مدينة بيرزيت
رعية اللاتين
عذراء غوادالوبة
مواضيع روحية ومتنوعة
روابط
إرشادات يسوع لتجد الراحة أ.د. لويس حزبون
يُسلط إنجيل الاحد (متى 11: 25-30) الأضواء على دعوة المسيح للناس اجمعين ليجدوا الراحة. فهناك من ظنّوا في أنفسهم أنهم حكماء مثل الكتبة والفريسيين فرفضوا الدعوة، وهناك ودعاء ومتواضعين مثل التلاميذ قبلوها من فوجدوا الراحة، إذ أعلن لهم يسوع عن سر ملكوته وعن انَّ نِيره لَطيفٌ وحِمله خَفيف، مقدّمًا ذاته وضيعا متواضع القلب ورافعا تسبيحة الحمد والتهليل لأبيه السماوي من أجلهم. فالتواضع هو السمة الاساسية في يسوع وتلميذه، انه تاج الفضائل وركائزها، فالتواضع هو لكلّ فضيلة، ما هو الملح لكلّ طعام. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته. أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 11: 25-30) 25 في ذلكَ الوقتِ تكلَّمَ يسوعُ فقال: أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هذه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وكَشفتَها لِلصِّغار. تشير عبارة "في ذلكَ الوقتِ" الى ما بعد رفض مدن بحيرة طبرية قبول بشارة يسوع المسيح (متى 11: 20 -24)، أمَّا بحسب انجيل لوقا فتشير الى ما بعد رجوع التلاميذ السبعين وإبلاغهم يسوع بخضوع الشياطين لهم باسمه (لوقا 10: 21). أمَّا عبارة "تكلَّمَ يسوعُ" في الأصل اليوناني"ἀποκριθεὶς ὁ Ἰησοῦς εἶπεν" (معناها قال يسوع مُجيبا) فتشير الى جواب يسوع على الكتبة والفريسيين (لوقا 5: 17) الذين قاوموه أشد المقاومة مُعتبرين أنفسهم حكماء وأذكياء فرفضوه ورفضوا الإيمان به. أمَّا عبارة " أَحمَدُكَ " في الأصل اليوناني (Ἐξομολογοῦμαί) (معناها اعترف، والاعتراف لا يخصّ الخطأة فحسب بل يخصّ أحيانًا الذين يسبّحون الله أيضًا) فتشير الى الحمد الذي ينوّه بشخصية الله أكثر منه بعطاياه وتؤدَّى له مجد فيما يُعترف بعظمته كما جاء في نشيد أشعيا النبي " لِيُؤَدُّوا المَجدَ لِله ويُخبروا بحَمدِه "(أشعيا 42: 12)؛ وهذا الاعتراف يشير هنا الى مباركة يسوع للآب وشكره وحمده وتسبيحه ليس من اجل الاحسان بل من اجل رحمته ورعايته الخاصة على عظمة النعمة الممنوحة للمتقبلين هذا الوحي. والمتقبلون هذا الوحي بقلب متواضع هم الصغار لا الحكماء والأَذكِياء (كتاب التعليم المسيحي 544). ويتكلم المسيح هنا ويشكر كرأس للكنيسة جسده السرّي على ما حصلت عليه. أمَّا عبارة " يا أَبَتِ" فتشير الى علاقة الآب بالابن، والنعمة الفريدة التي حصل عليها أولئك الذين نعموا بهذا الوحي. أمَّا عبارة "رَبَّ السَّمَواتِ والأَرض" فتشير الى المقطع الوحيد في الإنجيل الذي يستعمل فيه يسوع هذا اللقب الرسمي. الآب السماوي هو الخالق القادر على كل شيء وسيدِّ العالم، وهو الذي يُدير العالم الفسيح بكائناته الخاضعة له. أمَّا عبارة " على أَنَّكَ أَخفَيتَ" فتشير الى إخفاء الحق عن بعض الناس وإظهاره للصغار. ويخفي الله ذلك غالبا بعد منحه إياهم النعمة التي تقودهم على قبول الحق تاركاً إياهم في العمى الذي هو ثمرة خطيئتهم وقساوة قلوبهم. إذ سمح الله ان يُخفي عنهم كبرياءهم وعُماهم الاختياري الحق الإنجيلي؛ أمَّا عبارة "هذه الأَشياءَ" فتشير الى "السر" (دانيال 2: 29)، اي اسرار الانجيل الخاصة بملكوت السماوات (متى 13: 11)، ومعرفة الحق (2 قورنتس 4: 3). وهذا ما اوضحه يسوع الى نيقوديمس: "أَأَنتَ مُعلِّمٌ في إِسرائيل وتَجهَلُ هذِه الأَشْياء؟ الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: إنَّنا نتكلَّمُ بِما نَعلَم، ونَشهَدُ بِمَا رَأَينا ولكِنَّكُم لا تَقبَلونَ شَهادَتَنا (يوحنا 3: 10 -11). إن "اسرار الملكوت" هي عبارة مألوفة في الأدب الرؤيوي المعاصر ليسوع، وهي تدل على حكمة الله ومشورته وأسراره وتدبيره فيما يخص الخلاص سواء على المستوى العام للناس كلها أو تدبير الله للشخص نفسه كما يقول بولس الرسول "أَمَّا نَحنُ فلَنا فِكْرُ المسيح" (1كو2: 16)، وتدل أيضا على ما في الله من تدابير خفيّة تتعلّق بآخر الأزمنة. أمَّا عبارة "أَنَّكَ أَخفَيتَ هذه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وكَشفتَها لِلصِّغار " فتشير الى لغة رؤيويه لها اصداؤها في سفر دانيال. إذ عجز "الحكماء" عن تفسير حلم نبوخذنصر (دانيال 2: 3-13)، في حين ان سرّه كُشف لدانيال الذي ابتهل الى إله السماء (دانيال 2: 18-19) والذي سبّح الله لأنه وهبه الحكمة " إِيَّاكَ احمَدُ يا إِلهَ آبائي وإِيَّاكَ أُسَبِّح لِأَنَّكَ وَهَبتَ لِيَ الحِكمَةَ والقُدرَة " (دانيال 2: 23). هذه الأشياء (اسرار الملكوت) بقيت عند الفريسيين والكتبة عقيدة محجوبة عنهم، يتجادلون بها بدون جدوى. وكان ينبغي عليهم ان يروا فيها كلمة لله بهذا المعنى حسب قول بولس الرسول" فلَمَّا كانَ العالَمُ بِحِكمَتِه لم يَعرِفِ اللّه في حِكمَةِ اللّه، حَسُنَ لَدى اللّه أَن يُخَلِّصَ ألمُؤمِنينَ بِحَماقةِ التَّبشير" (1قورنتس 1: 21). وفي الواقع اختار يسوع تلاميذه الاوائل من الصغار أي من بين الناس العاديين ومتوسطي الحال. أمَّا عبارة "الحكماء والأَذكِياء" فتشير الى الكتبة والفريسيين المتكبِّرين، حكماء هذا الدهر الذين يقتنعون بحكمتهم البشرية وفي ظاهر الشريعة " فلَمَّا كانَ العالَمُ بِحِكمَتِه لم يَعرِفِ اللّه في حِكمَةِ اللّه" (1 قورنتس 1: 21). هم حكماء في عيون أنفسهم ويدّعون معرفة الله بالاعتماد على قواهم الذاتيّة ويعتقدون أنهم ليسوا بحاجة إلى أي شيء وفيهم قال بولس الرسول: "لاَ يَخْدَعَنَّ أَحَدٌ نَفْسَهُ. