مدينة بيرزيت
رعية اللاتين
عذراء غوادالوبة
مواضيع روحية ومتنوعة
روابط
الأحد الخامس للسنة يسوع يشفي المرضى في كفر ناحوم (مرقس 1: 29-39) أ.د. لويس حزبون
النص الانجيلي (مرقس 1: 29-39) 29 ولَمَّا خَرَجوا مِنَ المَجمَع، جاؤُوا إِلى بَيتِ سِمعانَ وأَندَراوس ومعَهم يَعقوبُ ويوحَنَّا. 30 وكانَت حَماةُ سِمعانَ في الفِراشِ مَحمومة، فأَخَبَروه بأمرِها. 31 فدنا مِنها فأَخَذَ بِيَدِها وأَنَهَضَها، ففارَقَتْها الحُمَّى، وأَخَذَت تَخدمُهُم. 32 وعِندَ المَساء بَعدَ غُروبِ الشَّمْس، أَخَذَ النَّاسُ يَحمِلونَ إِلَيه جَميعَ المَرْضى والمَمَسوسين. 33 وَاحتَشَدَتِ المَدينةُ بِأَجمَعِها على الباب. 34 فَشَفى كثيراً مِنَ المَرْضى المُصابينَ بِمُخَتَلِفِ العِلَل، وطرَدَ كثيراً مِنَ الشَّياطين، ولَم يَدَعِ الشَّياطينَ تَتَكَلَّم لأَنَّها عَرَفَتهُ.35 وقامَ قَبلَ الفَجْرِ مُبَكِّراً، فخَرجَ وذهَبَ إِلى مَكانٍ قَفْر، وأَخذَ يُصَلِّي هُناك. 36 فَانَطَلَقَ سِمْعانُ وأَصْحابُه يَبحَثونَ عَنه، 37 فوَجَدوه. وقالوا له: ((جَميعُ النَّاسِ يَطلُبونَكَ)). 38 فقالَ لَهم: ((لِنَذهَبْ إِلى مَكانٍ آخَر، إِلى القُرى المُجاوِرَة، لِأُبشِّرَ فيها أَيضاً، فَإِنِّي لِهذا خَرَجْت)). 39 وسارَ في الجَليلِ كُلِّه، يُبَشِّرُ في مَجامِعِهم ويَطرُدُ الشَّياطين. مقدمة يصف مرقس الانجيلي رسالة يسوع في اليوم الاول في كفرناحوم، وهي رسالة التعليم وشفاء المرضى وطرد الشياطين والصلاة، وهي علامات ملكوت الله الذي جاء يسوع يدشّنه والتي تلخص اعماله في خدمته العلنية طيلة ثلاث سنوات. ويصف مرقس الإنجيلي بنوع خاص شفاء يسوع لحماة بطرس، وهذا الشفاء هو واحد من المعجزات الكثيرة التي صنعها يسوع امام تلاميذه الأولين الأربعة مما يدلّ ان يسوع جاء للقائنا ويعمل لأجلنا ولأجل شفائنا وخلاصنا. وهذا الامر يزيد رغبتنا في معرفة من هو يسوع، وما هي رسالته. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته. أولاً: وقائع النص الانجيلي (مرقس 1: 29-39) 29 ولَمَّا خَرَجوا مِنَ المَجمَع، جاؤُوا إِلى بَيتِ سِمعانَ وأَندَراوس ومعَهم يَعقوبُ ويوحَنَّا تشير عبارة "لَمَّا" في الأصل اليوناني εὐθὺς (معناها في الحال او للوقت) الى تعبير مرقس الإنجيلي الذي تكرَّر 41 مرة. ويعطيه مرقس الإنجيلي أهمية كبرى. وتدل هنا على قرب المجمع من بيت سمعان. أمَّا عبارة "المَجمَع" في الأصل اليوناني συναγωγή وفي العبرية בֵּית הַכְּנֵסֶת (كنيس) او كنش في السريانيّة (معناها جمع) فتشير الى مؤسّسة دينيّة مركزيّة في العالم اليهودي، وهو مكان ذات طابع مؤسَّسي للقاء الجماعة، ومكان إعلان كلمة الله وموضع معدّ للصلاة العلنيّة وسائر النشاطات الدينيّة الجماعيّة وقد تمّ العثور على مجمع كفرناحوم في وسط المدينة، وهو يعود إلى القرن الرابع أو الخامس للميلاد. وعُثر تحت أنقاض هذا المجمع على آثار المجمع الذي بناه قائد المائة الروماني (لوقا 7: 5) والذي كان يسوع يرتاده ويناقش فيه الكتبة والفرِّيسيين، وفيه علم يسوع الجموع عن خبز الحياة (يوحنا 6: 59). وقد دلّت التنقيبات على أن المجمع كان بناء مستطيلاً مقسَّماً الى ثلاثة أجنحة يفصل بينها أعمدة. وكان لكل جناح مدخل خاص به، ووُجد على طول الجدران مقاعد للمؤمنين (متى 23 :6). وبما أن اليهود يتوجّهون إلى اورشليم للصلاة (دانيال 6 :10)، نجد مكانًا مرتفعا (بيما)، لرئيس الجماعة والقارئ باتجاه القدس؛ وكانت الأبواب مُتَّجهة نحو أورشليم ايضا. فالمجمع هو صورة مصغّرة عن الهيكل. وقد تمَّ خراب هذا المجمع والمدينة كما أنبأ به ربنا (متى 11: 21-23). أمَّا عبارة " جاؤُوا" في الأصل اليوناني ἦλθον (معناها اتوا) فتشير الى يسوع وتلاميذه، وهناك قراءة مختلفة "جاء" أي يسوع. أمَّا عبارة "بَيتِ سِمعانَ وأَندَراوس" فتشير الى بيت الاخوين التي سكنا فيه في كفرناحوم والذي صار منذ ذلك الحين بمثابة مركز ليسوع أثناء اقامته في الجليل (مرقس 2: 1، 3: 19و9: 33). ويضيف يوحنا الانجيلي ان بيت صيدا هي مسقط راس الأخوين كما جاء في إنجيله الطاهر: "اللذين كانا من بَيتَ صَيدا مَدينَةِ أَندَراوسَ وبُطرُس" (يوحنا 1: 44)، وقد انتقلا الى كفرناحوم للعمل بالصيد. ويسوع يدخل بيت بطرس، ويتعرّف على عائلته وأصدقائه وصعوباته. وكان البيت بمثابة المكان الذي يحدث الخلاص فيه، إذ يكشف يسوع فيه عن طبيعة الملكوت. وكان البيت على مقربة من المجمع كما أشار إليه عُلماء الآثار في موقع خربة كفرناحوم. وكشفت الحفريات الأثرية للفرنسيسكان عن الموقع الذي تمَّ تحديده على أنه بيت بطرس، وهو المكان الذي فيه أعلن يسوع تعاليمه وصنع المعجزات وأصبح واحد من أكثر المواقع التي يرتادها الحجاج القادمين من كل بقاع العالم. نجد من جهة، آثار المنازل التي تعود للقرن الأول، ومن جهة أخرى نجد آثار كنيسة بيزنطية تعود الى القرن الخامس على شكل مثمّن الأضلاع فوق موضع بيت سمعان بطرس. وقد حافظ المهندس البيزنطي على آثار بيت بطرس ليحفظها من الخراب. وفي 29 حزيران 1990 انتهت أعمال بناء الكنيسة الفرنسيسكانية الحالية، وهي مبنية على شكل قارب صيد وتحتفظ تحتها بأثار الأبنية السابقة. وفي 15 تشرين الأول من كل عام يُقام احتفال على ضفاف البحيرة بعد الغروب بقليل، وذلك بقراءة من الإنجيل المقدّس التي تروي حدث دعوة التلاميذ الأوائل. وتُذكّر كلمة الله الحضور مرة أخرى بالأحداث التي جرت في هذا المكان، بدءاً بشفاء المقعد وانتهاء بدعوة متى؛ وتساعد هذه الاحتفالات في إعادة اكتشاف جذور إيماننا ورفع آيات الشكر والتسبيح ويتم أيضا مباركة عناقيد العنب وتوزيعها على جماعة المؤمنين تذكيراً بالإفخارستيا وعلامة فعل شكر لله لأجل هباته. أمَّا عبارة " بَيتِ " فلا تشير الى السكنى فقط، انما أيضا الى العائلة ومكان العلاقات الإنسانية. ويُمثل أيضا المكان اللاهوتي لتعليم يسوع واعماله. ومن الواضح في انجيل مرقس ان استعماله المجازي لكلمة " بيت" له علاقة بالجماعة المسيحية الكنسيَّة الأولى (مرقس 11: 17؛ 13: 35). أمَّا عبارة "سِمعانَ وأَندَراوس ومعَهم يَعقوبُ ويوحَنَّا" فتشير الى هؤلاء التلاميذ الذين هم اول المدعويّن (مرقس 1: 16-20). وهم التلاميذ الأربعة المفضَّلين. ويعلق القديس ايرونيموس "كان هؤلاء الثلاثة يرافقونه. اختير بطرس، وعليه بُنيت الكنيسة، وكذلك يعقوب، أول رسول تسلّم إكليل الشهادة، ويوحنا، أول رسول بشّر بالبتولية". وبعد ان خرج يسوع وتلاميذه الأربعة من مجمع كفرناحوم، مكان عام، جاء الى بيت بطرس مكان خاص. يسوع يمارس عمله اليوم في كل مكان، في جميع ميادين الحياة الدينية والدنيوية. وهكذا نجد يسوع يعمل أينما وُجد وتحت كل الظروف، يعمل في المجمع العام كما في البيت الخاص. 