مدينة بيرزيت
رعية اللاتين
عذراء غوادالوبة
مواضيع روحية ومتنوعة
روابط
التجلي بمفهوم متى الإنجيلي الأب د. لويس حزبون

يُسلط انجيل متى الاضواء على كيان يسوع العميق ومهمته الإلهية من خلال التجلي (متى 17: 1-9). فكان يَجِبُ علَى يسوع "أَن يَذهَبَ إِلى أُورَشَليم ويُعانِيَ آلاماً شَديدة مِنَ الشُّيوخِ وعُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَة ويُقتَلَ ويقومَ في اليومِ الثَّالث" (متى 16: 21)، ولكن لم يفهم التلاميذ لماذا اختار معلمهم ذلك الطريق، لذا أراهم الله شيئا من مجد ابنه وأمرهم ان يصغوا الى تعليمه (متى 17: 5). فالتجلي في جبل طابور، والالم في جبل الجلجلة، هما امران من صميم الانجيل لا ينفصلان. فنحن هنا في قلب البشارة الإنجيلية. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.

أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 17: 1-9)

1 وبَعدَ سِتَّةِ أَيَّام مَضى يسوعُ بِبُطرسَ ويَعقوبَ وأَخيه يوحَنَّا، فانفَردَ بِهِم على جَبَلٍ عالٍ،

تشير عبارة "سِتَّةِ أَيَّام" الى الأيام الستة الواقعة بين يوم الوعد ويوم التجلي، إذ وعد السيّد المسيح تلاميذه أن منهم قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته (متى16: 28). ام رقم (6) فيدل على عيد المظال الذي يبدأ في اليوم الخامس عشر وهو الشهر السابع من شهور السنة الدينية، أي بعد عيد الكفارة او الغفران (يوم كيبور יוֹם כִּפּוּר) بأربعة أيام. ويمتد الى سبعة أيام. ونستطيع ان نرى في الرقم 6 عدد النقص، فالإنسان خلق في اليوم السادس وسقط في اليوم السادس. ووجد كماله في يوم التجلي، اليوم السابع. إذ كان هذا العيد يستغرق سبعة أيام بحيث ان اليوم ألأخير هو يوم راحة، ويُسمى العظيم من العيد "هُو أَعظَمُ أَيَّامِه" (يوحنا 37:7). اما لوقا الإنجيلي فيتكلم عن اليوم الثامن في نهاية عيد المظال (لوقا 9: 28) فيربطنا بالقيامة والحياة الجديدة. فرقم 8 هو رقم الأبدية. فإن التجلّي هو إعلان ملكوت المسيح المخلّص، الذي يتحقّق في اليوم الثامن الذي يُشير إلى الأبديّة بكونه اليوم الذي يلي نهاية الأسبوع. اما العلامة أوريجانوس فيرى في ستة ايام معناً روحيا رمزيا وهو "أن المؤمن لا يقدر أن يرتفع مع السيّد المسيح على جبل طابور لينعم بالتجلّي ما لم يعبّر الأيام الستّة التي فيها خلق الله العالم المنظور. فمن يرغب في أن يأخذه يسوع، ويصعد به إلى جبلٍ عالٍ، ويتأهّل لرؤية تجلِّيه منفردًا، يلزمه أن يجتاز الأيّام الستّة، فلا يرى المنظورات ولا يحب العالم ولا الأشياء التي فيه، ولا يرغب في شهواته التي هي شهوات الجسد، ولا يطلب غنى الجسد ومجده". اما عبارة " ببُطرسَ ويَعقوبَ وأَخيه يوحَنَّا " فتشير الى الشهود الثلاثة لحدث التجلي، كما كانوا شهوداً لإحياء ابنة يائيرس (مرقس 5: 37) وشهوداً على نزاع يسوع في بستان الزيتون (مرقس 14: 33). فهم في علاقة حميمة مع يسوع. والعدد ثلاثة يُعدُّ كافياً لإثبات الشهادة بحسب الشريعة الموسوّية. أما القديس هيلاري أسقف بواتييه فيركز على فضائل الرسل الثلاثة للتمتع بالتجلي "إختار السيّد المسيح ثلاثة من تلاميذه، هم بطرس ويعقوب ويوحنا، فإن بطرس الذي يعني الصخرة يُشير إلى الإيمان، ويعقوب عُرف بجهاده وحياته البارة، كما عُرف يوحنا بالحبيب. وكأن النفس لن ترتفع على جبل طابور للتمتّع برؤية عريسها في ملكوته الأبدي، ما لم تحمل في داخلها الإيمان العامل بالمحبّة"؛ اما عبارة " فانفَردَ بِهِم " فتشير الى وحدهم اي كل واحد على حِدة. لماذا ذهب الربّ يسوع إلى الجبل، وفي ذلك المكان المنعزل المنفرد؟ يشرح لنا القدّيس لوقا السبب، " مَضى بِبُطرسَ ويوحنَّا ويعقوبَ وصعِدَ الجَبَلَ لِيُصَلِّي." (لوقا 9: 29)؛ اما عبارة “جَبَلٍ عالٍ" فلا تشير الى جبل مُحدَّد (متى 14: 23) بل الى جبل عالٍ كما كان الامر في جبل التجربة (متى 4: 8) وجبل الارسال النهائي حيث أرسل التلاميذ لإعلان البشارة قبل صعوده الى السماء (متى 28: 16)؛ ولم يذكر الانجيل اسم الجبل ولكن البعض يظن انه جبل حرمون (جبل الشيخ) الذي يرتفع حوالي 3000متر، وهو يبعد 20 كم شمال شرقي قيصرية فيلبس (بانياس)، واما تقليد الكنيسة فحدَّد مكان التجلي جبل طابور في الجليل. وهو جبل عالٍ يشير للسمو، سمو قدر المسيح الذي سيرونه الآن متجليًا.