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ حَكِيمٌ بَيْنَكُمْ فِي هذَا الدَّهْرِ، فَلْيَصِرْ جَاهِلاً لِكَيْ يَصِيرَ حَكِيمًا!" (1قورنتس 3: 18). وهم يسلكون بدون تواضع ويعتقدون أنَّهم يعرفون اسرار الملكوت كما جاء في رسالة بولس الرسول " زَعَموا أَنَّهُم حُكَماء، فإِذا هم حَمْقى" (رومة 1: 22)، لذلك هم لا يقدرون أن يدخلوا طريق المعرفة الإلهية الحقة. فهم لا يعرفون، لانَّ هذه المعرفة الحقيقية هي معرفة الانسان نفسه وهي عطية إلهية، وقد ظنّ الحكماء والاذكياء في أنفسهم أنهم نور لكنهم في الواقع هم ظلمة. ولم يستطيعوا أن يستضيئوا، ويُعلق القديس اوغسطينوس " لتعترف أنك لست نورًا لنفسك بل بالحقيقة أنك عين لا نور، وما فائدة العين حتى المفتوحة والسليمة دون وجود نور؟ ولتصرخ كما هو مكتوب: " لأَنَّكَ أَنت تُوقِدُ سِراجي إِلهي أَنِرْ ظُلْمَتي" (مزمور 18: 29). لأني كنت بكلّيتي ظلمة ولكنك أنت هو النور الذي يُبدّد ظلمتي ويُنير لي. أنا لست نورًا لنفسي، ليس لي نصيب في النور إلاّ بك!". أمَّا عبارة "كشفتها" فتشير الى وحي الله وقد أوضح يسوع الى بطرس هذا الامر " طوبى لَكَ يا سِمعانَ بْنَ يونا، فلَيسَ اللَّحمُ والدَّمُ كشَفا لكَ هذا، بل أَبي الَّذي في السَّمَوات" (متى 16 :17). وأمَّا عبارة "الصِّغار" في اليونانية " νήπιος (معناه الأطفال) فتشير الى الأطفال بالروح الذين يضعون أنفسهم في وضع القبول التامّ، والإصغاء، والثقة، وهم منفتحون لقبول كلمة الله ووحيه وحكمته بتواضعهم وبساطتهم ووداعتهم فيدخلون باب المعرفة الحقيقيّة خلال اتّحادهم بالسيّد المسيح نفسه. من يعترف أنه جاهل يعطيه الله حكمة وفهم قلب، لذلك اختار المسيح تلاميذه من البسطاء المتواضعين كما جاء في تعليم بولس الرسول "فلا يَخدَعَنَّ أَحَدٌ نَفْسَه، فإِن عَدَّ أَحَدٌ مِنكُم نَفْسَه حَكيمًا مِن حُكَماءِ هذه الدُّنيا، فَلْيَصِرْ أَحمَقَ لِيَصيرَ حَكيمًا " (1 قورنتس 3: 18) فالصغار ههم في الدرجة الأولى هم تلاميذ المسيح الذين سلموا إليه ذواتهم (متى 10: 42) وهم كالأطفال في صفاتهم الأدبية في التواضع والوداعة ووفي المعرفة ( ( 1 قورنتس 2: 6) وكُشف لهم سر الملكوت (متى 13: 11)، أمَّا في انجيل يوحنا فالصغار هم الودعاء الذين يؤمنون ويؤلفون الجمع (يوحنا 7: 47) وهذا ما يؤكده بولس الرسول "فاَعتَبِروا، أَيُّها الإِخوَة، دَعوَتَكم، فلَيسَ فيكم في نَظَرِ البَشَرِ كَثيرٌ مِنَ الحُكَماء، ولا كَثيرٌ مِنَ المُقتَدِرين، ولا كَثيرٌ مِن ذَوي الحَسَبِ والنَّسَب" (1قورنتس1: 26)، وأمَّا الحكماء والاذكياء فيشار إليهم برؤساء الشعب اليهودي والفريسيّين (يوحنا 7: 47). لقد رضى الرب عن صغار هذا العالم لا عن كباره. الله يختبئ امام المتكبرين الذين يظنون انهم أكثر فهما وعلما من غيرهم، في حين يظهر الله امام المتواضعين ويكشف ذاته للفقراء. كما جاء في نشيد مريم العذراء "حَطَّ الأَقوِياءَ عنِ العُروش ورفَعَ الوُضَعاء" (لوقا 1: 52). 26 نَعَم يا أَبَتِ، هذا ما كانَ رِضاك. تشير عبارة "نَعَم" إلى حَرْفُ جَوَابٍ للتَّوْكِيدُ فِي أَوَّلِ الكَلاَمِ؛ ويدل على حوارًا بين يسوع والآب السماوي حيث يشكر يسوع الآب السماوي لأنه اختار ان يَخفَي اسرار الملكوت على الحُكَماءِ والأَذكِياء، ويكَشفَها لِلصِّغار. امَّا عبارة "رِضاك" في الأصل اليوناني εὐδοκία (معناها مشيئتك وهي نفس جذر الكلمة اليونانية في شهادة الآب السماوي عند اعتماد يسوع (رضيت) εὐδόκησα (متى 3: 17) فتشير الى تتميم يسوع مشيئة الله كما جاء في نبوءة أشعيا (رضيت) εὐδόκησεν "هُوَذا عَبْدِيَ الَّذي اختَرتُه حَبيبيَ الَّذي عَنهُ رَضِيت" (متى 12: 18). أمَّا عبارة "هذا ما كانَ رِضاك "فتشير عن إعلان يسوع عن رضا الله الخاص بالصغار أكثر منه عن عظماء هذا العالم. لان الصغار، مثل يسوع، يعرفون كيف يتقبلون الهبة. وهذا الرضا مبني على غاية من الحكمة والمحبة، لأنه يستحيل ان يغلط الله في شيء من أعمال قضائه. 27 قد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء، فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الابنَ إِلاَّ الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْن ومَن شاءَ الابنُ أَن يَكشِفَه لَه. تشير عبارة "قد سَلَّمَني أَبي" الى السلطان الذي استلمه يسوع من الآب باعتباره فادٍ (متى 28: 118) ولكن في نهاية عمل الفداء يرجع كل شيء الى الله "متى أُخضِعَ لَه كُلُّ شَيء، فحينَئِذٍ يَخضَعُ الاِبْنُ نَفْسُه لِذاكَ الَّذي أَخضَعَ لَه كُلَّ شيَء، لِيكونَ اللّهُ كُلَّ شَيءٍ في كُلِّ شيَء" (1 قورنتس 15: 28) فتسلم المسيح السلطان من الآب لا يعني انه دون الآب لأنه لا يستطيع ان يتسلم قوة غير متناهية إلاَّ الله ولا يقدر ان يحكم في وقت واحد على كل المخلوقات في السماوات والأرض الاَّ هو. أمَّا عبارة "كُلَّ شَيء" فتشير الى الملكوت واسراره خاصة العلاقة مع الآب. ينتمي هذا الكلام الى التقليد الرؤيوي كما توحي كلمت دانيال النبي "هو كاشِفُ الأَعْماقِ والخَفايا وعالِمٌ بما في الظُّلمَة" (دانيال 2: 22) أكثر منه الى التقليد الحكمي (يشوع بن سيراخ 24). أمَّا عبارة " يَعرِفُ " فتشير في لغة الكتاب المقدس الى "الوحدة أو الاتحاد" الذي ينتج عنه حياة. أمَّا عبارة "فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الابنَ إِلاَّ الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْن" فتشير الى