30 وكانَت حَماةُ سِمعانَ في الفِراشِ مَحمومة، فأَخَبَروه بأمرِها تشير عبارة "حَماةُ سِمعانَ" الى بطرس الذي كان متزوجا ورب بيت كما جاء في رسالة بولس الرسول (1 قورنتس 9: 5)، وان زوجته ربما كانت ترافقه في خدمته في وقت لاحق. أمَّا عبارة "في الفِراشِ" في الأصل اليوناني κατέκειτο (معناها ملقاة) فتشير الى حماة سمعان التي كانت طريحة الفراش كما جاء واضحا في إنجيل متى "فرأَى حَماتَهُ مُلقاةً على الفِراشِ" (متى 8: 14)، ويُعلق القديس أمبروسيوس "أن حماة سمعان تمثل جسدنا الذي أصابته حُمَّى الخطايا المختلفة فصار أسير الألم، مطروحًا بلا عمل، يحتاج إلى طبيب قادر أن يحلَّه من رباط المرض". أمَّا عبارة "مَحمومة" فتشير الى مرض الحمّى، كما اوضحه الطبيب لوقا الإنجيلي "وكانَت حَماةُ سِمْعانَ مُصابَةً بِحُمَّى شديدةٍ " (لوقا 4: 38) او نار العظام بحسب الربّانيين، بناء على ما جاء في سفر التثنية يَضرِبُكَ الرَّبُّ بِالضَّنى والحُمَّى والبُرَداءِ والالتِهابِ مع الجَفافِ والصَّدَع والذُّبول، فتُطارِدُكَ حتَّى تَهلِك" (سفر تثنية الاشتراع 28: 22)، ويُنسب عادة مرض الحمّى الى سبب غير طبيعي كما جاء في سفر الاحبار " أُسَلِّطُ علَيكم رُعْباً وضَنًى وحُمَّى تُفْني العَينَينِ وتُرهِقُ النَّفَس" (الاحبار 26: 16). وفي الواقع، كانت هناك ثلاثة أنواع معروفة من الحُمَّى، أولها ما كانوا يسمّونها «الحمى المالطية». وهي التي تُسبِّب الضعف والأنيميا التي تستمر شهوراً، وتنتهي بالموت. وهناك ما يُشبه حُمّى التّيفوئيد كما نعرفها اليوم، وهناك حُمَّى الملاريا التي ينقلها البعوض الذي يتوالد في المنطقة التي يلتقي فيها الأردن ببحيرة طبرية. كانت الحُمَّى بأنواعها متفشِّية في كفرناحوم وطبرية. ويمكن إزالة الحمَّى بالصلاة للمسيح كما حدث في شفاء ابن عامل الملك "فاستَخبَرَهم يسوع عنِ السَّاعةِ الَّتي فيها تَعافى. فقالوا له: أَمْسِ في السَّاعَةِ الواحِدَةِ بَعدَ الظُّهْر فارَقَته الحُمَّى" (يوحنا 4: 52). وكان المرض علامة على هشاشة الانسان وخطاياه. ويُعلق العلامة القدّيس ايرونيموس "ليت المسيح يدخل إلى منزلنا حتّى يشفي بكلمة واحدة حُمّى خطايانا. كلّ واحدٍ منّا يُصاب بالحُمّى. كلّ مرّة نغضبُ فيها، نُصاب بالحُمّى؛ إنّ ضُعفَنا على تنوّعه يُشكِّل معبرًا للحمّى" (عظات عن إنجيل القدّيس مرقس). وتعتبر حماة بطرس من المُسنِّين، وكثيرون منهم يحسبون أنفسهم غير مُهمِّين، لكن ليس هناك شخص غير مُهم في نظر الرب كما جاء في نبوءة أشعيا "إِلى شَيخوخَتِكم أَنا أَنا، وإِلى مَشيبِكم أَحتَمِلُكم، أَنا صَنَعتُكَم فأَنا أَحمِلُكم أَنا أَحتَمِلُكِم وأُنَجِّيكم" (أشعيا 46: 4). أمَّا عبارة "فأَخَبَروه" في الأصل اليوناني εὐθὺς λέγουσιν (معناها أخبروه حالا) فتشير الى تعبير مرقس الإنجيلي الذي تكرر 41 مرة. ويعطيه مرقس الإنجيلي أهمية كبرى. ويدل فعل "أَخَبَروه" على ان حماة بطرس كانت طريحة الفراش عاجزة عن أن تشكو للمسيح وان بطرس لم يسأل شيئًا لنفسه أو عائلته لكن المُحيطين بالسيِّد المسيح "سألوه فورا من أجلها"؛ وهذه هي صورة حيَّة لإيمان الحاضرين بقدرته على الشفاء، وصورة على شفاعة الأعضاء لبعضها عن البعض أمام الرأس الواحد ربَّنا يسوع! ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "إن سمعان لم يستدعِ السيد المسيح ليشفي حماته المريضة بل انتظره حتى يتمم عمله التعليمي في هذا المجمع؛ هكذا منذ البداية تدرب أن يفضل ما هو للآخرين عما هو لنفسه". ليس لنا إذا اصابتنا الامراض الاَّ ان نذهب الى يسوع ونُخبره بها. 31 فدنا مِنها فأَخَذَ بِيَدِها وأَنَهَضَها، ففارَقَتْها الحُمَّى، وأَخَذَت تَخدمُهُم تشير عبارة "فدنا مِنها" الى اقتراب يسوع من حماة بطرس دون ان يتفوَّه بشيء. أنه " عِمَّانوئيل أَيِ اللهُ معَنا" (متى 1: 23)، حيث إنه يتضامن معنا في طبيعتنا الضعيفة كما جاء في تعليم بولس الرسول "هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان" (فيلبي 2: 6-7). أمَّا عبارة "فأَخَذَ بِيَدِها وأَنَهَضَها" فتشير الى حركات ودية وإنسانية مألوفة. إن يد يسوع، عندما أخذ بيد حماة بطرس، أنهضها وأعاد لها الحياة. يا لها من شهادة على قدرة يسوع وعلامة قوة وعطف وصداقة تجاه تلك المرأة المُسنَّة المريضة! ويُعلق القديس كيرلس الكبير "أرجو أيضًا أن تلاحظوا قوة جسده المقدس إذا ما مسّ أحدًا، فان هذه القوة تقضي على مختلف الأسقام والأمراض، وتهزم الشيطان وأعوانه، وتشفى جماهير الناس في لحظة من الزمن. ومع أن المسيح كان في قدرته أن يُجري معجزات بكلمة منه، بمجرد إشارة تصدر عنه، إلاَّ أنه وضع يديه على المرضى ليُعلمنا أن الجسد المقدس الذي اتخذه هيكلًا له كان به قوة الكلمة الإلهي". إن يسوع هو صاحب سلطان حقيقي، يعمل بكلمته وبلمسة يديه. أرتبط هذه الحركة بفعل الشفاء، بل أكثر من ذلك؛ ارتبطت بإعادة الحياة كما حدث في إحياء ابنة يائيرس "فأَخَذَ بِيَدِ الصَّبِيَّةِ وقالَ لها: ((طَليتا قوم!)) أي: يا صَبِيَّة أَقولُ لكِ: قومي" (مرقس 5: 41) وكما حدث مع الصبي المصاب بالصرع الذي “مات” عندما طرد يسوع الروح النجس منه، "فأَخَذَ يسوعُ بِيَدِه وأَنَهَضَه فقام" (مرقس 9: 27). أمَّا عبارة "أَنَهَضَها" في الأصل اليوناني ἤγειρεν (معناها اقام) فتشير الى العمل المركزي ليسوع تجاه حماة بطرس. وفي هذا الصدد يقول صاحب المزامير " يُرسِلُ مِن عَلْيائِه فيأخُذُني ومِنَ البِحارِ يَنتَشِلُني "(مزمور 18: 17)، وغالبًا ما يُستخدم هذه الفعل في قيامة السيد المسيح نفسه (مرقس 14: 28؛ 16: 6)؛ وتدل هذه الآية على ان يسوع لم يأمر ويلمس يد حماة بطرس فقط، انما عاونها على النهوض والوقوف والقيام. ويعلق القديس ايرونيموس "في الواقع لم يكن بإمكان هذه المرأة المريضة أن تنهض من فراشها بمفردها وتأتي للقاء الرّب يسوع. غير أنّ هذا الطبيب العظيم يسوع المسيح اقترب بنفسه من السرير. وما زال حتّى اليوم يقترب نحو هذا السرير ويشفي أيضًا". فكل شفاء هو صورة لنهوضنا من حُمّى الموت وقيامتنا. وكل شفاء عند المسيح هو قيامة ونهوض، والنهوض علامة القيامة وصورة لنهوضنا وقيامتنا من حمّى الموت والقبور. ويُعلق القديس كيرلس "وكأن حماة بطرس لم تكن في حاجة إلى من يشفيها من مرض جسدي، بل من يُقيمها من الموت. احتاجت إلى واهب القيامة نفسه يُقيمها معه!" ان يسوع يُنهض الانسان لا لمجده الخاص بل جوابا على نداء الله الآب لكي يستطيع الانسان ان يكتشف الله. ويُعلق القديس اوغسطينوس "لقد أرادهم أن يفهموا أعماله أنها ليست بقصد الإعجاب، وإنما قدَّمها عن حب لأجل الشفاء"؛ لا أحد يُخلص نفسَه، الله الذي يُخلص الانسان. لكل علة وداء، عند المسيح الشفاء، فلنطلب من الله ان يمسك يدنا في كل سر من اسرار الكنيسة: في سر الاعتراف والمناولة لكي تشفينا من "حُمّى" امراضنا وخطايانا. ويستعمل بولس الرسول فعل " أنهض" ليرمز الى القيامة الحاصلة في حياة المعمودية (أفسس 5: 4)، فالرب الذي يشفي هو نفسه الذي يُجدِّد الجماعة المسيحية من خلال المعمودية الجديدة، إذ في المعمودية يبلغ المؤمن ملء الخلاص. امَّا عبارة "ففارَقَتْها الحُمَّى" فتشير الى شفاء حماة بطرس ويُعلق العلامة القدّيس ايرونيموس " فلنَسألْ الرسل أن يصلّوا حتّى يأتي يسوع إلى نجدتنا وليأخذنا بيده؛ لأنّه ما إن يلمس أيادينا، حتّى تزول الحمّى" (عظات عن إنجيل القدّيس مرقس). يسوع يدخل بيت بطرس، يتعرّف على عائلته وأصدقائه وصعوباته ويهتم بالإنسان، بالفرد، فهو قريب من العائلات واحتياجاتهم. أمَّا عبارة "أَخَذَت تَخدمُهُم" فتشير إلى حَماة سمعان التي تخلصت فورا من الضعف الذي يعقب الحُمَّى عادة وكانت قادرة لتحضير عشاء السبت بعد الصلاة في المجمع دون ان يبدو عليها الإعياء والتعب اللذان عادة ما يعقبان حُمَّى كهذه، دلالة على ان الشفاء كان فوريا وكاملا. وبعد ان شُفيت المرأة، استطاعت من جديد ان تقوم بعمل الخدمة العادية اليومية. هذا شيء بسيط يكرمه الإنجيل لأن عملنا اليومي مقدس. فقدرة المسيح الشافي يجعل الشخص قادر على العمل وعلى وضع نفسه في خدمة القريب والانجيل والملكوت. إن الرب سجَّل في الإنجيل خدمة حماة بطرس في تحضير الطعام تقديرا لخدمتها، لان الدافع لها هو المحبة للمسيح والإخلاص له. والحماة التي تخدم يسوع وتلاميذه تمثل الكنيسة. حين يقوم الانسان بيد يسوع التي تُنهضه، يصبح حراً وخادماً على خطى المسيح الذي قال قبل آلامه "لأَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس" (مرقس 10: 45). وفي الخدمة يتشابه التلميذ بالمعلم. فكلما خدمنا ربنا يسوع المسيح في محبة وإخلاص إنما في الحقيقة ننال خدمته وننعم بعمله الفائق فينا. وهكذا نجد ان الملكوت يتحقق في الأمور العادية اليومية مثل العلاقات الاجتماعية مثل زيارة البيوت والخدمة وتبادل خبرات الحياة. 32 وعِندَ المَساء بَعدَ غُروبِ الشَّمْس، أَخَذَ النَّاسُ يَحمِلونَ إِلَيه جَميعَ المَرْضى والمَمَسوسين تشير عبارة "بعد غروب الشمس" الى طلوع الكواكب الأولى مما يدل على انتهاء السبت. وفي هذا الوقت يُسمح للناس ان يحملوا مرضاهم دون مخالفة شريعة يوم السبت (مرقس 1: 21)؛ ويوم السبت كان يبدأ من غروب الشمس الجمعة الى غروب الشمس في يوم السبت. وقد أعلن قادة اليهود الدينية ان الشفاء يوم السبت يُعتبر مُخالفا للشريعة (متى 12: 10). وحيث ان المرضى لا يريدون مخالفة الشريعة، انتظروا غروب الشمس ليأتوا الى يسوع حتى يشفيهم. أمَّا عبارة "جَميعَ المَرْضى والمَمَسوسين" فتشير الى وضع المرضى والمَمْسوسين في فئة واحدة امام يسوع كما ورد مرارا في انجيل مرقس (1: 34 و3: 19 و6: 13)، وتدل العبارة أيضا على الجمع بين المرض وتأثير الروح الشريرة، كما تدل على التصنيف بين المرضى جسديا واولئك المصابين بتسلط الأرواح النجسة. بينما وضع لوقا الإنجيلي المَمَسوسين في عداد المرضى (لوقا 4: 40-41)؛ وهذا يدل على شدة اليأس والمرض والحاجة للشفاء عند أهل كفرناحوم. أمَّا عبارة " المَمَسوسين" فتشير في الإنجيل الى أربع عبارات مشابهة: المَمْسوسين، والشياطين، والأرواح، والارواح النجسة. ولم يرد ذكر الشياطين في العهد الجديد إلا من ناحية تأثيرهم في هذا العالم. وأمَّا رسالة يسوع فتقوم بالقضاء على هذا التأثير الشيطاني ووضع حدٍ له. إن حضور يسوع يُنجّينا من الخطيئة والمرض وروح الشر الذي يُحدق بنا من جميع الجهات. 33 وَاحتَشَدَتِ المَدينةُ بِأَجمَعِها على الباب تشير عبارة "المَدينةُ بِأَجمَعِها" الى مبالغة يُراد بها أناس كثيرون من السكان إمَّا لمجرد المعاينة، وإمَّا طلبا لشفائهم او لشفاء أصحابهم. أمَّا عبارة "الباب" في الأصل اليوناني θύρανفتشير الى مدخل دار سمعان حيث هناك ساحة عامة، يجتمع فيها الناس، لان شوارع المدن كانت ضيقة. والجدير بالذكر ان مرقس الإنجيلي يدقِّق في تفاصيل الحدث. ودعا سمعان بطرس السيِّد المسيح إلى بيته حيث شفى حماته فصار بيته مركزًا حيًا يأتي إليه المرضى المُتعبون من الأرواح النجسة، لنيل نعمة الشفاء. يسوع يعمل أينما وُجد ليجتذب الكل بحبه العملي إلى ابيه السماوي. 34 فَشَفى كثيراً مِنَ المَرْضى المُصابينَ بِمُخَتَلِفِ العِلَل، وطرَدَ كثيراً مِنَ الشَّياطين، ولَم يَدَعِ الشَّياطينَ تَتَكَلَّم لأَنَّها عَرَفَتهُ تشير عبارة "فَشَفى كثيراً مِنَ المَرْضى المُصابينَ بِمُخَتَلِفِ العِلَل" الى "شفاء كثيرين وليس "الجميع"، ربما لأن عدم إيمان القلة منهم حرمهم من الشفاء. وإن شفاء المرضى وتخفيف الألم هي علامات عن ملكوت الله القريب. ويسوع يُتمِّم مخطط الله من أجل شفاء البشر وخلاصهم كما جاء في انجيل متى "لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيِّ أَشَعْيا: "هوَ الَّذي أَخذَ أَسقامَنا وحَمَلَ أَمراضَنا" (متى 8: 17). ولم يخيّب يسوع آمال المرضى بل بشفقته وقوته الإلهية أستجاب لدعاء حاجة البشرية حيث جاء إلى العالم كلِّه ليُخلص الجميع. يده التي لمست يد حماة بطرس هي نفسها التي تلمس كل هؤلاء المرضى فتشفيهم. والمرض هو صورة ملموسة ومرئية لشر آخر داخلي كامن، تصعب مراقبته الا وهو الخطيئة. ويسوع هو المسيح المنتظر، رجاء البشرية، المُخلص والشافي والمعلم. أمَّا عبارة "طرَدَ كثيراً مِنَ الشَّياطين" فتشير الى تحرير الانسان من تأثير الشياطين، وهو من علامات ملكوت الله القريب وتتميم رسالة يسوع في خلاص العالم، إذ رسالة يسوع تقوم فعليا بوضع حدٍّ لهذا التأثير؛ وفي عملية طرد الشياطين التي قام بها يسوع، لا بدَّ من الإشارة الى دور كلمته الفعَّالة، خلافا للتعاويذ المُعقَّدة التي كان معزّمو زمانه يقومون بها. فيسوع يطرد الشياطين بكلمته التي تفعل ما يقوله، بعكس الناس الذين يقومون بطرد الشياطين بأعمال من السحر. يسوع يطرد الشياطين كي يكفّوا عن إغواء الناس والسيطرة عليهم والإقامة فيهم وسلبهم حرّيّة الاختيار، وحثّهم على فعل الشرّ. أمَّا عبارة "لَم يَدَعِ الشَّياطينَ تَتَكَلَّم" فتشير الى يسوع الذي يريد ان يتعرَّف الناس على هويته من خلال أقواله وأعماله عن طريق إيمانهم بها بصورة تدريجية وليس بشهادة الشياطين. ولأنه لم يُردْ شهادتهم ولا يحتاج اليها. ومن هنا جاء المثل الشعبي "لا يُحدث الخير ضجّة، كما لا تصنع الضجة خيراً". لهذا اسكت الشياطين الذين ارادوا ان يكشفوا شخصه، لأنه لم يحنْ وقتُ كشف هويته بوجه نهائي (مرقس 1: 44). ويُعلق القديس كيرلس الكبير "لم يدعْ المسيح الشيَّاطين أن يعترفوا به، لأنه لا يليق أن يغتصبوا حق الوظيفة الرسوليَّة. كذلك لا يجوز أن يتكلَّموا بألسِنة نجسة عن سرّ المسيح الفدائي. نعم يجب ألا تصدِّق هذه الأرواح الشرِّيرة حتى لو تكلَّمَت صدْقًا. لأن النور لا يُكشف من خلال الظلام الدامس، كما أشار إلى ذلك رسول المسيح بالقول: " أَيُّ اتِّحادٍ بَينَ النُّورِ والظُّلْمَة؟ وأَيُّ ائتِلافٍ بَينَ المسيحِ وبَليعار؟ (2 قورنتس 6: 14-15)"، ويقول القديس أمبروسيوس: يعترف الشيطان بالمسيح، لكنه يُنكره بأعماله". ومن جهة أخرى، أراد يسوع ان يعلن حقيقة كونه المسيح في التوقيت الذي يختاره هو، اذ أراد ان يعلن ذاته كالعبد المتألم قبل ان يصبح الملك العظيم. في حين الوقت الذي أختاره الشيطان في اعلان عن هوية المسيح كملك في وقت مبكر، مما يُثير الجموع بالتوقعات الخاطئة حول ما جاء يسوع ليفعله. أمَّا عبارة "عَرَفَتهُ" في الأصل اليوناني δεισαν αὐτόν (معناها لأنهم عرفوه) فتشير الى معرفة الشياطين ان يسوع هو المسيح. لكن يسوع اسكت الشياطين الذين أرادوا ان يكشفوا شخصه لأنه لا يريد ان يستبق الوقت للكشف عن هويته. 35 وقامَ قَبلَ الفَجْرِ مُبَكِّراً، فخَرجَ وذهَبَ إِلى مَكانٍ قَفْر، وأَخذَ يُصَلِّي هُناك تشير عبارة "قَبلَ الفَجْرِ مُبَكِّراً" في الاصل اليوناني πρωῒ ἔννυχα λίαν (معناها الليل لا يزال حالكا) الى الظلام الذي لا يزال مُخيّماً والناس في البيوت نياما. أمَّا عبارة " مَكانٍ قَفْر" فتشير الى مكان خارج كفرناحوم وبعيد عن الجموع في عزلة وصمت ليختلي؛ أمَّا سبب عزلته فهو رغبة يسوع في الشركة مع ابيه تحضيرا للتبشير في اماكن أخرى: مرّ يسوع من المجمع، موضع الصلاة لليهود الى بيت بطرس، مكان خاص، ومن هناك الى الساحة العامة حيث يجتمع الناس، والآن ها هو في مكان قفر من اجل صلاة مع الله الآب. لا ينحصر حضور يسوع في مكان واحد بل يتوجّه الى كل مكان. امَّا عبارة " أَخذَ يُصَلِّي هُناك " فتشير الى اختلاء يسوع في الليل مع الآب. فالصلاة هي مهمته الثالثة بعد التعليم وطرد الشياطين، وهي الدخول في لقاء حميم مع أبيه السماوي والاختلاء به وجهاً لوجه ومحاورته وحده. وسيكون وحده في بستان الزيتون بعد ان نام التلاميذ، كما سيكون وحده على الجلجلة. وهنا يلفت مرقس الإنجيلي انتباهنا الى صلاة يسوع الصباحية. والصلاة هي رباط حيوي مع الله. وتعلق الناسكة الانكليزية جوليانّ من نورويتش "إن الصلاة توحّد النّفس مع الله وتشهد على أن النّفس يجب أن تريد ما يريده الله" (وحي الحب الإلهي، الفصل 43). وكما يسوع خصَّص وقتا للصلاة العلنية في المجمع، كذلك خصَّص ووقتا آخر للصلاة الفردية التي تخرج من القلب الى القلب. المعلم يصلي كي يُعلمنا أن نلجأ إلى الصلاة دائمًا، وأننا كلما نختلي مع الله اِلتهب قلبنا بالأكثر نحو خلاص العالم، فالحياة التأمُّليَّة الصادقة هي التي تفتح القلب بالأكثر وتُلهبه نحو الشوق لخلاص الكل. وكثيرا ما ذكر الانجيل ان يسوع كان يصلي: صلى يسوع عندما اعتمد (لوقا 3:21) وكذلك لمَّا تجلَّى (لوقا 9: 29)، وصلى قبل انتخاب الاثني عشر رسولا (لوقا 6: 12)، ولما أراد الناس ان يمسكوه ويجعلوه ملكا انفرد للصلاة (متى 14: 23) وقبل ما صُلب صلى في بستان الجسمانية (لوقا 22: 41). فكلّما زاد العمل الّذي كان يتعيّن عليه القيام به، كلّما ازداد شعوره بالحاجة للصلاة. إن كان المسيح صلي فكم بالحري نحن بحاجة للصلاة. فبدون الصلاة لا حماية من الله لنا. ويعلق البابا فرنسيس "إنّ حياتنا مدعوّة لتصبح عبادة حيال الله، لكن هذا لا يمكن أن يحصل بدون الصلاة" (3/2/2021). 