على كل حال، لهذا الجبل دلالة لاهوتية أكثر منها جغرافية. كان الجبل يرتبط دائما بالاقتراب الى الله والاستعداد لسماع أقواله فقد ظهر الله لكل من موسى (خروج 24: 12-18) وإيليا على الجبل (1 ملوك 19: 8-18). فالجبل هو مكان للوحي (اشعيا 2: 2-3). فالوحي الأخير يتم على جبل صهيون (مزمور 2: 6)، جبل نهاية الأزمنة حيث تأتي الأمم " ويَكونُ في آخرِ الأَيَّام أَنَّ جَبَلَ بَيتِ الرَّبِّ يُوَطَّدُ في رَأسِ الجِبالِ وَيرتَفعُ فَوقَ التِّلال. وتَجْري إِلَيه جَميعُ الأُمَم وتَنطَلِقُ شُعوبٌ كَثيرةٌ وتَقول: هَلُمُّوا نَصعَدْ إِلى جَبَلِ الرَّبّ إِلى بَيتِ إِلهِ يَعْقوب وهو يُعَلِّمُنا طُرُقَه فنَسيرُ في سُبُلِه لأَنَّها مِن صِهْيونَ تَخرُجُ الشَّريعَة ومِن أُورَشَليمَ كَلِمَةُ الرَّبّ" (اشعيا 2: 2-3).

2 وتَجلَّى بِمَرأًى مِنهُم، فأَشَعَّ وَجهُه كالشَّمس، وتَلألأَت ثِيابُه كالنُّور.

تشير عبارة "تَجلَّى" في اليونانية μετεμορφώθη الى تحوّل وتغير هيئته، اي ان شكله ومظهره تغيَّر. ويدل الفعل على تحوّل روحي (رومة 12: 2). أما هنا فيدل على تحوّل منظور بمشهد من الرسل، إذ تحوّل وجّه المسيح وأضاء كالشمس. أمَّا لوقا الإنجيلي فقد تجنّب استعمال كلمة "تجلى" نظرا لكون سامعيه من الوثنيين ذوي الثقافة اليوناني؛ فهؤلاء لن يفهموا ماذا تعني كلمة التجلي إلاّ أنّها ضربا من التناسخ والتحول عند الآلهة الميثولوجيا ولذا فقد أراد استخدام كلمة "تبدّل"، ἐγένετο ἕτερον أي صار وجها آخر. اما عبارة " بِمَرأًى مِنهُم " في اليونانية ἔμπροσθεν αὐτῶν معناها "قدّامهم" ويُعلق العلامة أوريجانوس "إن السيّد المسيح هو هو لا يتغيّر، لكن من يتطلّع إليه خلال الأناجيل المقدّسة دون أن يصعد على جبل الحكمة المقدّسة، لا يقدر أن يرى مجده ويُدرك أسراره، أمّا من يرتفع على هذا الجبل فينعم بالتجلّي"؛ اما عبارة "فأَشَعَّ وَجهُه" فتشير الى التحوّل المنظور في الوجه فأشع (مرقس9: 2). ويعلق القديس ايرونيموس " صبغ يسوع هيئته بالسمُوّ، لكنّه لم ينزع عنه مظهره الخارجي". وهنا إشارة الى موسى النبي لدى لقائه بالله على جبل سيناء "لَمَّا نَزَلَ موسى مِن جَبَلِ سيناء، ولَوحا الشَّهادةِ في يَدِه عِندَ نُزولِه مِنَ الجَبَل، لم يَكُنْ يَعلَمُ أَنَّ بَشَرَةَ وَجهِه قد صارَت مُشِعَّةً مِن مُخاطَبَةِ الرَّبِّ لَه" (خروج 34: 29). ولا ننسى ان يسوع هو موسى الجديد. ولكن شتّان ما بين الخادم في بيت الله (موسى) وابن الله (يسوع المسيح). اما عبارة " كالشَّمس " فتشير الى شمس البر كما يعلق أُوريجانوس "يضيء وجهه كالشمس ليُعلن ذاته لأبناء النور، هؤلاء الذين خلعوا أعمال الظلمة ولبسوا أسلحة النور (رومة 13: 12). وبكشفه عن ذاته يُضيء عليهم ليس بشمس بسيطة، وإنما بشمس البر"؛ امَّا عبارة " تَلألأَت ثِيابُه " فتشير الى التحوّل المنظور في الثياب. والثياب المتلألئة هي احدى علامات المجد السماوي (دانيال 7: 9) التي تُمنح للمختارين الذين يصيرون كالملائكة كما ورد في سفر الرؤيا "الغالِبُ سيَلبَسُ هكذا ثِيابًا بيضًا، ولن أَمحُوَ اسمَه مِن سِفْرِ الحَياة، وسأَشهَدُ لاسمِه أَمامَ أَبي وأَمامَ مَلائِكَتِه. (رؤيا 3: 4). وما ثوب المعمودية الأبيض، وثوب العروس الأبيض، وثوب الكاهن الأبيض في القداس، إلاّ إشارة إلى الفصح وإلى التلاميذ المشتركين مع معلمه (رؤيا 3: 18). اما الخطيئة لا سيما الكبرياء تجعل الإنسان يضع نفسه مكان الله، يُشوّه نفسه ويصبح عارياً يملأه الخجل والعار كما حدث مع آدم وحواء بعد ارتكابهما الخطيئة فآنفَتَحَت أَعيُنُهما فعَرَفا أَنَّهما عُريانان. فَخاطا مِن وَرَقِ التِّين وصَنَعا لَهُما مِنه مَآزِر" (التكوين ٣: 7). فالتجلي هو استباق للقيامة في نظر مرقس الانجيلي (مرقس9: 2-13).

3 وإِذا موسى وإِيلِيَّا قد تَراءَيا لَهم يُكلِّمانِه

تشير عبارة "موسى وإِيلِيَّا" الى الشاهدين الى العهد الجديد، وممثلين، الواحد للشريعة والآخر للأنبياء بالتوالي. كان من المنتظر ان يكون ايليا السابق للمسيح (ملاخي 3: 23)، ويطابق في الانجيل بينه وبين يوحنا المعمدان. (متى 17: 12). ويظهر ايليا وموسى الذي عُرف في الدين اليهودي بارتفاعه عل مثال ايليا (2 ملوك 2: 11). وعليه موسى وايليا تمتّعا بالمجد (لوقا 9: 31)، لانهما أُشركا في عمل لرب (خروج 34: 29-35 و2 قورنتس 3: 7-11) وعادا اليه بطريق غامضة (تثنية الاشتراع 34: 34: 5-6 و2ملوك 2: 11). اما يسوع فإنه قد تمتّع بهذا المجد في هذه الارض قبل قيامته.

4 فخاطَبَ بُطرُسُ يسوعَ قال: ((يا ربّ، حَسَنٌ أَن نكونَ ههُنا. فإِن شِئتَ، نَصَبْتُ ههُنا ثَلاثَ خِيَم: واحِدَةً لكَ وواحِدَةً لِموسى وواحِدَةً لإِيليَّا )).

تشير عبارة " حَسَنٌ أَن نكونَ ههُنا " الى عبارة ملتبسة: أحسّ لبطرس بفرحه واهتم بخدمة الضيوف الثلاثة مثل إبراهيم (التكوين 18)، إما حسن لموسى وإيليا الذي يريد بطرس ان يقدم لهم مساعدة؟ ويعلق العلامة أوريجانوس " أن ما قاله الرسول بطرس من شوقه للبقاء في هذا الموضع قصد به بقاء السيّد هناك حتى لا ينزل ههنا، وذلك لخوفه على الرب إذ سمع أنه ينبغي أن يصعد إلى أورشليم. وبالتالي لا يتعرّض للموت؛ بهذا يكون هذا الجبل موضعًا لائقًا للاختفاء لا يمكن لأحد المضطهِدين أن يعرفه ". على كل حال يسيء بطرس فهم الموقف، واراد ان يدوم هذا المشهد، لذا يقترح بنصب خيم ونسي ما قاله يسوع ان على ابن الانسان ان يمرّ في الألم قبل ان يصل الى المجد. ويعلق القديس أوغسطينوس " هذا الامر لم يكن بطرس قد فهمه بعد عندما كان يتمنى ان يعيش مع المسيح على الجبل. لقد حفظ لك هذا، يا بطرس، إلى ما بعد الموت. وأمَّا الان فهو نفسُه يقول:" انزلْ إلى الارض لتكدّ وتتعب، لتخدم على الارض، لتُزدَرى، لتُصلبَ على الارض؛ "يسوع الحياة" ينزل لكي يُقتل؛ "يسوع الخبز" ينزل لكي يجوع؛ "يسوع الطريق" ينزل لكي يتعب في الطريق؛ "يسوع الينبوع " ينزل لكي يعطش؛ وانت ترفض ان تشقى؟" اما عبارة " خِيَم " فتشير الى عيد الاكواخ (عيد المظال) (خروج 23: 16)، وتذكر في آيات الخروج ومواعيد الله للأزمنة الأخيرة. وكان تصرّف بطرس تصرّفا واقعيا مما يدل على تاريخية القصة.

5 وبَينَما هُوَ يَتَكَلَّم إِذا غَمامٌ نَيِّرٌ قد ظلَّلهُم، وإِذا صَوتٌ مِنَ الغَمامِ يقول: ((هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضيت، فلَهُ اسمَعوا)).

تشير عبارة" غَمامٌ" الى علامة حضور الله وظهوره الالهي (2 ملوك 2: 7-8)، كما اختبره الشعب خلال مسيرة الخروج من مصر (خروج 19: 16)، وفي خيمة الموعد (خروج 4: 34-35) وفي الهيكل يوم تدشينه في زمن سليمان (1 ملوك 8: 10-12). أمَّا عبارة " صَوتٌ " فتشير الى صوت الآب. اما عبارة "هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ " فتشير الى أعظم إعلان يتقبّله الإنسان من الله في أعماق قلبه، وهو إدراك بنوّة المسيح الطبيعيّة لله كموضع سرور الآب خلال طاعة الابن الكاملة حبًا وتواضعًا. وهذا الإعلان كان قد نطق به الآب وقت معمودية يسوع. اما لوقا الإنجيلي فقد استخدم عبارة " هذا هوَ ابنِيَ الَّذي اختَرتُه" فكلمة "مختاري"، ومن خلالها يحيلنا لوقا اقوال أشعيا النبي حيث تعني ذلك الشخص الغامض "عبد الله" "هُوَذا عَبدِيَ الَّذي أَعضُدُه مُخْتارِيَ الَّذي رَضِيَت عنه نَفْسي (اشعيا 42: 1) وإمّا شعب الربّ لِأَجلِ عَبْدي يَعْقوب وإِسْرأئيلَ مُخْتاري دَعَوتُكَ بِآسمِكَ ولَقَّبتُكَ وأَنتَ لم تَعرِفنْي (اشعيا 45: 4). وفي لحظة الصلب، يستخدم لوقا نفس الكلمة من جديد "خَلَّصَ غَيرَه فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَه، إِن كانَ مَسيحَ اللهِ المُختار! " (لوقا 23: 35). يصبح يسوع "العبد" و "المختار" في فصحه، أي في خروجه (رحيله) نحو الآب؛ اما عبارة "فلَهُ اسمَعوا" فهي تكرار الى الاعلان للنبوة الإلهية التي رافقت لدى عماد يسوع (متى 3: 17). وتدل هذه الكلمات على أن يسوع هو الابن (مزمور 2: 7) والعبد المتألم (أشعيا 42: 1)، اما في التجلي فإنها تدل على انه النبي الذي يجب على الشعب كله ان يسمع له (اعمال الرسل 3: 22) الذي يستند الى تثنية الاشتراع (18: 15). في العماد، كان الصوت موجّهاً الى يسوع، أما في التجلي فإنه موجّهٌ الى التلاميذ ومن خلالهم الى الجموع.

