوحنا 16: 16-22). ولكن هذه الحضور لن يكون حسي محض، إنَّما يرافقه اكتشاف روحي. انهم يكتشفون علاقة يسوع بأبيه" إِنَّكم في ذلك اليَومِ تَعرِفونَ أَنِّي في أَبي وأَنَّكم فِيَّ وأَنِّي فِيكُم" ويتضح لهم حضوره فيهم، والتلاميذ يحيون حياة جديدة بيسوع حاضرا فيهم ويعرفون علاقة يسوع بابيه.

ونختبر حضور الروح القدس فينا بالصلاة " فإِنَّ الرُّوحَ أَيضاً يَأتي لِنَجدَةِ ضُعْفِنا لأَنَّنا لا نُحسِنُ الصَّلاةَ كما يَجب، ولكِنَّ الرُّوحَ نَفسَه يَشفَعُ لَنا بأَنَّاتٍ لا تُوصَف. والَّذي يَختَبِرُ القُلوب يَعلَمُ ما هو نُزوعُ الرُّوح فإِنَّهُ يَشفَعُ لِلقِدِّيسينَ بما يُوافِقُ مَشيئَةَ الله" (روما 8، 26-27). ويعلق العلامة أوريجانوس" حينما نُصلّي نكون دائماً إثنين: نحن والروح القدس. بواسطة الروح القدس، نحن ندخل في حوار أبديّ مع الآب والابن، ولا يتمّ الاستماع إلى الصلاة بحسب صوتنا، بل بحسب صوت الروح القدس الّذي يُصلّي لنا، وهو الوسيط الدائم لدى الآب والّذي يطلب دائماً ما هو الأفضل لنا".

ومن هنا نتساءل: ما هو دور الروح القدس اليوم في حياة كل واحد منا؟ ماذا عملنا بالروح القدس الذي أُعطي لنا يوم عمادنا؟ هل نسمح له أن يعمل في حياتنا؟ هل له أي دور في حياتنا؟ دعونا نطلب من الروح القدس، الروح المعزي، أن يأتي ويسكن في قلوبنا فنشعر بحضور المسيح فينا ونتذكر تعاليمه وصلاته ونعمل على حفظ وصاياه.


 2) حضور يسوع لتلاميذه من خلال حفظ وصاياه

يدعونا القدّيس يوحنّا، في بشارته، إلى استقبال كلام المسيح ومن كل قلبنا. وباستقبالنا له، نحن في الحقيقة نجعل المسيح نفسه حاضراً في حياتنا. "مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي" (يوحنا 14: 21). ينشأ رباط وثيق بين يسوع والتلميذ الأمين لوصاياه، إذ يقوم حوار حميم بينه وبين يسوع، فيسوع يُظهر نفسه كما هو. وحيث ان يسوع لا ينفصل عن الآب، فوجود الواحد لا يُعقل دون وجود الآخر "أَنِّي في الآبِ وأَنَّ الآبَ فيَّ" (يوحنا 14: 10). وعليه ينتهي الوعد بمجيء الآب والابن الى التلميذ "إذا أَحَبَّني أَحَد حَفِظَ كلامي فأحَبَّه أَبي ونأتي إِلَيه فنَجعَلُ لَنا عِندَه مُقاماً" (يوحنا 14: 23). فالمسيحي يكون مضيفا وهيكلا للأقانيم الثلاثة.

يؤكد يسوع المسيح لتلاميذه الضمانة بحضور الآب والابن والروح القدس. وحضوره يختلف عن الذي كان التلاميذ يحلمون به (يوحنا 14: 8-22) كما كان الحال في العهد القديم من خلال علامات حسية مبهرة والتي تثير حماسهم كما كان يظهر الى موسى النبي "غَطَّى الغَمامُ الجَبَل. وحَلَّ مَجدُ الَرَّبِّ على جَبَلِ سيناء" (خروج 24: 15-16)، لكن يسوع ادخل تلاميذه في عالم الايمان.

يجب أن نؤمن أوّلاً بالربّ ثمّ أن نستسلم بدون تحفّظ لوصاياه. ونعتمد الايمان عنوانا لمحبتنا. الإيمان يأتي أولاً ثم الحب. كما قالت القديسة تريزا دي كالكوتا " ثمرة الايمان الحب" فمن يؤمن يرى المسيح. ومن يرى المسيح يُحبُّه. ومن يحب المسيح يطيع الوصايا، والروح القدس هو الذي يعطينا الحب فنحفظ الوصايا كما جاء في تعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية " أن المحبة التي هي ثمرة الروح وكمال الناموس تحفظ وصايا الله ومسيحه " (رقم 1824). فالوصية تأتي دائماً من الخارج، تُعطى لنا من قبل آخر. بينما الحبّ، على العكس يأتي من أعماقنا. والإيمان هو عمل حبّ لا عمل معرفة عقليّة، والحبّ يدخلنا في المعرفة الإلهيّة وبالتالي الى المعرفة العقليّة. وحفظ الوصايا هو التطبيق العملي للحبّ الإلهيّ. وللوصول الى أن يتجلّى الله في حياتنا، لا بدّ من عيش وصاياه، من عيش الحبّ الإلهيّ في حياتنا اليوميّة.