36 فَانَطَلَقَ سِمْعانُ وأَصْحابُه يَبحَثونَ عَنه تشير عبارة "سِمْعانُ وأَصْحابُه" في الأصل اليوناني Σίμων καὶ οἱ μετ' αὐτοῦ (معناه سمعان واللذين معه) الى تزعم سمعان بطرس رفاقه، وهم أندراوس ويعقوب ويوحنا وربما فيلبس ونثنائيل. أمَّا عبارة "يَبحَثونَ عَنه" في الاصل اليوناني κατεδίωξεν αὐτὸν (معناها حرفيا السير وراءه) فتشير الى اقتفاء أثره وهي عبارة لا نجدها في العهد الجديد الاّ هنا فقط. ومن هنا يأتي موضوع هام، وهو البحث عن الله لكي نتبعه ونطيعه ونتمِّم مشيئته. يدعو يسوع بطرس إلى التفكير بطريقة جديدة لإيجاده. 37 "فوَجَدوه. وقالوا له: "جَميعُ النَّاسِ يَطلُبونَكَ" تشير عبارة "وقالوا له: "جَميعُ النَّاسِ" الى اتخاذ الرسل سؤال الناس عنه عذْرا لطلبهم إياه وعلَّة لإرجاعه الى كفرناحوم واقامته هناك كما يشير قول لوقا الإنجيلي "خَرَجَ عِندَ الصَّباح، وذَهَبَ إِلى مِكانٍ قَفْر، فسَعَت إِلَيهِ الـجُموعُ تَطلُبُه فأَدرَكَتْه، وحاوَلوا أَن يُمسِكوا بِه لِئَلاَّ يَذهَبَ عَنهُم" (لوقا 4: 42) ظناً منهم انَّ من واجبه إرضاء الجموع. أمَّا عبارة “يطلبونك" فتشير الى محاولة سكان كفرناحوم أن يبحثوا عن يسوع ويحتفظوا به لكنه شرح لهم بمحبة أنه جاء للجميع. 38 فقالَ لَهم: لِنَذهَبْ إِلى مَكانٍ آخَر، إِلى القُرى المُجاوِرَة، لِأُبشِّرَ فيها أَيضاً، فَإِنِّي لِهذا خَرَجْت تشير عبارة " مَكانٍ آخَر " الى ترك كفرناحوم الذي شفى وبشر فيها، مطيعاً بذلك للدعوة التي تطلب منه الذهاب إلى القرى المجاورة ليبشِّر بالخلاص ويقوم بالشفاء ووضع اليد على الجميع. امَّا عبارة "إِلى القُرى المُجاوِرَة" فتشير الى عدم حصر عمل يسوع في مدينة واحدة معينة في كفرناحوم، بل أراد ان يذهب الى القرى المجاورة الى كفرناحوم مثل كورزين وبيت صيدا ومجدلة ...ويشرق بأشعة محبته على كل مكان لكي يُحرِّر الكل من تأثير قوى الشر وسلطان إبليس. أمَّا عبارة "لِأُبشِّرَ" في الأصل اليوناني κηρύσσω (معناها أعلن، نادى، كرز) واللغة السريانيّة "ك ر ز" مما يشكّل مفهوم الوعظ) فتشير الى إعلان بشارة الخلاص وبشارة الملكوت. وفي التفسير الحديث، فإنّ "كرازة" κήρυγμα قد اتّخذت مدلولاً محصورًا، فدلّت على إعلان الإنجيل بواسطة الرسل والكنيسة الأولى. ومن هذا المنطلق، نفهم كيف أعلِن الإنجيلُ قبل أن يدوَّن. امَّا عبارة " لِأُبشِّرَ فيها أَيضاً" فتشير الى مهمة الكرازة التي كانت مقتصرة حينئذ بيسوع، لأنه لم يكن الرسل سوى أربعة ولم يكرزوا بعد. وأمَّا عبارة "لِهذا خَرَجْت" فهي لا تشير فقط الى خروجه من المدينة بل الى خروجه برسالته من عند الآب كما أعلن يسوع للجموع التي تطلبه " يَجِبُ عَلَّي أَنَّ أُبَشِّرَ سائرَ الـمُدُنِ أَيضاً بِمَلَكوتِ الله، فإِنِّي لِهذا أُرسِلْت" (لوقا 4: 43). فهو لم يأتِ لراحته بل ليُريح الناس ويُخلصهم. فغايته لمجيئه الى العالم المناداة بالإنجيل لكل الناس. الحياة لها هدف. وبموجب هذا الهدف علينا أن نتّخذ قراراتنا ونستعمل الوسائل النافعة لبلوغه. يسوع يعرف الهدف الّذي يسعى إليه، واكتشف أنّ التمسّك بنجاح كفرناحوم سيجعله يُحيد عن هدفه. إنّ الإنجيل يدعو اليوم كلّ واحدٍ منّا كي يجيب عن هذا السؤال. أن يحدّد الهدف. فهل سالت نفسي ما هو هدف حياتي؟ كيف يمكنني أن أسير في حياتي الروحيّة؟ 39 وسارَ في الجَليلِ كُلِّه، يُبَشِّرُ في مَجامِعِهم ويَطرُدُ الشَّياطين تشير عبارة " سارَ في الجَليلِ كُلِّه " الى انتقال يسوع من إطار المجمع الى إطار خاص وهو بيت سمعان وأندراوس؛ ومن إطار خاص (حماة بطرس) الى إطار عام (كل المرضى والممسوسين في المدنية). كذلك انتقل يسوع من إطار مُحدَّد (مدينة كفرناحوم) الى إطار عام (كل المدن في الجليل والقرى المجاورة المُقفرة). ويذكر المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس ان عدد المدن والقرى في الجليل بلغ نحو 250 مدينة وقرية. وهذا الانتقال يعني أن يسوع جاء للجميع ولكل مكان، وما عمله يسوع مرة واحدة في مكان مُحدَّد وفي وقت محدَّد يعمله في مكان آخر ويعمله دائما. أمَّا عبارة "الجَليلِ" فتشير الى منطقة الشمال في الأرض المقدسة الذي يبلغ طولها نحو (90) كم وعرضها (45) كم حيث ان الرومان قاموا بتقسيم البلاد الى ثلاث مناطق: الجليل والسامرة واليهودية. وقد أمضى يسوع معظم تبشيره في منطقة الجليل التي تضم نحو 250 بلدة ومجامع كثيرة. وكانت هذه الجولة الاولى الذي يتكلم بها مرقس هي نموذج ما يُعلمه يسوع في انحاء الجليل. انه يُبشّر بالملكوت ويُحارب الشر. ويتحدث لوقا عن جولة ثانية (لوقا 8: 1) ومتى ومرقس يتحدثان عن جولة ثالثة (متى 11: 1 ومرقس 6: 6). يسوع هو الرسول النموذجي والمثالي: يسافر من مكان الى مكان ويقطع المسافات الشاسعة لملاقاة الناس لتعليمهم وشفائهم وخلاصهم. أمَّا عبارة " يُبَشِّرُ في مَجامِعِهم" فتشير الى إعلان ملكوت الله حيثُ أنّ الكرازة بملكوت الله هي مُلخّص لكرازة يسوع. وكان مباحا للمسيح في اول تبشيره في الإنجيل ان يدخل المجامع ويعلم فيها، لانَّ شكاوى رؤساء الكهنة في اورشليم لم تبلغ اهل الجليل يومئذٍ (يوحنا 4: 1). أمَّا عبارة "يَطرُدُ الشَّياطين" في الأصل اليوناني ἐκβάλλων (معناها طاردا) الى إخراج عددٍ كبيرٍ من الشياطين (مرقس 1 :34) كي يُحطم مملكة الظلمة. وبطرده الشياطين لم يلجأ يسوع إلى عبارات قسم، بل اكتفى بكلمة أو بأمر (مرقس 1 :25). ولا يُسمّى يسوع أبدًا "المقسِّم" ἐκβάλλω الذي يعني عزّم، قسّم. فالمقسّم أو المعزّم هو الذي يطرد الشياطين بفرض قسم أو باستحلاف أو بعبارات