أحد النصوص الثلاثة التي يعبّر فيها يسوع عن صلته الفريدة بالله أبيه (مرقس 14: 36 ولوقا 2: 49 ويوحنا 20: 17). ويدل هذا القول على جوهر وحي الانجيل، وهو تجلي الآب في الابن (لوقا 10: 22). إن التعارف بين الأشخاص يفترض المحبة، فالآب يعرف الابن والابن يعرف الآب خلال وحدة الجوهر، وهذه المعرفة غير متاحة لمخلوق. وهذه المعرفة متساوية مع عبارة "أنِّي في الآبِ وأَنَّ الآبَ فيَّ" (يوحنا 10:14) وعبارة "أَنا والآبُ واحِد" (يوحنا 30:10). وهذه المعرفة تربط بين يسوع وخاصته وتتأصل وتكتمل في المحبة التي تربط بين الابن والآب. كما جاء في تعليم يسوع "ما أَولَيتَهُ مِن سُلطانٍ على جَميعِ البَشَر لِيَهَبَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ لِجَميعِ الَّذينَ وهبتَهم له"(يوحنا 17: 2) الابن يتحد بالإنسان فيحيا الإنسان أبديا. ولا يستطيع أحد من الناس ان يدرك سر شخص المسيح " ما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ مما في اللهِ غيرُ رُوحِ اللّه " (1 قورنتس 2: 11). أمَّا عبارة " مَن شاءَ الابنُ أَن يَكشِفَه لَه" فتشير الى يسوع الذي يعرف الله ويريد ان يعرّف به الذين يتبعونه ويتتلمذون له. إنه الابن الوحيد المشارك في حياة الآب والذي وحده قادر على هداية البشر الى المعرفة والحياة. فقد تجسَّد ليُخبر عن الله الآب فنقدر أن نعاين ما لا يُرى ونُدرك ما لا يُدرك. ولهذا قال المسيح " مَن رآني رأَى الآب" (يوحنا 9:14). فيسوع هو المُوحي بالله والمُعبّر عنه بكل ما يعمله وبكل ما يقوله "إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب هو الَّذي أَخبَرَ عَنه" (يوحنا 1: 18). ولا يستطيع أحد أن يُدرك من هو الآب في جوهره إلا الابن الوحيد، الواحد معه في الجوهر؛ فالمسيح هو الطريق لمعرفة اسرار الملكوت، ويعلق القديس اوغسطينوس "بالمسيح قد صار لنا باب الدخول الى الله". أمَّا عبارة " يَكشِفَه لَه " فتشير الى المسيح الذي يُعطينا أن نتحد به لكي نعرف الآب. ولا يصل الانسان الى هذه العلاقة القائمة بين يسوع وابيه السماوي مهما علا مقامه الاَّ بيسوع كونه ابن الله كما جاء في انجيل يوحنا " إِنَّ الآبَ يُحِبُّ الابن فجَعَلَ كُلَّ شيءٍ في يَدِه"(يوحنا 3: 35). وأعلن يسوع الآب للبشر بكلامه وبأعماله وبالروح القدس الذي يرسله. 28-تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم. تشير عبارة "تَعالَوا إِليَّ جَميعًا" الى الرجوع عن معلمي الشريعة الذي يُحمِّلون ضمائر الناس احمالا ثقيلة والتوجُّه الى قبول يسوع روحا وقلبا. يدعو يسوع الجميع الى الإيمان والاتكال عليه والتماس وجهه بالصلاة لأنه الطريق الى الآب والوسيط بين الله والناس لنيل الخلاص، وهذه الدعوة هي خلاصة البُشرى الانجيلية. ولم يدع أحد من الأنبياء الى نفسه سوى المسيح باعتباره انه ليس مجرد انسان فقط بل إنه إله أيضا. ويُعلق البابا فرنسيس "إنها دعوة إلى المرضى والمثقلين، والفقراء الذين يعرفون أنهم يعتمدون كلّيًّا على الله، وقد ثقلت عليهم المحن وهم بحاجة إلى شفاء، لذلك يُقدَّم لهم رحمته، أي شخصه الذي يشفي ويعافي" (رسالة بمناسبة اليوم العالمي للمريض لعام 2020). أمَّا عبارة "المُرهَقون" في الأصل اليوناني κοπιῶντες (معناها التعبون) فتشير الى من كُلِّفوا العمل العسير المتعب ولا سيما في البيئة الزراعية كما توحيه كلمة نير. فالمرهقون هم المتعبون الذين يشقون ويرون أنفسهم تضعف يوماً بعد يوم. وتشير هذه الكلمة ايضا الى المتعبين من الخطايا ومن آلام العالم. الخطيئة تُتعب والشرّ يُضعف. ويعلق القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم "إنّ الذين يغضبونه يستحقّون أن يُدانوا، غير أنّ يسوع يتوجّه إلى الناس المذنبين بأعذب الكلام قائلاً: "تَعالَوا إِليَّ جَميعًا، أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم" (عِظة بمناسبة تذكار قدّيس). أمَّا عبارة "المُثقَلون" في الأصل اليوناني πεφορτισμένοι (معناها مُثْقِلو الاحمال) فتشير الى الذين وُضعت عليهم الاحمال الثقيلة. يسوع يفكر فيمن يحمل حِملا ثقيلا على كتفه: الصغار والفقراء والمتألمين والجياع والمرضى والحزانى والخطأة... والحل هو أن نلجأ للمسيح ليحمل عنا خطايانا ويريحنا من أتعابنا. ويعلق البابا فرنسيس " أن يسوع المسيح يحمل هذه المشاعر "لأنه هو نفسه صار ضعيفًا، واختبر معاناة البشرية وتلّقى السند والراحة من الآب " (رسالة بمناسبة اليوم العالمي للمريض لعام 2020). والخطيئة هي حِمل ثقيل. وحين يغفر المسيح يرفع هذا الحِمل فيُبطل وخز الضمير فنكتشف محبة الآب. أمَّا عبارة "أَنا أُريحُكم" فتشير الى وعد يسوع الى الذين يأتون إليه بأن لا يزيل آلامهم والشر من حياتهم بشكل مطلق بل يُعطيهم الراحة ودفعة إلى الأمام كي يتابعوا المسيرة ويجعلهم أكثر حرية وفرح فتتجدَّد قواهم. وليس عجيبًا أن يدعو السيّد المسيح المُتعبين جميعًا ليجدوا الراحة والقوة فيه بعد أن أعلن أنه وحده الذي يعرف الآب ويهب المعرفة، لان فيه نكتشف محبّة الآب الفائقة لنا، إذ يقول الرسول بولس: "إِنَّ الَّذي لم يَضَنَّ بابْنِه نَفسِه، بل أَسلَمَه إِلى المَوتِ مِن أَجْلِنا جَميعًا، كَيفَ لا يَهَبُ لَنا معَه كُلَّ شَيء؟" (رومة 8: 32). ويُعلق البابا فرنسيس "كلمات يسوع تُعبِّر عن تضامن يسوع المسيح، ابن الإنسان، مع إنسانية متألمة ومصابة بالشدائد " (رسالة بمناسبة اليوم العالمي للمريض لعام 2020). من المستحيل أن نبقى غير مبالين أمام كلماته البسيطة: "تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم" فيكفي ان نقتدي بالرب يسوع الوديع والمتواضع القلب فنكون ودعاء ومتواضعي القلب، ونستسلم كلّياً لمشيئة الربّ فنجد الراحة التي وعدنا بها. باختصار، يوضِّح يسوع في هذه الآية انه في الحياة المسيحية اتعاب كثيره، ولكن من يقبل الى المسيح، فالمسيح مستعد لكي يُريحه من أتعابه. 