6 فلَمَّا سَمِعَ التَّلاميذُ ذلك، سَقَطوا على وُجوهِهِم، وقدِ استَولى علَيهِم خَوفٌ شديد.

تشير عبارة "سَقَطوا على وُجوهِهِم" الى إحساس التلاميذ انهم أمام الحضرة الإلهية فسجدوا تماما كما فعل مَن سبقوهم من أنبياء العهد القديم لدى تجلي الله. اما عبارة "خَوفٌ " فتشير إلى علامة ترافق الظهور الإلهي.

7 فدنا يسوعُ ولمَسَهم وقالَ لَهم: ((قوموا، لا تَخافوا)).

8 فَرفَعوا أَنظارَهم، فلَم يَرَوا إِلاَّ يسوعَ وحدَه. 9وبَينما هم نازلونَ مِنَ الجَبَل، أَوصاهُم يسوعُ قال: ((لا تُخبِروا أَحداً بِهذِه الرُّؤيا إِلى أَن يَقومَ ابنُ الإِنسانِ مِن بَينِ الأَموات.((

تشير عبارة "لا تُخبِروا أَحداً بِهذِه الرُّؤيا" الى تحذير يسوع للتلاميذ عن اعلان رؤية التجلي تجنباً لحدوث اية ثورة شعبية كما حدث عند معجزة تكثير الخبز السمكتين "وعَلِمَ يسوعُ أَنَّهم يَهُمُّونَ بِاختِطافِه لِيُقيموهُ مَلِكاً، فانصَرَفَ وعادَ وَحدَه إلى الجَبَل. "(يوحنا 6: 14-15) ولكيلا يُفهم بشكل خاطئ كما تدل اسئلتهم (متى 17: 10-13). عرفوا المسيح ولكن لم يدركوا ما رأوه الا بعد قيامته. كما انه لم يكن ممكنا للتلاميذ ان يكونوا شهوداً أقوياء لله إلا بعد قيامته وحلول الروح القدس عليهم في العنصرة؛ أما عبارة "لا تُخبِروا أَحداً بِهذِه الرُّؤيا" فتشير الى ضرورة محافظة التلاميذ على سر التجلي. ويميز يسوع بين رسالته على الارض والزمن التابع للفصح حيث سيعلن الرسل سره. حافظ التلاميذ على السر حتى قيامة يسوع. الا ان قيامته من بين الأموات قد كشفت مجده. أمَّا عبارة " أَن يَقومَ ابنُ الإِنسانِ مِن بَينِ الأَموات" فتشير الى ضرورة موت ابن الانسان وقيامته. ولم تكن فكرة القيامة غريبة عن العقلية اليهودية، انما ما هو غريب ومُحيِّر بانها قريبة، في حين كان يتوقع اليهود حصولها في آخر الأزمنة.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 17: 1-9)

بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 17: 1-9)، نستنتج انه يتمحور حول أهمية التجلي لشخص المسيح وللكنيسة الاولى.

1) اهمية التجلي لشخص يسوع المسيح

أعلنت رواية التجلي حقيقة يسوع كإبن الله الذي طال انتظاره، فهو " شُعاعُ مَجْدِه وصُورةُ جَوهَرِه" (عبرانيين 1: 3). فلم يكن يسوع مجرد واحد من الأنبياء، بل ابن الله الوحيد الذي يفوق سلطانهم وقوتهم. وعليه فإن التجلي يكشف عن لاهوت يسوع المسيح حول مجده أكثر بكثير مما حدث في قانا الجليل بتحويل الماء خمرا، فالتجلي هي آية داخلية، اما تحويل الماء خمرا فهي آية خارجية؛ فالتجلي هو وحي لمجد ابن الله هذا كما فهموا التلاميذ "فسَقَطوا على وُجوهِهِم، وقدِ استَولى علَيهِم خَوفٌ شديد" (متى 17: 6).

ولكن هذا المجد المخفيٌ ينكشف في القيامة وفي عودة يسوع في آخر الأزمنة " فسَوفَ يَأتي ابنُ الإِنسانِ في مَجدِ أَبيهِ ومعَه مَلائكتُه، فيُجازي يَومَئِذٍ كُلَّ امرِئٍ على قَدْرِ أَعمالِه. الحَقَّ أَقولُ لكم: مِنَ الحاضِرينَ ههُنا مَن لا يَذوقونَ الموتَ حتَّى يُشاهِدوا ابنَ الإِنسانِ آتِياً في مَلَكوتِه (متى16: 27-28). لذا يُعد التجلي نوعا من الاستباق في حياة يسوع على الارض للمجد الذي سيتمتع به يسوع بعد موته لدى ظهوره عند مجيء ابن الانسان ويراه تلاميذه آتياً في ملكوته. فكان التجلي عربونا لمجد المسيح الإلهي الكامل الذي سيظهر عند مجيئه في نهاية العالم.