سحريّة (أعمال 19 :13). وتحفظ لفظةُ التقسيم لحالات طرد الشيطان في امتلاكه للإنسان. وفي زمن يسوع، لجأ بعض المقسِّمين في فلسطين إلى اسم يسوع ليطردوا الشياطين (مرقس 9 :38). في حياة يسوع، كان طرد الشياطين إثباتا لصحة تعليمه ورحمة للممسوسين وعلامة على ملكوت الله وقهرا لإبليس واستباقًا للانتصار الإسكاتولوجية (متى 12 :34؛ لوقا 10 :18). وهي علامة مميَّزة أيضا لمقاومة يسوع ضد الشرّ في جميع أشكاله. وقد سلّم يسوع تلاميذه سلطان طرد الشياطين، ومنحهم القدرة على ذلك (متى 10 :1، 8؛ مرقس 16 :17). ولكنهم لم يستطيعوا دائمًا طرد الشياطين لقلة ايمان، او لنقص في الصوم والصلاة (مرقس 9 :14-29). وقد واصلوا هذه المُهمّة بعد العنصرة (أعمال 5 :16؛ 8 :7). وتقسيمات يسوع وتلاميذه تدلّ على أن الله يهتمّ بالبشر حين يواجهون سلطان الشرّ، حتى في أشكاله التي تُظهره وكأنه شخص حيّ. فالممسوس هو بمثابة ساحة صراع بين خصمين: مُجري المعجزة والشيطان الذي يجب أن يتحرّر الانسان منه. ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (مرقس 1: 29-39) بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي وتحليله (مرقس 1: 29-39)، نستنتج انه يتمحور حول ثلاث نقاط هامة: المرض والشفاء وموقف يسوع المسيح منهما. أولاً: المرض المرض مشكلة تعاني منها البشرية في كل زمان ومكان. ويهتم الكتاب المقدس بالمعنى الديني للمرض في علاقته في مخطط الخلاص. فالله خلق الإنسان للسعادة (التكوين 2: 4-25). أمَّا المرض فهو مناقض للسعادة. ولم يدخل المرض العالم إلا كنتيجة للخطيئة أو كامتحان من الله أو كقيمة تكفيرية. 1) المرض كنتيجة للخطيئة: يرجع المرض نفسه إلى الله الذي يضرب الإنسان بسبب خطاياه (خروج 4: 6). هذا ما توضحه خطيئة ابوينا الأولين (تكوين 3: 16-19). فالمرض إحدى علامات "غضب" الله على العالم الخاطئ كما تدل ضربات الله العشر (خروج 9: 1-12). ويهدف اختبار المرض، إلى إرهاف الشعور بالخطيئة عند الإنسان. ومن هنا نجد صاحب المزامير يطلب الشفاء من الله معترفاً بالمعاصي "حينَ سَكَتّ بَلِيَت عِظامي ْأَبَحتُكَ خَطيئَتي وما كَتَمت إِثْمي قُلتُ: أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِمَعاصِيَّ" (مزمور 38: 2-6، 17). 2) المرض كامتحان الأبرار: عندما يصيب المرض الابرار على مثال أيوب وطوبيا، فيمكن اعتباره محنة من قبل العناية الإلهية؛ ويهدف المرض عند ذلك إلى امتحان الابرار لإظهار أمانتهم كما قال الرب لطوبيا "حينَما لم تَتَوانَ في القِيامِ وتَرْكِ المائِدةِ والذَّهابِ لِدَفْنِ المَيْت، أُرسِلْتُ حينَئِذٍ اليكَ لِأَمتَحِنَكَ" (طوبيا 12: 13). 3) المرض كقيمة تكفيرية: المسيح ليس بحاجة الى امتحان في الايمان ومع ذلك كان "رَجُلُ أَوجاعٍ وعارِفٌ بِالأَلَم". ومن هذا المنطلق، فإنَّ حالة "يسوع المسيح"، وهو البار المتألم، أخذ المرض كقيمة تكفيرية عن معاصي الخطأة. كما جاء في وصف أشعيا النبي للسيد المسيح "احتَمَلَ أَوجاعَنا... طُعِنَ بِسَبَبِ مَعاصينا وسُحِقَ بِسَبَبِ آثامِنا نَزَلَ بِه العِقابُ مِن أَجلِ سَلامِنا وبجُرحِه شُفينا" (أشعيا 53: 4-5). أخذ يسوع على عاتقه أمراضنا وقت آلامه، ومنحها معنى جديداً، واعطاها قيمة خلاصيه تكفيرية. والقديس بولس الرسول يتكلم عن هذه الخبرة في الضيقات التي تجعلنا ان نتحد مع المسيح المتألم بقوله "نَحمِلُ في أَجسادِنا كُلَّ حِينٍ مَوتَ المسيح لِتَظهَرَ في أَجسادِنا حَياةُ المسيحِ أَيضاً" (2 قورنتس 4: 10) وهكذا المسيحي "يتِمُّ في جَسَدِه ما نَقَصَ مِن شَدائِدِ المسيح في سَبيلِ جَسَدِه الَّذي هو الكَنيسة" (قولسي 1: 24). ثانياً: الشفاء من المرض يعود الشفاء من الأمراض بحسب الكتاب المقدس الى قوة الصلاة والعلاج الطبي 1) الصلاة للشفاء: للشفاء يجب الالتجاء أولاً إلى الله، لأنه هو ربّ الحياة كما جاء في تعليم الحكيم يشوع بن سيراخ "إِذا مَرِضتَ فلا تَتَهاوَنْ بل صَلِّ إِلى الرَّبِّ فهو يَشْفيكَ"(سيراخ 38: 9). هو الذي يبتلي وهو الذي يشفي (تثنية 32: 39). إنه الطبيب الأسمى للإنسان (خروج 15: 26)، هذا ما يشهد له الملاك رافائيل רָפָאֵל (معنى اسمه "الله يشفي") الذي ارسله الله لكي يشفي سارة (طوبيا 3: 17). ولهذا يتوجَّه المرضى إلى ممثّليه ألا وهم الكهنة (متى 8: 4)، والأنبياء (1 ملوك 14: 13). فصلاة المؤمن تشفي المريض وخير مثال على ذلك، صلاة بولس الرسول "كانَ أَبو بُبْلِيوس يَلزَمُ الفِراشَ مُصابًا بِالحُمَّى والزُّحار، فدَخَلَ إِلَيهِ بوُلس وصَلَّى واضِعًا يَدَيهِ علَيه فعافاه وما إِن حَدَثَ ذلك حتَّى أَخَذَ سائِرُ المَرْضى في الجَزيرَةِ يَأتونَه فيَنالونَ الشِّفاء" (سفر اعمال الرسل 28: 8-9). عندما يعترف المرضى بخطاياهم بقلب منكسر منسحقٍ، إنما يطلبون الشفاء كنعمة. ويُظهر صاحب المزامير المرضى وهم يطلبون الشفاء من الله " إِرحَمْني يا رَبِّ فلا قُوَّةَ لي واْشفِني يا رَبِّ، فإِنَّ عِظامي قد تَزَعزَعَت ونَفْسيَ اْضطَرَبَت كَثيرًا...فإنَّ الرَّبَّ سمِعَ صَوتَ بُكائي. سَمِعَ الرَّبُّ تَضَرُّعي. الرَّبُّ يَتقبلُ صَلاتي (مزمور 38: 3-5، 10). وبإظهار المرضى ثقتهم في قدرته ورحمته يستعدُّون لنيل الهبة المطلوبة التي يحصلون عليها أحياناً على سبيل المعجزة (1 ملوك 17: 17-24). وعلى أي حال، حيث أن المرض يعتبر بمثابة علامة، يتعطّف الله بقدرته ورحمته على الإنسانية المتألمة لكي يُخفِّف من آلامها. فإن خدمة المرضى هي خدمة يسوع نفسه في اعضائه المتألمة حيث يحاسبنا يسوع عليها يوم الدينونة بقوله "كُنتُ مَريضاً فعُدتُموني" (متى 25: 36). فأصبح المريض صورة يسوع المسيح وعلامته المنظورة. فنحن بدورنا علينا على خطى يسوع ان نساعد المرضى من باب المحبة على تخفيف آلامهم كما ينصح اغناطيوس الانطاكي "أحملوا أمراض الجميع". 