29 اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم، تشير عبارة "اِحمِلوا نيري" الى دعوة يسوع الى الناس كي يكونوا مطيعين لأمره باعتبار انه ملك. اما عبارة "نير" في الأصل اليونانيζυγόν (معناها الخشبةُ المعترضةُ فوق عُنق الثَّوْر أَو عنقَي الثَّوْرَيْن المقرونين، لجرِّ المحراث أَو غيره) فتشير الى العصا التي تربط ثورين إلى المحراث، وهذه العصا بمثابة قطعة خشبية ثقيلة تُـوضع على عنق ثور او أكثر، وتتصل بالمحراث او بغيرها من الآلات التي تجرَّها الثيران في الفلاحة والدراسة (ارميا 2: 20)، والنير هو الذي يجعل بدل من ان يجر المحراث ثور واحد فيكون ثقيل عليه وثور اخر يجر محراث اخر ثقيل عليه بربط الثور مع ثور اخر بنير يتحمل كل منهما نصف الاتعاب فقط . فالنير هو راحة من نصف الاتعاب او بمعني ان كل ثور يساعد الاخر. فالمسيح يقول ان واجهت اتعاب في العالم احمل نير المسيح فتشترك معه في الامه ويشترك معك في حِمل آلامك عنك كما يؤكد ذلك بولس الرسول "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (فيلبي 4: 13). وتدل كلمة النير في لغة الكتاب المقدس على العبودية (الاحبار 26: 13) وسمّى اليهود شريعة الله المكتوبة والشفهية نيرا سواء في العهد القديم (يشوع بن سيراخ 51: 26-27) او في العهد الجديد (اعمال الرسل 15: 10، وغلاطية 5: 1). وهنا تدل "نير" على تعاليم المسيح عكس تعاليم علماء الشريعة الذين كان يفرضون على كاهل الناس اوزاراً ثقيلة الحِمل شبيهه بالنير الثقيل الذي يُسلّطه البشر على أعناق الحيوانات. ومن هنا مفارقة بين تعاليم يسوع وتعاليم الفريسيين. لم ينادِ يسوع بطرح ذلك النير بل بإبداله بنيره الجديد وهو ليس بشريعة جديدة لكن بتفسير جديد بحيث تصبح الشريعة قانونا للحياة بحيث يكون لهم نفس النظرة في الحياة مع الرب نفسه. أمَّا عبارة "تَتَلمَذوا" في الأصل اليوناني μάθετε (معناها تعلموا) فتشير الى دعوة يسوع الى تلاميذه للتعلم من كلامه وسيرته وحضوره بين الناس باعتباره نبي ومعلم ومُعلن الآب للناس. ولم يأمر تلاميذه بعمل شيئا لم يمارسه قبلا. اما عبارة "فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب" فتشير الى دعوة يسوع لحمل سمتيّ الوداعة πραΰς وتواضع القلبταπεινὸς. يوجد ربط بين الوداعة والتواضع لا يمكن فصله، فالإنسان الوديع يكون بالتالي متواضعا والعكس صحيح. الوداعة هي اللطف والترفق وهي أن يكون الإنسان لطيفاً في المعاملة ورقيق القلب حاملاً مشاعر طيبة للغير. والتواضع ليس تحقير النفس لكنه إعطاء الله المركز الحقيقي في القلب بتقديم الاحترام والإجلال له وتقديره بالتالي تقدير القريب. يسوع هو المتواضع "أمام الربّ الإله، والوديع مع البشر" (متى 5: 4). إنّه المتواضع لأنّه يضع نفسه في وضع الإصغاء إلى كلمة الحبّ والرحمة الخاصّة بالآب، ويجعل نفسه طائعاً له الى حدّ الموت. إنّ ما صَنَعَ عظمة يوحنّا، وما جعله عظيمًا بين العظماء، هو أنّه تَوَّج فضائله بفضيلة التواضع. ففيما كان يعتبره الجميع الأعظم، فقد وضع في مرتبة أعلى منه مَن هو الأكثر تواضعًا معلنا “لَستُ أَهْلاً لأَن أَخلَعَ نَعْلَيْه" (متى 3: 11). وتعلق القديسة تيريزيا الكالكوتيّة :"لا نتعلّم التواضع إلاّ من خلال نظرةٌ عميقة ووطيدة نحو الرّب يسوع المسيح من أفضل الصلوات. أنا أنظر إليه وهو ينظر إليّ. فنعلم بأننا لسنا بشيء ولا نملك شيئًا" (ما من حبّ أعظم). وإنّه وديع لأنّه يحتمل كلّ شيء من أجل حبّ الإنسان الّذي يتمّ افتداءه. الوديع هو إنسان لطيف هادئ، لين الخلق، وسهل التعامل في حياته. وفي قائمة ثمار الروح القدس يضع بولس الرسول الوداعة الى جانب الايمان "أمَّا ثَمَرُ الرُّوح فهو المَحبَةُ والفَرَحُ والسَّلام والصَّبرُ واللُّطْفُ وكَرَمُ الأَخْلاق والإِيمانُ والوَداعةُ والعَفاف"(غلاطية 5: 22-23). الوداعة والايمان هما مرتبطان احداهما بالأخرى من حيث أنَّ كلتيهما تعبّران عن استعداد للانفتاح نحو الله وخضوع كله ثقة لنعمته وكلمته. فنحن لا نستطيع أن ندخل طريق المعرفة الحقيقيّة إلا بالمسيح يسوع نفسه الوديع المتواضع القلب. وأول درس ينبغي ان يتعلمه الناس من المسيح هو التواضع. فالجلوس عند اقدامه والاستماع الى كلامه على مثال مريم اخت لعازر (لوقا 10: 39) سر الراحة والسعادة الخالدة. أمَّا عبارة "الرَّاحَةَ" في الأصل اليوناني ἀνάπαυσιν (معناها الارتياح) فتشير الى المعني المجازي أي الى دعوة يسوع إلى الراحة عن أتعابنا وحدودنا وليس "مجرّد" عن حياتنا، وذلك بتحرير الانسان ومنحه قوة للتحمُّل المرض وسلام داخلي حقيقي، ذاك السلام الذي يسوع وحده بإمكانه أن يمنحنا إياه، وليس العالم كما صرّح لتلاميذه " السَّلامَ أَستَودِعُكُم وسَلامي أُعْطيكم. لا أُعْطي أَنا كما يُعْطي العالَم" (يوحنا14: 27)، فالراحة الّتي يعد بها يسوع هي السلام مع الربّ، وليس نهاية كلّ مشقّة. فالراحة الحقيقية ليست في التوقف عن العمل او إزالة المرض، ولكن في الجهاد والصبر والعمل لإتمام مشيئة الرب، كما شهد بولس الرسول بخبرته فقال "فإِنِّي بِالأَحرى أَفتَخِرُ راضِيًا بِحالاتِ ضُعْفي لِتَحِلَّ بي قُدرَةُ المَسيح. ولِذلِك فإِنِّي راضٍ بِحالاتِ الضُّعفِ والإِهاناتِ والشَّدائِدِ والاِضطِهاداتِ والمَضايِقِ في سَبيلِ المسيح، لأَنِّي عِندَما أَكونُ ضَعيفًا أَكونُ قَوِيًّا " (2 قورنتس 12: 9-10)، ويُعلق القدّيس غريغوريوس الكبير "يريد البعض أن يكونوا متواضعين دون أن يكونوا مُزدرين؛ يريدون أن يكونوا راضين عن حالهم، ولكن دون أن يكونوا في العوز؛ أن يكونوا طاهرين، ولكن دون إماتة الجسد؛ أن يكونوا صبورين، ولكن دون أن يُهينهم أحد. بينما هم يحاولون أن يكتسبوا بعض الفضائل، وفي ذات الوقت يصدّون ويرفضون التضحيات الّتي تشملها الفضائل، يُشبهون أولئك الّذين، يهربون من ساحة المعركة، ويُودّون ربح الحرب بينما هم يعيشون في المدينة بشكل مريح". فلا يمكن ان نجد الراحة ونكتسب الفضائل دون ألم وجهد وتعب. أمَّا عبارة " تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم" فتشير الى الراحة الذي هي ليست مجرّد راحة جسدية، بل هي الراحة الروحية أيضا، لأن ما يُتعِب الإنسان بالأكثر ليس الإرهاق الجسدي، بقدر ما هو الوحدة والعزلة. ونجد هذه الراحة بالالتقاء بالرب، وفي العلاقة معه، وهذا ما يّذكرنا في كلمات ارميا النبي "قِفوا في الطُّرُقِ وانظروا واسأَلوا عنِ المَسالِكِ القَويمة ما هو الطَّريقُ الصَّالِحُ وسيروا فيه فتَجِدوا راحةً لِنُفوسِكم" (ارميا 6: 16)، فعمل يسوع هو توفير الاسعاف للخراف المتعبة والمنهوكة كما جاء في انجيل متى "رأَى يسوع الجُموعَ فأَخذَته الشَّفَقَةُ علَيهم، لأَنَّهم كانوا تَعِبينَ رازِحين، كَغَنَمٍ لا راعيَ لها"(متى 9: 36). ويُعرض يسوع الراحة للنفوس التي تأتي اليه " تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم (متى 11: 29). فالنفوس تستريح من أثقال اتعاب الحياة وثقل الخطيئة وتعب الضمير. ويناجي القديس يوحنا سابا ربنا يسوع كسرّ راحته "طوبى لذاك الذي يطلبك في داخله كل ساعة، منه تجري له الحياة ليتنعّم!". في هذه الآية يجعلنا المسيح شركاء له في حِمل نير العالم لخلاصه، وهذه فرصة لكي نبرهن عن تكريس الحياة لأجل خدمته. 30 لأَنَّ نِيري لَطيفٌ وحِملي خَفيف. تشير عبارة "لَطيفٌ" في الأصل اليونانية χρηστὸς (معناها هيِّن) الى تفسير يسوع للشريعة تفسيرا ليّنا، أمَّا العالم اليهودي يقدّم تفسيراً قاسيا للشريعة، لأنه يتضمن 613 وصية يجب ان يحفظها المؤمن، أمَّا نير المسيح فبالرغم من مطالبته بمقاومة للخطيئة والقيام بالواجبات فانه يمنح الراحة، لأنه لا يفرض شريعته من الخارج بكل قساوتها، بل من الداخل، وأهون من نير الشريعة اليهودية مع كل ما اضافه الكتبة والفريسيون من الطقوس والتقاليد. فالنير يصبح لطيفاً، لأنه نير المسيح، نير المحبّة حتّى أقصى الحدود والمسيح يعين تلميذه على حِمل بحيث لا يشعر بصعوبة حِمله. ويُعلق القديس أوغسطينوس "حين أقول بأن تكفر بنفسك إذا أردت أن تتبعني، فهل تجد وصيّتي هذه قاسية وصعبة؟ ليست قاسية عليك ولا ثقيلة لأني معين لك. المحبّة تُخفّف من قسوة الوصيّة!". يميّز يسوع بين تفسيره المُحرِّر للشريعة وروح الشريعة اليهودية. فأن يسوع أتى الانسان بشريعة جديدة وبفرح الملكوت في آنٍ واحد كما جاء في تعليم بولس الرسول "إنَّ المسيحَ قد حَرَّرَنا تَحْريرًا. فاثبُتوا إِذًا ولا تَدَعوا أَحَدًا يَعودُ بِكُم إِلى نِيرِ العُبودِيَّة" (غلاطية 5:1). أمَّا عبارة "حِملي خَفيف" فتشير الى عدم ثقل شريعة يسوع كما يؤكد يوحنا الرسول " َوَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً (1 يوحنا 5: 3)، لان يسوع علم تلاميذه ما هو صالح وما يطلب منهم الرب كما ورد في نبوءة ميخا "قد بَيَّنَ لَكَ أَيُّها الإِنسانُ ما هو صالِح وما يَطلُبُ مِنكَ الرَّبّ. إِنَّما هو أَن تُجرِيَ الحُكْمَ وتُحِبَّ الرَّحمَة وتَسيرَ بِتَواضُعٍ مع إِلهِكَ. (ميخا 6: 8)، ويعلق البابا فرنسيس "لا يحلّ يسوع مشاكلنا، إنّما كي يجعلنا أقوياء في مشاكلنا. فيسوع لا يرفع عنّا أعباءَ الحياة، لا ينزع الصّليب، إنّما يحمله معنا. ومعه يصبح العبء خفيفًا" (عظة الأحد 9 / تموز 2017)؛ المسيح يسير معنا ويحمل الشريعة معنا، وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول " أَستَطيعُ كُلَّ شيَءٍ بِذاكَ الَّذي يُقوِّيني" (فيلبي 13:4). فالحِمل يصير خفيفا عندما نحمله في سبيل المسيح، والمسيح يحمله معنا كما جاء في تعليم بولس الرسول "لِذلِك فإِنِّي راضٍ بِحالاتِ الضُّعفِ والإِهاناتِ والشَّدائِدِ والاِضطِهاداتِ والمَضايِقِ في سَبيلِ المسيح، لأَنِّي عِندَما أَكونُ ضَعيفًا أَكونُ قَوِيًّا" (2 قورنتس 12: 10). ويُصبح حِمل شريعة المسيح خفيفا لأنه مصحوب بسلام "فإِنَّ سلامَ اللهِ الَّذي يَفوقُ كُلَّ إِدراكٍ يَحفَظُ قُلوبَكم وأَذْهانَكم في المسيحِ يسوع" (فيلبي 4: 7)؛ ولم يُعلِّم بولس الرسول عن حِمل يسوع بل اختبره أيضا:" فلَوِ اقتَضى الأَمْرُ أَن يُراقَ دَمي ذَبيحَةً مُقَرَّبَةً في سَبيلِ إِيمانِكم، لَفَرِحتُ وشارَكتُكمُ الفَرَحَ جَميعًا، فكَذلِكَ افرَحوا أَنتُم أَيضًا وشارِكوني الفَرَح"(فيلبي 2: 17-18). فإن كان النير عسيرا على القليلين الذين اختاروه لكنّه سهل للذين يحبّونه. ويُعلق القديس ايرونيموس "يصير النير لطيفا، لأنه نير المسيح، والحِمل خفيفًا لأنه حِمله هو". ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 11: 25-30) بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي وتحليله (متى 11: 25-30)، نستنتج انه يتمحور حول دعوة يسوع الى معرفة اسرار الملكوت السماوي. من هنا نتساءل: من يتجاوب مع هذه الدعوة؟ ما هي إرشادات هذه الدعوة؟ 1) من يتجاوب مع دعوة يسوع لمعرفة الملكوت؟ يريد الله كشف أسرار ملكوته للبشريّة، ويسوع الذي يعيش في ألفة الله الآب حصل على معرفة اسرار الملكوت وعُهد اليه في الكشف عنها: "قد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء، فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الابنَ إِلاَّ الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْن ومَن شاءَ الابنُ أَن يَكشِفَه لَه" (متى 11: 27) وتقوم رسالة يسوع في إعلان ملكوت الله للجميع بالتكافؤ بصرف النظر عن المركز او الإمكانيات او القدرات. فقدم يسوع ملكوت الله لكل إنسان بلا محاباة وليس فقط لنخبة مختارة من الحكماء والاذكياء، فملكوت الله متاح للجميع ولم يمنع أحدًا من معرفته. وقد شرح يسوع محبة الله وملكوته من خلال الأمثال، والتعاليم، ومن خلال حياته على الارض (لوقا 10: 22) ودعا جميع المُرهَقين المُثقَلين تحت عبء الخطايا ام تحت عبء الشريعة او الظروف الحياة القاسية مثل الصغار والفقراء والمتألمين والجياع والمرضى والحزانى والخطأة... لكن الذين يظنّون في أنفسهم أنهم حكماء واذكياء كالفرّيسيّين المتعجرفين والكتبة الذين يدّعون أنهم أصحاب معرفة عقليّة قادرة على خلاصهم، هؤلاء يتثقّلون "بالأنا" فلا يقدرون دخول طريق المعرفة الإلهيّة الحقّة، فهم يعيشون في تناقض داخلي الناتج عن الصراع النفسي بين الحقيقة والواقع، والظاهر والباطن، والسر والعلانية. أمَّا من يقبل دعوة المسيح في بساطة قلب ويحمل صليبه في تواضعٍ، يكون كطفل قد ارتمى في حضن أبيه، فيدخل إلى معرفة ملكوت السماوات. وبناء على ذلك كشفت دعوة يسوع عن الفرق بين السامعين: بين الذين قبلوه وهم الصغار اي التلاميذ، وبين الذين رفضوه وهم الحكماء أي الفريسيون الذين يدّعون المعرفة. فهناك فئتان: فئة الحكماء المنغلقون على معرفتهم، وهناك فئة الصغار المنفتحون لقبول كلمة الله. قبول هذا الوحي او رفضه هو المعيار لمعرفة هل الانسان "صغير" أم "حكيم". ونستنتج مما سبق انه يتوجب علينا ان نتقدم الى يسوع لا بقوتنا او بذكائنا وعقلنا، ولكن بثقة الأطفال. المسيح ليس ضد العاملين في المجالات الفكرية والعلمية، لكنه ضد الكبرياء الروحي، أي ان يصير الانسان حكيما في عيني نفسه ويستغني عن المسيح، لكن كلام يسوع واضح "بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً" (يوحنا 15: 5). 2) ما هي ارشادات يسوع لنجد الراحة؟ إن دعوة الرب مدهشة حيث انه يدعو أشخاصًا تُثقلهم حياة صعبة ويَعِدهم أنّهم سيجدون الراحة لديه، وهذه الدعوة موجّهة بصيغة الأمر ولها ثلاثة إرشادات: "تَعالَوا إِليَّ"، و"اِحمِلوا نيري" و"تَتَلمَذوا لي". الإرشاد الاول: "تعالوا إلي" يدعو الرب الجميع للذهاب اليه "تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون" (متى 11: 28) لكي يجدوا فيه الراحة والتعزية؛ يدعو يسوع الجميع، كخادمِ الرّب الذي تمّ وصفه في كتاب النبي أشعيا "آتاني السَّيِّدُ الرَّبُّ لِسانَ تِلْميذ يَبعَثُ كَلِمَةً لِأَعرِفَ أَن أَسنُدَ المُعْيي" (أشعيا 50: 4). ويتوجّه بهذا النداء الشخصي إلى المرهقين والمثقلين للتحرّك والتفاعل ليجمع الناس المتعبين حوله، كما صفه النبي ارميا: "الرّبُّ أعطاني لِسانَ التَّلاميذِ لأُعينَ المُتعَبينَ بكلِمةٍ" (ارميا 50: 4). فكأن يسوع يُناجي كل شخص، ويريد أن يُكلِّم كلَّ شخص ويقف إلى جانب كل شخص من المرهقين والمتعبين. ويعلق البابا فرنسيس "لقد أيقظ الرّب يسوع في القلب كثيرًا من الرّجاء بين الجموع المتواضعة، والبسيطة، والفقيرة، والمنسيّة، تلك التي بلا قيمة في عيون العالم. لقد عرف الرّب يسوع أن يدرك المآسي البشريّة، ينظر إلى أمراضنا، إلى خطايانا. يسوع هو الله، الذي تواضع لكي يسير معنا" (عظة بتاريخ 24/03/2013). وإلى جانب هؤلاء المُرهقين والمتعبين يضع الإنجيل غالبًا أيضًا للفقراء (متى 11، 5) والصغار (متى 18، 6). يختار يسوع الصغار ويكشف لهم ذاته ويدعوهم. إنهم جميع الذين لا يمكنهم الاعتماد على إمكاناتهم الشخصيّة بل يتّكلون على الله. وإذ يدركون حالتهم الوضيعة والبائسة يعتمدون على رحمة الرب وينتظرون منه المساعدة الوحيدة الممكنة، وبالتالي يجدون في دعوة يسوع الجواب على توقعاتهم، لذلك يُصبحون تلاميذه وينالون الوعد بأن يجدوا الراحة طوال حياتهم. ولكن ألا يدعو الكبار أيضًا؟ إن قلب المسيح مفتوح، ويدعو جميع المتعبين "تَعالَوا إِليَّ جَميعًا أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون" (متى 11: 28)، ولان الدعوة نداء شخصي، يصمُّ البعض آذانهم عنه كما كان رد فعل الكتبة والفريسيين بسبب كبريائهم وغرورهم وأنانيّهم (متى 22: 1-14). إلاَّ أنَّ الرّب يسوع لا يُقصي ولا يرفض أحدًا. المتكبرون لا يستطيعون سماع صوته لأنّهم ممتلئون من أنفسهم، ولكي يسمعوا صوت الرب، ينبغي عليهم أن يتصاغروا. الرب يدعو جميع المتعبين دون أي تمييز إلى راحته ورحمته وخلاصه. ويُعلق القديس اوغسطينوس مناجيا يسوع "مَن سيمنحني أن أستريح فيك؟ مَن سيمنحني أن تأتي إلى قلبي، وأن تسكره حتّى أنسى آلامي وأتمكّن من معانقتك، أنتَ يا كلّ ما أملك؟ مَن أنتَ بالنسبة إليّ؟ أشفِق عليّ حتّى أستطيع أن أتكلّم. مَن أنا في عينيك، حتّى تأمرني بأن أحبّك؟... في رحمتك يا إلهي، قُل لي مَن أنت بالنسبة إليّ. "قُل لنفسي: أَنا خَلاصُكِ" (مزمور 35: 3)". الارشاد الثاني: "احملوا نيري" يدعو يسوع الجميع بقوله: "اِحمِلوا نيري" (متى 11: 29). ويستعمل يسوع صورة النير ليشير إلى العهد الوثيق بين الله وشعبه، وبالتالي إلى الخضوع لمشيئته التي يُعبّر عنها في الشريعة. وعلى خلاف الكتبة وعلماء الشريعة يحمّل يسوع تلاميذه نيره الذي فيه تجد الشريعة تمامها. ويعلّمهم كيف يكتشفون مشيئة الله من خلال شخصه: هو يقوم في محور علاقتهم مع الله، كما يعلق البابا فرنسيس "يسوع هو في جوهر العلاقات بين التلاميذ ويضع نفسه كحجر أساس لحياة كل فرد منهم. وكل تلميذ يقبل حِمل "نير يسوع" يدخل في شركة معه ويصبح شريكه في سرّ صليبه ومصيره الخلاصي ويصبح تلميذه" (المُقَابَلَةُ العَامَّةُ 14 أيلول 2016). ويُبيّن لنا الانجيل ان يسوع هو ذاك الخادم المتواضع أمام الربّ، والوديع أمام البشر، والمُتميّز عن علماء الأخلاق. وهذه الوداعة هي سمة من سمات المسيح المنتظر (متّى 5: 4). وهذه الوداعة هي التي تعطي الراحة في العودة إلى الربّ وفي أمانة جديدة لشريعته التي لا يمكن أن تكون إلاّ شريعة المحبّة. وهذه الأمانة قد جعلها يسوع مُمكنة بفضل حياته وتعليمه. إذ يكفي أن ننظر إليه، يكفي أن نسمع كلامه، يكفي أن نرافقه في حياته، لكي نفهم أن نيره ليّن وحِمله خفيف كما يصرح بولس الرسول: "لأَنَّ مَحبَّةَ المسيحِ تَأخُذُ بِمَجامٍعِ قَلْبِنا" (2 قورنتس 5: 14)، إنها تخفّف الوِزْر وتقلّل من وطأة النير كما يقول القدّيس أوغسطينوس" حيثما المحبّة فلا تعب، وحتّى إذا وُجد تعب، فإنّ التعب نفسه يُحَبّ". والواقع أن يسوع لا يفرض وصاياه بل يقدّمها، لا يُكره أحداً بل يقُنع. فمحبة المسيح تمنحنا الفرح والراحة والسلام! وما أحلى نير المسيح الذي حِمله! وما أخفَّ ذلك الحِمل الذي يحمله مع المسيح بمحبة! ويُعلق القديس اوغسطينوس "إن كان الحِمل عسيرًا على القليلين الذين اختاروه لكنّه سهل للذين يحبّونه". فالحب لا يمكن الا ان يكون مصدر حرية وإشعاع. نستنتج مما سبق أنّنا لن نقدر أن نلتقي بمسيحنا خارجًا عن نيره، ولا أن نتعرّف على أبيه بدون صليبه! فعلينا ان نعود كالأطفال "الصغار" كي نقبل يسوع المسيح ونحمل صليبه كحِمل خفيف، وفيما نحمله نكتشف يسوع الحامل للصليب معنا وفينا. ويقول القدّيس خوسية ماريّا إسكريفا "إذا كلّفك الربّ بمهمّة ما، فسوف يُعطيك القوّة اللازمة للقيام بها". الارشاد الثالث: "تتلمذوا لي" يدعو يسوع الجميع ان يكونوا تلاميذه بقوله "تَتَلمَذوا لي" (متى 11: 29). يدعو يسوع الناس لكي يكونوا تلاميذه، ويناشد تلاميذه ان يقتدوا بقلبه الوديع والمتواضع ويحملوا أتعابهم بالطريقة التي حمل بها هو أتعابه. وكلماته التي لفظتها ليلة العشاء السرّي تعلّمنا كيفيّة الاقتداء به:" فقَد جَعَلتُ لَكُم مِن نَفْسي قُدوَةً لِتَصنَعوا أَنتُم أَيضاً ما صَنَعتُ إِلَيكم" (يوحنا 13: 15). واحتل ومريم العذراء المكان الاول بين اولئك المتواضعين وفقراء الرب الذين تتلمذوا على يسوع مع التلاميذ الاوَّلين. وبناء على ذلك إن ما يطلب يسوع من الانسان لكي يصير تلميذا له، لا الاستعدادات الذهنية، ولا حتى الأدبية ـبل الدعوة التي يوجّها له "اتبعني" (مرقس 1: 17-20). وفي الاناجيل يدل لفظ " اتبعني" على التعلق بشخص يسوع (متى 8:19). إن اتباع يسوع تعني قطع كل علاقة بالماضي، كما يعني الاقتداء بمثاله وسماع تعاليمه، ومطابقة الحياة على سيرة المخلص "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبعْني" (مرقس 8: 34). وحيث ان تلميذ يسوع لا يرتبط بتعليم، بل بشخص يسوع الوديع المتواضع القلب، لذا فهو لا يستطيع أن يترك معلمه الذي أصبح مرتبطا به أكثر من أبيه وأمِّه (متى 10: 37). ويعطي يسوع ومن خلال هذه الدعوة الى تلاميذه اسرار الملكوت ويخلصهم كما وعد: "مَشيَئةُ الَّذي أَرسَلَني أَلاَّ أُهلِكَ أَحَداً مِن جَميعِ ما أَعْطانيه بل أُقيمُه في اليَومِ الأَخير" (يوحنا 6: 39). ويدعو يسوع الجميع الذين أرادوا ان يتتلمذوا له ان يحملوا سمتيّ الوداعة وتواضع القلب. بهاتين الصفتين ركز المسيح على الحياة العملية لكي يصبح تلاميذه على مثاله، يسوع المسيح هو الوديع والمتواضع القلب كما تنبأ عنه زكريا " هُوَذا مَلِكُكِ آتياً إِلَيكِ وَديعاً "(متى 21: 5). وفي الواقع "الكَلِمَةُ صارَ بَشَراً (يوحنا 1: 14) ليقود الانسان الى اوج التواضع، وقد بلغ به التواضع الى حد غسل أرجل تلاميذه (يوحنا 13: 14-16) جعل لنا من نفسه قدوة. من خلال الوداعة والتواضع يدعو يسوع الى الدخول في علاقة مع الاب ومعرفة اسرار الملكوت. ويعلق القديس اوغسطينوس " تعلّم منه لأنه وديع ومتواضع القلب. لتحفر فيك أساس التواضع هذا عميقًا، فتحصل على قمّة المحبّة! التواضع علامة المسيح، وحيث التواضع هناك المحبة". والتواضع أعظم الفضائل. وأن الأشخاص الذين يتحلون بالتواضع يكتسبون قدرا أكبر من المعرفة" كما صرّح الفيلسوف سقراط ألفي عام. وعلَّم يسوع الرسل التحلي بثوب التواضع، وكان القديس بطرس الرّسول كان أول من اختبر كم كان التّواضع مُجدِيًا لكل المؤمنين لدى الصيد العجيب صرخ معلنًا "يا ربّ، تَباعَدْ عَنِّي، إِنِّي رَجُلٌ خاطِئ" (لوقا 5: 8) ولدى اضطرابه من جرّاء عاصفة ارتباكه الهوجاء، فصرخ مع اصحابه الرسل "يا مُعَلِّم! يا مُعَلِّم! لَقَد هَلَكْنا" (لوقا 8: 24). ويعلق القدّيس يوحنّا الصليب (1542 -1591)، " المتواضع هو مَن يختبئ في فراغ نفسه ويعرف أن يستسلم لله، ولوديع هو مَن يعرف أن