وليس المجد في نظر يسوع تهربا من الواقع بل هو إحالة الى الحياة اليومية. وهو نور في طريق الموت. فقد ربط متى الإنجيلي حدث الآلام والتجلي بظرف زمني دقيق "وبَعدَ سِتَّةِ أَيَّام" (متى 4: 1) مما يًظهر جواباً من الآب الى انباء يسوع بآلامه والسيره على درب البذل والعطاء والصاعد نحو الجلجلة والقبر الفارغ. فهو خبر مسبق عن القيامة. وأوضح لوقا الانجيلي ان الحوار الذي دار بين يسوع وموسى وايليا حول رحيل يسوع أي حول آلامه وموته وقيامته، فربط حدث التجلي مباشرة بفصح الرب أي عبوره بالصليب من حياة الذل والهوان الى حياة المجد. وفي الواقع يدعو يوحنا الانجيلي موت المسيح " انتِقالِ" وفصحا (يوحنا 13/1)، واما لوقا الإنجيلي يدعوه لوقا " ارتِفاع" وقيامة (لوقا 9: 51)؛ وفي هذا الصدد ترفع الكنيسة صلاتها في مقدمة تجلي الرب " كان التجلي ليُثبت بشهادة الشريعة والانبياء ان على يسوع المسيح ان يُعاني الآلام فيدخل في مجد القيامة".

 

ويؤكّد التقليد المسيحي العلاقة بين جبل سيناء وجبل التجلي؛ ففي سيناء لم يرَ موسى (تثنية الاشتراع 34: 1) وايليا (1 ملوك 19: 1-18) وجه الله، بل سمعا صوته، اما في التجلي شاهدا وجه الرب يسوع المُشع كالشمس (متى 17: 2). علاوة على ذلك، تُذكرنا الخيم بآيات الله في صحراء سيناء لدى خروج بني إسرائيل من مصر، والخوف علامة ترافق الظهور الإلهي الذي عبّر عنه الكتاب المقدس بالغمام. ويؤكد التقليد المسيحي العلاقة بين التجلي الإلهي لعقد العهد القديم وتجلي يسوع قبل صعوده الى اورشليم حيث يقيم العهد الجديد بدمه. ومن هنا نستنتج ان كل من موسى الذي يمثل الشريعة وإيليا الذي يمثل الأنبياء لكل العهد القديم الذي اعدّ لمجيء المسيح شهدا للمسيح.

2) اهمية التجلي للكنيسة الاولى:

ليس حدث التجلي امر بالغ الاهمية في حد ذاته لشخص المسيح فحسب، إنما أيضا للتلاميذ. لعبت حادثة التجلي دوراً هاماً في تدريبهم الروحي لتقبل معلمهم يسوع المسيح الذي ينبغي "أَن يَذهَبَ إِلى أُورَشَليم ويُعانِيَ آلاماً شَديدة مِنَ الشُّيوخِ وعُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَة ويُقتَلَ ويقومَ في اليومِ الثَّالث"(متى 16: 21). فدخول السيد المسيح يسوع في مجده (لوقا 24: 26) يقتضي منه اجتياز الصليب في اورشليم. لهذا "مَضى يسوعُ بِبُطرسَ ويَعقوبَ وأَخيه يوحَنَّا فانفَردَ بِهِم" (متى 17: 1)، 2وتَجلَّى بِمَرأًى مِنهُم (متى 17: 2) وموسى وإِيلِيَّا قد تَراءَيا لَهم (متى 17: 3) وغَمامٌ نَيِّرٌ قد ظلَّلهُم (متى 17: 5) وطلب صوت الله منهم ان يسمعوا الى ابنه الحبيب (متى 17: 5) ودنا يسوعُ ولمَسَهم لكيلا يخافوا (متى 17: 7) وهم الذين َروأ يسوعَ وحدَه (متى 17: 8).

وقد ترك التجلي أثرا بالغاً في الكنيسة الأولى كما يؤكد ذلك بطرس الرسول " قد أَطلَعْناكم على قُدرَةِ رَبِّنا يسوعَ المسيح وعلى مَجيئِه، لا اتِّباعًا مِنَّا لِخُرافاتٍ سوفِسْطائِيَّة، بل لأَنَّنا عايَنَّا جَلالَه. فقَد نالَ مِنَ اللهِ الآبِ إِكرامًا ومَجْدًا، إِذ جاءَه مِنَ المَجْدِ-جَلَّ جَلالُه-صَوتٌ يَقول: ((هذا هو ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضيت)) وذاكَ الصَّوتُ قد سَمِعناه آتِيًا مِنَ السَّماء، إِذ كُنَّا معَه على الجَبَلِ المُقدَّس" (2 بطرس 1: 16-18). فكان للتجلي أثر كبير في تثبيت إيمان الرسل وتتميم الشريعة والأنبياء والتشجيع على سماع كلمة الله وشعور مسبق لمجد الابرار.

أ‌) تثبيت إيمان الرسل

عرف التلاميذ ان يسوع يصعد الى اورشليم ليتألم " بَدأَ يسوعُ مِن ذلِكَ الحينِ يُظهِرُ لِتَلاميذِه أَنَّه يَجِبُ علَيهِ أَن يَذهَبَ إِلى أُورَشَليم ويُعانِيَ آلاماً شَديدة مِنَ الشُّيوخِ وعُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَة ويُقتَلَ ويقومَ في اليومِ الثَّالث" (متى 16: 21)، فأراد يسوع تهيئة الطريق نحو الجسمانية والجلجلة والالام والموت فاظهر سر شخصه امام تلاميذه المختارين في تجلي الوهيته من خلال ثيابه المتلألئة ووجهه المُشع نوراً سماويا. إذ انفرد يسوع بتلاميذه لكي يُريهم أن طريق الآلام هي طريق المجد. وعلق القديس افرام السرياني "صعد بهم إلى جبل عال لكي يُظهر لهم أمجاد الوهيته. فلا يتعثّروا فيه عندما يرونه في الآلام التي قبلها بإرادته، والتي احتملها بالجسد من أجلنا."