2) العلاج الطبي للشفاء: لا يعارض الكتاب المقدس اللجوء إلى العلاج الطبي للشفاء من الامراض. ويستخدم أشعيا النبي العلاج لكي يشفي حزقيّا (2 ملوك 20: 7)، ورافائيل لكي يعالج طوبيا (طوبيا 11: 8). ويمتدح سفر ابن سيراخ مهنة الطب "أدِّ لِلطَّبيبِ كَرامَتَه لأَجلِ خَدَماتِه" (سيراخ 38: 1-8). وأمَّا استعمال الممارسات السحرية للشفاء فهو أمرٌ مرفوض، ونتيجته غضب الرب كما جاء في سفر الملوك "فخاطَبَ مَلاكُ الرَّبِّ إِيليَّا التشبِيَّ قائلاً: ((قُمْ فأصعَدْ لِمُلاقاةِ رُسُلِ مَلِكِ السَّامِرَةِ وقُلْ لَهِم: ألَعَلَّه لَيسَ إله ٌ في إِسْرائيلَ حتَّى تَذهَبوا وتَستشيروا بَعلَ زَبوب، إِلهَ عَقرون؟ فلِذلك هكذا يَقولُ الرَّبّ: إِنَّ السَّريرَ الَّذي عَلوته لا تَنزِلُ عَنه، بل تَموتُ موتًا "(2 ملوك 1: 1-4). ثالثاً: موقف يسوع تجاه المرض والشفاء 1) موقف يسوع تجاه المرض يرى يسوع في المرض شراً نتيجة لخطيئة الانسان، ودليلاً على تسلّط الشيطان عليه (لوقا 13: 16). لذا يشعر بالشفقة على المريض (متى 20: 34)، وهذه الشفقة تُملي عليه عمله بالشفاء. وبدون إبطاء في التمييز بين ما هو مرض طبيعي أو ما هو مسّ شيطاني، فهو "شَفى كثيراً مِنَ المَرْضى المُصابينَ بِمُخَتَلِفِ العِلَل، وطرَدَ كثيراً مِنَ الشَّياطين" (مرقس 1: 34) حيث ان من خلال المرض يظهر تأثير الشياطين على العالم الذي نعيش فيه. ونرى المسيح. يدخل بيوت ويقابل الناس حيث هم موجودون ويسمع ويصغي ويشفي ويُغيّر. وتجاه كل المرضى الذين يولُّون يسوع ثقتهم (مرقس 1: 40)، لا يطلب منهم إلا شرطاً واحداً: أن يؤمنوا، لأن كل شيء ممكن بالإيمان كما قالَ يسوع لِرئيسِ المَجمَع يائِيرس لما طلب منه شفاء ابنته" لا تَخَفْ، آمِنْ فقط" (مرقس 5: 36)، ولأنَّ إيمانهم يقتضي الإيمان بملكوت الله. وهذا هو الإيمان الذي يُخلصهم كما صرّح يسوع لأعمى اريحا "اِذهَبْ! إِيمانُكَ خلَّصَكَ" (مرقس 52:10). 2) موقف يسوع تجاه الشفاء وصف أنبياء العهد القديم عن احدى صفات المسيح المنتظر انه صانع العجائب وشافي المرضى كما جاء في نبوءة أشعيا " قولوا لِفَزِعي القُلوب: ((تَقَوَّوا ولا تَخافوا هُوَذا إلهُكم ...يَأتي فيُخَلِّصُكم)). حينَئِذ تتَفتَحُ عُيوِنُ العُمْيان وآذانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّح وحينَئذٍ يَقفِزُ الأَعرَجُ كالأَيِّل ويَهتِفُ لِسانُ الأَبكَم " (أشعيا 35: 4-6). وقد أكَّد ذلك يسوع بقوله الى تلميذي يوحنا المعمدان " اِذهَبا فأَخبِرا يوحَنَّا بِما سَمِعتُما ورَأَيتُما: العُمْيانُ يُبصِرونَ، العُرْجُ يَمشُونَ مَشيْاً سَوِيّاً، البُرصُ يَبَرأُونَ والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومونَ، الفُقَراءُ يُبَشَّرون. وطوبى لِمنَ لا أَكونُ لَه حَجَرَ عَثرَة " (لوقا 7: 22-23). وكرّس يسوع الكثير من وقته وعجائبه لشفاء المرضى. ويذكر إنجيل اليوم كيف أن صيت يسوع قد انتشر من بعد ما ذاع خبر شفاء حماة بطرس (مرقس 1: 31) وشَفاء كثير مِنَ المَرْضى المُصابينَ بِمُخَتَلِفِ العِلَل في كفرناحوم (مرقس 1: 34)، فراح " جَميعُ النَّاسِ يَطلُبونَه" (مرقس 1: 37). فالشفاء عند يسوع له رمز التحرير الروحي ويوحي صفة من صفاته المسيحانية. (أ) الشفاء رمز التحرير الروحي: الشفاء الذي يُجريه يسوع هو شفاء حقيقي يُعيد الانسان الى عالم الصحَّة الذي نصبو اليه كلّنا. ولكن له ايضا بُعدٌ رمزي روحي، وهو التحرير الروحي وإعادة كرامة الإنسان الذي كان نجسا ومُبْعداً عن الجماعة. ومن هنا يسير الأمران -شفاء المرضى وطرد الشياطين - جنبا إلى جنب كما نجده في انجيل مرقس " أَخَذَ النَّاسُ يَحمِلونَ إِلَيه جَميعَ المَرْضى والمَمَسوسين" (مرقس 1: 32)، وفي النهاية يبقى لهما المعنى نفسه: إنهما يشيران الى انتصار يسوع على الشيطان وإقامة ملكوت الله في الحياة الدنيا، تتميما لما ورد في الكتب المقدسة "العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْياً سَوِيّاً، البُرصُ يَبرَأُون والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومون والفُقراءُ يُبَشَّرون" (متى 11: 5).وتعبِّر معجزات الشفاء الذي قام بها يسوع مسبقاً عن حالة الكمال التي ستعود إليها الإنسانيّة في ملكوت الله تبعاً للنبوءات. وتحمل معجزات الشفاء أيضاً معنى رمزياً خاصاً بالزمن الحاضر. فالمرض هو رمز للحالة التي يوجد فيها الإنسان الخاطئ: فهو روحياً أعمى وأصمّ ومشلول ومقعد... وشفاء المريض هو رمز أيضاً للشفاء الروحي الذي جاء يسوع ليتمّمه في البشر، فيغفر خطايا مقعد كفرناحوم، ولكي يظهر أنه يملك سلطان مغفرتها بشفاء جسده كما جاء في الانجيل "فلَمَّا رأَى يسوعُ إِيمانَهم، قالَ لِلمُقعَد: يا بُنَيَّ، غُفِرَت لكَ خَطاياك "(مرقس 2: 1-11). (ب) الشفاء رمز الى جوانب معينة في حياة يسوع أوحى الروح القدس في موضوع معجزات الشفاء لكل من البشيرين الأربعة بكتابة الانجيل في إلقاء كل منهم ضوءً على جانب مختلف من حياة المسيح، ففي شفاء حماة بطرس في انجيل مرقس عاون يسوع هذه المرأة على النهوض، "فدنا مِنها فأَخَذَ بِيَدِها وأَنَهَضَها، ففارَقَتْها الحُمَّى" (متى 1: 31) واستعمل مفردات كانت توحي الى المسيحيين الاولين الإيمان بالقيامة: ان يسوع، بإنهاضه حماة بطرس المريضة، أقامها من الموت (متى 9: 25) وأمَّا في أنجيل متى " فَلَمَسَ يَدَها فَفارَقَتْها الحُمَّى، فنَهضَت وأَخذَت تَخدُمُه " ( متى 8: 15) فبلمسة واحدة يشفي يسوع ( متى 8: 3)؛ وكان رد فعل حماة بطرس للمسة يسوع، هو ان تنهض لوحدها وتخدمه حالا. أمَّا في انجيل لوقا فيخاطب يسوع "الحُمَّى" مخاطبة لقدرة شيطانية حيث " زَجَرَ الـحُمَّى ففارَقَتْها" (لوقا 4: 39)، فبدت الحُمّى كشخص حي وقوة شيطانية فأطاعته (لوقا 4: 35). وليس في هذه التفاصيل أي تعارض، بل كل كاتب أنجيل أراد ان يؤكد تفاصيل مختلفة في المعجزة الشفاء لإلقاء