ان المحبة أكثر من كونها كلمة لطيفة فيها التزام وسلوك. المحبة هي التزام بالآخر وليست نزوة...هي مسؤولية تجاه النفس والآخرين وليست أنانية... المحبّة دائمًا تتأنّى وتترفّق، تصبر، “وهي تَعذِرُ كُلَّ شيَء وتُصَدِّقُ كُلَّ شَيء وتَرْجو كُلَّ شيَء وتَتَحمَّلُ كُلَّ شيَء" (1 قورنتس 13: 7)، وتصحّح وتغفر، تلتزم بالحقّ وتدافع عن العدل، تنتبه إلى الفقير وتشفق على الضعيف، لا تبحث عن الغنى والجاه والتقدير، بل في كلّ شيء تبتغي خدمة الله وتمجيده وإعلان اسمه القدّوس.

فمن تبع يسوع يظهر محبته له بطاعة وصاياه. والوصايا هي ليست مجموعة من الأنظمة والقوانين، والأوامر والنواهي مفروضة من الخارج، بل هي برنامج حياة؛ فالوصايا هي ان يدخل الانسان مع المسيح في شركة حب وحياة، وذلك ان يكون تلميذا وشاهداً ورسولا. فإن أردنا أن يجعل الربَ له مقاماً عندنا، فيجب علينا أن نحفظ وصاياه، فحفظ وصايا الرب هي الدليل على محبتنا له ورغبتنا باستقباله في حياتنا. فمن يحبّ الله يمكنه أن يعاين الله، لأنّ الله محبّة ومن يحيا المحبّة يشترك بالنعمة، لا بالطبيعة، في جوهر الله نفسه. والعلامة الحسيّة لهذه المحبّة هي في عيش الوصايا.

 

فقد وعد المسيح للتلميذ الذي يحب بحضور الآب والابن والروح القدس. ولكن هذه الحضور يتطلب الطاعة والمحبة اللتين كان الله يطلبهما في العهد القديم (تثنية الاشتراع 6: 4-9) كما يصرّح السيد المسيح " إذا أَحَبَّني أَحَد حَفِظَ كلامي فأحَبَّه أَبي ونأتي إِلَيه فنَجعَلُ لَنا عِندَه مُقاماً" (يوحنا 14: 23)؛ ما قيمة الحب إذا لم يقترن بأعمال ومبادرات فعلية؟ ما قيمة الحب إن لم أحترم كلام الآخر؟ فحفظ التلميذ للكلمة وأمانته لها، يضمنان له حياة صداقة وعلاقة حميمة مع الله الذي كشف عن ذاته في عمق حياته الثالوثية (ثلاثة أقانيم في إله واحد). وعندئذٍ تتحقق نبوءة حزقيال "أَقطَعُ لَهم عَهدَ سَلام. عَهدٌ أَبَدِيّ يَكونُ معَهما، وأَجعَلُ مَقدِسي في وَسطِهم لِلأبد" (حزقيال 37: 26). فالمحبة هي العلامة الاساسية لحضور الروح فينا وهي تضفي على كل عمل مسيحي صفته الشرعية، ويجعل بالتالي فقدان المحبة ذلك العمل ناقصًا.

الخلاصة:

نستنتج ان رحيل يسوع الجسدي هو ليس النهاية، بل هو بداية حضوره وبقاءه النهائي والمستمر للإله الثالوث في قلب وحياة المؤمن. والمؤمن الحقيقي هو الذي يعيش ويطبق بمحبة كلام يسوع وتعليمه "مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي"(يوحنا 14: 21).
فحضور المسيح في حياتنا وفي عالمنا يقلب كل الموازين. لا يكفي احترام الوصايا وتطبيقها، لكن الأهم هو أن يقبل كل واحد أن يعيش من حب الله، الآب والابن والروح القدس. وإذا قبلنا أن نعيش من هذا الحب، فهذا سيغير كل حياتنا. يصبح المسيح في قلب حياتنا اليومية ونكون شهوداً له في عالم اليوم.

دعاء

أيها الاب السماوي، اننا نضع ثقتنا في ابنك يسوع الذي قال "مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي." ضع فينا روحك القدس فنحبك ونحفظ وصاياك فنحافظ على حضورك فينا فنكون واثقين وآمنين لمُستقبلنا. آمين