يتحمّل القريب وأن يتحمّل نفسه. إن كنت تريد أن تكون كاملاً، استدر نحو الرّب المسيح لكي تحصل منه على الوداعة والتواضع، واتبعه" (آراء وأمثال). وإن كنا نعتمد التواضع أولًا فإننا نُعيد إلى الله كلّ ما نطلبه، ويمكننا أن نتأكّد من أن طيبته سوف تغمرنا. ويُعلمنا يسوع ان نتحلى بثوب التواضع في علاقتنا المتبادلة (1 بطرس 5:5) بأن نبحث عن منفعة الآخرين ونجلس في المكان الأخير كما جاء في تعليم بولس الرسول "لا تَفعَلوا شَيئًا بِدافِعِ المُنافَسةِ أَوِ العُجْب، بل على كُلٍّ مِنكم أَن يَتواضَعَ ويَعُدَّ غَيرَه أَفضَلَ مِنه" (فيلبي 2: 3). فالتلميذ المتواضع يشجع الناس على الانخراط أكثر في تقبل الانجيل المقدس والعمل بموجبه والشعور بالرضا عن إيمانه، والوصول الى خلاصه. ويعلق القدّيس أوغسطينوس بقوله "يحبّ الجميع الارتفاع بالمجد، لكن التواضع هو السّلّم التي يجب تسلّقه للوصول" (العظة 9 ). بناء على بحث حول أهمية التواضع نشره برادلي أوينز، عالم النفس بجامعة بريغهام يونغ في عام 2013. لذلك يسالكّ الراهب إسحَق السريانيّ (القرن السابع): "هل تريد أن تجد الحياة؟ حافظ في داخلكَ على الإيمان والتواضع، وستجد من خلالهما الرأفة والنجدة والكلام الذي سيقوله الله في قلبكَ، وأيضًا ذاك الذي يحرسك ويبقى إلى جانبك سريًّا وظاهريًّا" (المجموعة الأولى، الفقرة 19). وتمشيا مع تعاليم المسيح ومثاله لم الرسل التكلم عن الوداعة، فيقول يعقوب الرسول عن أهميتها في الحياة الروحية "أفيكُم أَحَدٌ ذو حِكمَةٍ ودِرايَة؟ فَليُظهِرْ بِحُسنِ سِيرتِه أَنَّ أَعمالَه تُصنَعُ بِوَداعَةٍ تأتي مِنَ الحِكمَة" (يعقوب 3: 13)، وأمَّا بطرس الرسول فيركز على اهمية الوداعة في الايمان فيقول "قدِّسوا الرَّبَّ المَسيحَ في قُلوِبكم. وكونوا دائِمًا مُستَعِدِّينَ لأَن تَرُدُّوا على مَن يَطلُبُ مِنكم دَليلَ ما أَنتم علَيه مِنَ الرَّجاء، ولكِن لِيَكُنْ ذلك بِوَداعَةٍ ووَقار" (1 بطرس 3: 15-16)؛ وامَّا بولس الرسول يتطرق الى الوداعة في الاصلاح الاخوي "أَيُّها الإِخوَة، إِن وَقعَ أَحَدٌ في فَخِّ الخَطيئَة، فأَصلِحوه أَنتُمُ الرُّوحِيِّينَ بِروحِ الوَداعة. وحَذارِ أَنتَ مِن نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجرَّبَ أَنتَ أَيضًا. لِيَحمِلْ بَعضُكم أَثْقالَ بَعض وأَتِمُّوا هكذا العَمَلَ بِشَريعةِ المسيح" (غلاطية 6: 1-2). واخير يناشد القديس بولس المسيحيين في التمسك بالوداعة والتواضع بقوله الى اهل أفسس "فأُناشِدُكم، أَنا السَّجينَ في الرَّبّ، أَن تَسيروا سيرةً تَليقُ بِالدَّعوَةِ الَّتي دُعيتُم إِلَيها، 2 سيرةً مِلؤُها التَّواضُعُ والوَداعَةُ والصَّبْر، مُحتَمِلينَ بَعضُكُم بَعضًا في المَحبَّة " (أفسس 4: 1-2). الخلاصة يقدّم يسوع لتلاميذه مسيرة معرفة، وهو ليس معلّمًا يفرض على الآخرين أحمالا لا يُمكن حملها هو نفسه، بل إنه يتوجّه إلى الذين يشعرون بثقل الخطيئة وتعب الضمير ويُعدهم بالراحة والتعزية. ويشترط عليهم ان يأتوا اليه ويتعلموا منه التواضع والوداعة والمحبة، لأنه هو نفسه صار صغيرًا ووديعا ومتواضعًا. فيسوع هو ذاك الّذي يحمل آلامنا وأمراضنا وخطايانا، ويحمل الظلم الّذي نتعرّض له ويُعيننا على هواجسنا وقلقنا وتعبنا كما جاء في نبوءة أشعيا "أُحصِيَ مع العُصاة وهو حَمَلَ خَطايا الكثيرين وشَفَعَ في مَعاصيهم" (أشعيا (53: 12). ويفهم يسوع الخطأة والمتألمين لأنه هو أيضًا جاء الى الأرض وتألّم كي يخلّص البشريّة، لم يسر دربًا سهلاً، بل على العكس، لأن مسيرته كانت صعبة وأليمة. كما تذكّرنا الرسالة إلى أهل فيلبي: " وضَعَ نَفسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب” (فيلبي 2: 8). إن النير الذي يحمله الخطأة والمضطهدون هو النير عينه الذي حمله يسوع قبلهم ولذلك هو نير خفيف. قد حمل على كتفيه آلام وخطايا البشريّة بأسرها، وبالتالي ان يحمل التلميذ نير يسوع يعني أن ينال حبه ويقبله. ولذلك يطالب يسوع من تلميذه بمشاركته في المصير نفسه: لذلك يتوجب على تلميذه ان يحمل الصليب (مرقس 8: 34) ويشرب كأسه (مرقس 10: 28-29). دعاء أيها الآب السماوي، نشكر أنك كشفت اسرار الملكوت للمتواضعين والودعاء، هبنا روح التواضع والوداعة على مثال ابنك يسوع الوديع والمتواضع القلب لكي نحمل معه نير الصليب ونجد فيه الراحة ونعرف اسرار الملكوت كل يوم أكثر، الى ان يأتي يوما نراك فيه وجها لوجه. مردِّدين بثقة: "يا يسوع الوديع والمتواضع القلب، اجعل قلبنا مثل قلبك". ‎قصة حقيقية: التواضع امام الله فاز أحد الأشخاص بالانتخابات النيابية في إنجلترا، وأصبح عضواً في مجلس البرلمان البريطاني. كان هذا الرجل من إحدى القرى الصغيرة خارج مدينة لندن، ولدى فوزه بالانتخابات، اعتراه شعورٌ بالكبرياء، إذ أصبح له منصب هام في الحكومة البريطانية. وذات يومٍ، اصطحب الرجل زوجته وأولاده في زيارة للندن، ليريهم مكان عمله، ومعالم المدينة الشهيرة. وبينما هم يمشون وينظرون إلى تلك الأبنية العظيمة، كان الرجل يفسّر باعتزاز تاريخ تلك المباني التي كانوا يزورونها. وأخيرا اقتادهم إلى مبنى West Minster Abbey الشهير، حيث تقام المراسيم الدينية للعائلة المالكة في بريطانيا. لدى دخول العائلة المبنى، بانت معالم الذهول على وجه ابنته الصغيرة البالغة من العمر ثماني سنوات. نظر اليها والدها بافتخار، ثم سألها: "بما تفكرين يا ابنتي؟" فأجابته: "أفكر يا والدي كم تبدو أنت كبيراً في منزلنا، وكم تبدو صغيراً في هذا المكان".