الضوء على خصائص معينة في حياة يسوع المسيح. (ج) الشفاء تمهِّد للأسرار المسيحية تمهِّد معجزات الشفاء إزاء المرضى الى الأسرار المسيحية، وذلك ان يسوع جاء إلى العالم طبيب للخطأة "كما جاء في قول يسوع للكَتَبَةُ مِنَ الفِرِّيسِيِّينَ "ليسَ الأَصِحَّاءُ بِمُحْتاجينَ إِلى طَبيب، بلِ المَرْضى. ما جِئتُ لأَدعُوَ الأَبرار، بلِ الخاطِئين" (مرقس 2: 17)، فهو الطبيب الذي " أَخذَ أَسقامَنا وحَمَلَ أَمراضَنا " (متى 8: 17). وهذا هو بالفعل معنى آلامه: يتضامن يسوع مع البشرية المتألمة، لكي يتمكن في النهاية من الانتصار على جميع آلامها. وأعطى يسوع تلاميذه ليكمِّلوا عَمَلَه، والسلطة لصنع العجائب وشفاء المرضى كما جاء في الإنجيل "دَعا تَلاميذَه الاثَني عَشَر، فأَولاهُم سُلطاناً يَطرُدُونَ بِه الأَرواحَ النَّجِسَة ويَشْفونَ النَّاسَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وعِلَّة" (متى 10: 1) وذلك لتأييد بشارتهم بالإنجيل "والَّذينَ يُؤمِنونَ تَصحَبُهم هذهِ الآيات: فبِاسْمي يَطرُدونَ الشَّياطين، ويَتَكَلَّمون بِلُغاتٍ لا يَعرِفونَها، ويُمسِكونَ الحَيَّاتِ بِأَيديهِم، وإِن شَرِبوا شَراباً قاتِلاً لا يُؤذيهِم، ويضَعونَ أَيديَهُم على المَرْضى فَيَتَعافَون"(مرقس 16: 17-18). ولذا يذكر سفر أعمال الرسل معجزات الشفاء خاصة شفاء بطرس للمقعد (أعمال 3: 1-3) وشفاء فيلبس الشماس " كَثيرٌ مِنَ المُقعَدينَ والكُسْحان" في السامرة (اعمال الرسل 8: 7) التي تظهر قوة اسم يسوع وحقيقة قيامته. وإن الشفاء علامة دائمة تستمر في مساندة كنيسة يسوع المسيح، وتُظهر أن الروح القدس يعمل فيها من خلال الأسرار المقدسة. وعلى خطى الرسل، يمسح كهنة الكنيسة المرضى بالزيت باسم الرب، بينما هم يصلون بإيمان ويعترفون بخطاياهم، وهذه الصلاة تُخلصهم، لأن خطاياهم تغفر لهم ويستطيعون أن يأملوا الشفاء بإذن الله كما جاء في تعليم يعقوب الرسول "هل فيكُم مَريض؟ فلْيَدْعُ شُيوخَ الكَنيسة، ولِيُصَلُّوا عليه بَعدَ أَن يَمسَحوه بِالزَّيتِ بِاسمِ الرَّبّ. إِنَّ صَلاةَ الإِيمانِ تُخلِّصُ المَريض، والرَّبَّ يُعافيه" (يعقوب 5: 14-15). فنحن الذين بعد الرسل نلنا الكثير لا نستطيع الاّ ان نعطي. ونحن الذين سمعنا لا نستطيع الا ّان نتكلم، ونحن الذين غمرنا الله بنعمه لا نستطيع الاَّ ان نخدم في كنيسة الله وحقله في العالم. إن حياتنا هي هديّة من الله، من بدايتها وإلى نهايتها، لذا يجب حمايتها من بدايتها وإلى نهايتها. الخلاصة بدأ يسوع خدمته العلنية في نشر الملكوت في كفرناحوم، وذلك في الظروف الحياتية العادية واللقاءات في البيت والمجمع والعلاقات وفي الحياة العادية. ويصف مرقس الإنجيلي جزء مما يُسمى "يوم كفرناحوم" كيوم نموذجي في حياة يسوع يعرض ما يقوم به يسوع في يوم من أيام حياته العلنية. وهو اليوم يترك المجمع ويتوجه الى بيت بطرس. وفيه شفى حماة بطرس، وسرعان ما شفى مرضى كثيرين وطرد الشياطين، وهذه الاعمال هي علامة من علامات الخلاص والملكوت. ألم يقلْ يسوع " تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم " (متى 11: 28). وفي موضعٍ آخر قال: ليسَ الأَصِحَّاءُ بِمُحْتاجينَ إِلى طَبيب، بلِ المَرْضى" (مرقس 2: 17). وإذا كان المسيح لايزال يطرد الأروح الشريرة ويشفي المرضى، لكنه لم يُزلْ المرض، لذلك لا يزال المرضى بيننا، ولم يلغِ وجود الأروح الشريرة لذلك لم يختفِ المَمْسوسون بالأرواح النجسة في أيّامنا. إنّهم هنا، حاضرون حولنا ومنتشرون في كلّ مكان. إنّهم في كلّ مَن يتحجّج بالله ليبرّر العنف والقتل. إنّهم في كلّ مَن يستعمل كلام كتابه المقدّس ليطلق العنان لنزواته المُنحرفة. إنّهم في كلّ مَن يؤمن بأنّ القتل مشيئة إلهيّة، وتعذيب الآخرين طريقة لهدايتهم. فالشياطين تجرّنا إلى طريق الكراهية والنبذ والاحتقار، وتحثّنا على التعالي والكبرياء، وتثيرنا للثأر والانتقام ونشر الأوبئة وقتل الآخرين. لكن عندما نستقبل يسوع في حياتنا وندعه يقودها فهو يحرِّرنا منها وخاصة من عملها فينا، وحده قادر ان يشفينا ويحوِّل حياتنا إلى حياة حقيقية مبنية على صخرة الآيمان، فلنصلِّ بحرارةٍ ونقول "نجّنا يا ربّ من الشرّير". دعاء اللهم يا طبيب النفوس والأجساد، يا من أراد ابنه الوحيد أن يحملَ أوجاعنا، المس ايدينا حتى تشفينا من كل عاهاتنا وامراضنا فنسير في الحال على خُطاك، واستمع الدعاء الذي نرفعه إليك، من أجل إخوتنا المرضى. إنهم يا رب خلائقك وصنعُ يديك وموضع محبتك، وأعطهم الصحة والعافية، ليعودوا إلى بيتك مُعافين، فيرفعوا لك الشكر والحمد معنا، ويُمجِّدوك ويسبِّحوكَ مع جماعة المؤمنين، لأن كل شفاءٍ وصلاحٍ وخيرٍ هو منك، أيها ألآب والابن والروح القدس، الإله الواحد. آمين. قصة: الشفاء لا للهلاك بل للخدمة والخلاص كتب الشاعر الإيرلندي "اوسكار وايلد" قصة قصيرة وصفها هو بأنها أجمل قصة قصيرة في العالم. قال فيها: "ذهب المسيح من الوادي الأبيض إلى المدينة الرمادية اللون، ورأى سكيراً مُضطجعاً في أول شارع. سأله: "لماذا تُهلك حياتك في السُّكر؟" فأجابه: "كنتُ أبرص فأشفيتني، ولمَّا أرجعتَ إليَّ الصحة لم أجد ما أفعله!". ثم قال "وسكار وايلد": "إن المسيح ذهب إلى شارع آخر في ذات المدينة، ورأى شاباً يسير وراء زانية، فسأله: "لماذا تُهلك حياتك في الدَّنس؟" أجابه: "كنت أعمى ففتحت عينيَّ، فماذا عساي أن أستعمل عينيَّ في غير ما أفعله الآن؟". ثم رأى المسيح رجلاً عجوزاً جالساً على الأرض يبكي، فسأله: "ماذا تفعل ولماذا تبكي؟" أجابه: "لقد أقمتني من الموت، فماذا عساي أفعل غير البكاء؟". أعتقد أن هذه القصة المؤلمة تذكِّرنا بكثيرين ممن يأخذون بركات الربّ ويسيئون استخدامها. في حين حماة بطرس لم تكن من هؤلاء! إن سر حياة جميلة بسيط نجده في شفائها، هي التي لمَّا نالت الشفاء من يسوع "أَخَذَت تَخدمُهُ" (مرقس 1: 31).