ويقول الباحث الدكتور كامبل مورجان " ان ما رآه التلاميذ لم يكن بهاء اللاهوت بل كان مجد الناسوت الكامل الذي هو بلا خطيئة؟ وان الرب في تلك اللحظة كان مستعداً للرجوع الى السماء بدون الموت-لان الموت نتيجة للخطيئة وكان هو بلا خطيئة-ولكنه للمرة الثانية ولىَّ ظهره للسماء لكي يشترك كإنسان فأكمل في سر الموت البشري". فالتجلي يُبّين للرسل ان سر المسيح لا يكمن في المجد فحسب، إنما أيضا في الآلام والموت. يدخل يسوع إلى المجد مارا عبر الموت ويجرّ الانسانية كلها خلفه. لذا فالتجلي يسند الإنسان في حمله الصليب والشهادة للسيّد المسيح.

 وأظهر يسوع مجده الذي هو اول صورة عن مجد القيامة. فشعر بطرس في اعماقه أنه أمام حدث عظيم "فقال يا ربّ، حَسَنٌ أَن نكونَ ههُنا. فإِن شِئتَ، نَصَبْتُ ههُنا ثَلاثَ خِيَم: واحِدَةً لكَ وواحِدَةً لِموسى وواحِدَةً لإِيليَّا ". يبدوا له وكأن ملكوت الله قد حلّ بشكل نهائي على الأرض. كان بطرس قد عاتب يسوع عندما "بَدأَ يُعَلِّمُهم أَنَّ ابنَ الإِنسانِ يَجِبُ علَيه أَن يُعانيَ آلاماً شديدة، وأَن يرْذُلَه الشُّيوخُ وعُظماءُ الكَهَنَةِ والكَتَبَة، وأَن يُقتَل، وأَن يقومَ بَعدَ ثَلاثةِ أَيَّام " (مرقس 8: 31). لكن التلاميذ لم يصدقوا ما يسمعوا من يسوع عن مأساة الصليب وموت معلمهم. فزجر يسوع بطرس وقالَ له :( (انسحب! وَرائي! يا شَيطان، فأَنتَ لي حَجَرُ عَثْرَة، لأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر " (متى 16: 23) وبيّن أن حبة الحنطة التي يُخيّل للناس انها ماتت في بطن الأرض، انما تحمل في ذاتها سر حياتها" الحَقَّ َ أَقولُ لَكم: إنَّ حَبَّةَ الحِنطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأَرض إِن لَم تَمُتْ تَبقَ وَحدَها. وإذا ماتَت، أَخرَجَت ثَمَراً كثيراً" (يوحنا 12: 24)

فالتجلي يهيئ التلاميذ لاتباع يسوع على درب الجلجلة ورؤية القبر الفارغ. وعلق افرام السرياني "صعد بهم إلى جبل لكي يُظهر لهم ملكوته قبلما يشهدوا آلامه وموته، فيرون مجده قبل عاره". وقد ثبَّت حدث التجلي إيمان التلاميذ حيث ان لولاه لتزعزع بعد اعلانات يسوع (لوقا 8: 31-34). ثبت الله ايمانهم بيسوع الها ومسيحا ومعلما بقوله لهم "هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضيت، فلَهُ اسمَعوا)). قوى ايمانهم به الهاً بقوله " هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ"، ومعلما بقوله " فلَهُ اسمَعوا". وفي الواقع بعد انتهاء الرؤية بقي الايمان " فَرفَعوا أَنظارَهم، فلَم يَرَوا إِلاَّ يسوعَ وحدَه" (متى 17: 8).

ب‌) تتميم للشريعة والانبياء

ان فكرة المسيح المتألم لم تكن مناقضة لإعلان العهد القديم، بل كانت مطابقة تماما لشهادة الشريعة والانبياء الذين كان موسى وإيليا يمثلانهم، فالناموس والانبياء قد تنبأوا بآلام السيد المسيح كما ورد في انجيل لوقا "فبَدأَ يسوع مِن مُوسى وجَميعِ الأَنبِياء يُفَسِّرُ لَهما جميعِ الكُتُبِ ما يَختَصُّ بِه" (لوقا 24: 27) وآلام يسوع كانت بمشيئة الآب "هوَذا عَبدِيَ الَّذي أَعضُدُه مُخْتارِيَ الَّذي رَضِيَت عنه نَفْسي" (اشعيا 42: 1). وما حصل على جبل طابور هو امتداد لِما حصل على جبل سيناء، ولكنه جديد لان الله صار منظوراً في شخص يسوع.

ان ظهور موسى وإيليا مع يسوع هو تأييد لرسالته بصفته المسيح الذي يتمم شريعة الله واقوال الأنبياء ووعودهم النبوية. موسى يمثل الشريعة وتنبأ عن مجي نبي عظيم (تثنية الاشتراع 18: 15-19) وإيليا النبي يمثل الأنبياء الذين تنبأوا عن مجيء المسيح (ملاخي 4: 5-6). إن موسى وإيليّا جاءا نيابة عن رجال العهد القديم يشاركان رجال العهد الجديد بهجتهم بالتمتّع بالمسيح المخلّص الذي طال انتظار البشريّة له ويعلق القديس مار أفرام السرياني " لقد امتلأ الأنبياء بهجة وأيضًا التلاميذ بصعودهم على الجبل. لقد فرح الأنبياء لأنهم شاهدوا تأنّسه. وابتهج التلاميذ لأنهم رأوا مجد الوهيته الذي لم يكونوا بعد قد عرفوه."

وكما أعطى صوت الله من الغمام على جبل سيناء السلطان لشريعته (خروج 19: 9) كذلك صوت الله على جبل التجلي اضفى سلطانا على اقوال الرب يسوع. ودل الصوت السماوي على انه الكلمة بين موسى وايليا الذي يجب ان يسمعه الشعب. فقد جاء يسوع ليكمّل عمل الشريعة (موسى) والنبوءات (إيليا) فينشئ عهد جديد، عهد الملكوت. فقد اكّد ظهور موسى أعظم المُشرّعين وإيليا أعظم الأنبياء، وسماع صوت الربّ في أثناء التجلي بان يسوع المسيح يحقق التاريخ ويكتمل التاريخ فيه.

 ج) تشجيع على سماع كلمة الله

أعطى الصوت الآتي من الغمام المعنى الأساسي للتجلي " إِذا غَمامٌ نَيِّرٌ قد ظلَّلهُم، وإِذا صَوتٌ مِنَ الغَمامِ يقول: ((هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضيت، فلَهُ اسمَعوا" (متى 17: 5). المطلوب هو السماع ليسوع كابن الله الذي لكلماته قوة الله وسلطانه. فعلى التلاميذ ان يسمعوا له كما كان يسوع لصوت ابيه السماوي فهم يسمعون لأفكارهم ورغباتهم الخاصة، وماذا يريدون ان يفعلوا لأنفسهم، وماذا يريد الرب ان يفعل لهم؛ اما يسوع فيسمع ماذا يريد ابوه السماوي أن يفعل. فالتلاميذ كانوا يستمعون إلى المسيح الربّ، ولكنّهم ليسوا بحسب أفكار السيّد المسيح. يعيشون معه، ولكنّهم يُفسّرونه ويفهمونه ويرونه بأفكارهم البشريّة البعيدة بما فيه الكفاية عن أفكار الربّ. يذهبون مع السيّد المسيح، ولكنّهم ليسوا في السيّد المسيح. يسمعونه، ولا يُفكّرون مثله. فجاء تشجيع صوت الاب لهم ان يسمعوا له " هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضيت، فلَهُ اسمَعوا" (متى 17: 5). أنه يعيش كلمة الله ويتمّم كلّ نبوءة وكلّ وحي الله، انه مكمل العهد ومحور تاريخ الخلاص، وانه "الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة. لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلاَّ به" (يوحنا 14: 6) .

إننا لا نقدر أن ننطلق إلى الملكوت لنرى المجد الإلهي إلا خلال كلمة الله المكتوبة وكلمة الله المتجسّد. وقد شجَّع الصوت الإلهي الرسل كي يسمعوا ليسوع المسيح من خلال الشريعة والانبياء وأن يقرأوا الشريعة والأنبياء في ضوء هذا الابن الحبيب الذي هو قاعدة الناموس الجديد ومركز تاريخ الخلاص والكتاب المقدس. فحادثة جبل التجلّي بعثت الرجاء في قلوب التلاميذ، حتّى ولو لم يفهموا ماذا حدث، جعلتهم شهوداً للمسيح، والشاهد هو الّذي يرى ثمّ يُعلن. وهنا على جبل التجلّي شاهدو مجده فشهدوا. لقد كان كلّ من بطرس ويعقوب ويوحنّا شهوداً مُميّزين لمجد المسيح. نحن، كذلك، كتلاميذ المسيح، مدعوّون بأن نكون شهوداً لمجده.

وكما حدث في جبل سيناء عندما اعطى الله الشريعة للشعب بواسطة موسى، كذلك في جبل التجلي طلب الله من التلاميذ الذين يمثلون شعب الله الجديد ان يسمعوا كلام يسوع، الابن الحبيب في الأزمنة الأخيرة. ويذكرنا الصوت الاتي من الغمام بذاك الصوت السماوي لمّا اعتمد يسوع في نهر الأردن " (مرقس 1: 11). فقد حضَّ الله على اهمية الاستماع لابنه يسوع عندما يتكلم عن آلامه المقبلة "يقيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِثْلي مِن وَسْطِكَ، مِن إِخوَتكَ، فلَه تَسْمَعون" (تثنية الاشتراع 18: 15). وهو ما لم يكن بطرس مستعداً ان يعمله " فَانفَرَدَ بِه بُطرُس وجَعلَ يُعاتِبُه فيَقول: ((حاشَ لَكَ يا رَبّ! لن يُصيبَكَ هذا!" (متى 16: 22). هل سنغرق في الشكّ مثل بطرس في كلام يسوع بينما يعلن لك الآب في الإنجيل بصورة لا تدعو للشكّ أنّ: "هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضيت، فلَهُ اسمَعوا"؟

د) شعور مُسبق لمجد الابرار:
يسوع الذي تجلَّى على الجبل وشعّ منه النور ليس المسيح الاله فحسب، بل المسيح الانسان أيضا. فالمسيح صورة الله وصورة الانسان. لذا يقول بولس الرسول "ونَحنُ جَميعًا نَعكِسُ صورةَ مَجْدِ الرَّبِّ بِوُجوهٍ مَكشوفةٍ كما في مِرآة، فنَتَحوَّلُ إِلى تِلكَ الصُّورة، ونَزدادُ مَجْدًا على مَجْد، وهذا مِن فَضْلِ الرَّبِّ الَّذي هو روح."(2 قورنتس 3: 18). فالتجلي هو دخول بالنفس إلى تذوّق الحياة الأبدية، لترى يسوع قادمًا في ملكوته، معلنًا أمجاده الإلهيّة وهي بعد في الجسد. فيُعد التجلي نوعا من الشعور المسبق للمجد في حياة يسوع على الأرض، هذا المجد الذي انبا بان الابرار سيتمتعون به في آخر الازمنة في ملكوت الآب (متى 13: 43)، لان يسوع يمتلك هذه المجد منذ الآن" فَعايَنوا مَجدَه"(لوقا 9: 32). فالتجلي يضيء النور على مصير الانسان البار.

وأكد حدث التجلي الشعور المسبق للأبرار ومصيرهم وذلك نتيجة ارتباطه بعيد المظال. فعيد المظال هو ثالث الأعياد السنوية الكبرى التي كان يجب فيها على كل ذكر في إسرائيل أن يتراءى أمام الرب في الموضع الذي يختاره (تثنية الاشتراع 16:16)، ويُعرَف بالعبرانية "سُّكُّوت"، הַסֻּכּוֹת واشتق الاسم من عادتهم في أن يسكنوا مظالًا أثناء مدة العبادة “تُقيمونَ في الأَكْواخِ سَبعَةَ أَيَّام. " (الاحبار 23: 40). فقد اختلط بذكرى تاريخية وهي إقامة العبرانيين في المظال في البرية (عد12:29-38).

وقد تحقق هذا العيد في صورة أكمل وأعمق في العهد الجديد، حين تجلي السيد المسيح على جبل طابور أمام ثلاثة من تلاميذه، وإذ رأى بطرس الرسول الحصاد الحقيقي قد تمّ إذ ظهر السيد المسيح في بهائه وحوله موسى وإيليا، واشتهى أن يقيم عيد مظال لا ينقطع، سائلًا السيد المسيح أن يصنع ثلاث مظال، واحدة للمسيح وأخرى لموسى النبي وثالثة لإيليا، ليبقى التلاميذ في هذا العيد أبديًا (متى 17: 6). لكن السيد المسيح أرسل مظلة سماوية وهي عبارة عن "سحابة منيرة ظللتهم" لكي يسحب قلب التلاميذ إلى الأزمنة الأخيرة حين يأتي السيد على السحاب لا ليقيم لهم مظال أرضية، بل ليدخل بهم إلى حضن أبيه. وقد دعا ربُّ المجد الحياة الأبدية "المظال الأبدية" (يوحنا 16: 9).

والمجد يُمنح للأبرار في العالم الآتي كما صرّح بولس الرسول "وَعَظْناكم وشَدَّدْناكم وناشَدْناكم أَن تَسيروا سيرةً جَديرةَ بِاللهِ الَّذي يَدْعوكم إِلى مَلَكوتِه ومَجْدِه " (1 تسالونيقي 2: 12)، ان الابرار يحملون فيهم بذور المجد الآتي حيث يمكنهم الحصول على جسدٍ ممجَّدٍ
كما صرّح بولس الرسول " الَّذي سيُغَيِّرُ هَيئَةَ جَسَدِنا الحَقير فيَجعَلُه على صُورةِ جَسَدِه المَجيد بما لَه مِن قُدرَةٍ يُخضِعُ بِها لِنَفْسِه كُلَّ شيَء" (فيلبي 21:3). ألم يكن التجلي صورة من هذا الملكوت السري حيث يتجلى مجد الربّ في البشرية؟ فكيف لنا أن نحلم بفرح الفصح دون أن نعبر درب الصليب وطريق الالام؟

الخلاصة

ارتبط التجلّي بأحداث الصلب والقيامة، لكن لم يكن ممكنا للتلاميذ أن يتقبّلوا آلام السيد المسيح ويُدركوا سرّ قيامته ما لم يقم المسيح بتهيئتهم خلال ثلاثة منهم بالتجلّي. فكما كانت المعمودية على عتبة حياة يسوع العلنية كذلك التجلي على عتبة الفصح. بمعمودية يسوع " ظهر سر تجدُّدنا الاول" أي معموديتنا؛ والتجلي هو "سر التجدد الثاني أي قيامتنا الخاصة كما يقول توما الاكويني. فمنذ الان نشترك في قيامة الرب بالروح القدس الذي يفعل في اسرار جسد المسيح. التجلي يجعلنا نستمتع مسبقا بمجيء المسيح المجيد الذي " سيُغَيِّرُ هَيئَةَ جَسَدِنا الحَقير فيَجعَلُه على صُورةِ جَسَدِه المَجيد" (في 3: 21)؛ ولكنه يذكرنا ايضا انه "يَجِبُ علَينا أَن نَجتازَ مَضايِقَ كَثيرة لِنَدخُلَ مَلَكَوتَ الله مضايق كثيرة " (أعمال الرسل 14: 22). فلا يمكن للمؤمن أن يرتفع على جبل التجلّي ليرى بهاء السيّد ما لم يقبل صليبه ويدخل معه آلامه ليختبر قوّة قيامته فيه، فيُعلن الرب أمجاده له.

دعاء

أيها الآب السماوي، من تجلي ابنك يسوع المسيح على الجبل، واستطاع تلاميذه ان يشاهدوا مجده، لكي يفهموا، إذا ما رأوه مصلوبا، يكرزوا للعالم انه حقا ابنك الحبيب مخلص العالم، دعنا نصعد على الجبل فنسمع لكلمته فيثبت ايماننا فيه ربا والها ومخلصا ونرى مجده مجد الذي "سيُغَيِّرُ هَيئَةَ جَسَدِنا الحَقير فيَجعَلُه على صُورةِ جَسَدِه المَجيد"(فيلبي (3: 21)