Birzeit Town
Roman Catholic Parish
Virgin of Guadalupe
Spiritual and various topics
Links
 

Family House.  |   2017-03-15

 


 

عُقدت في الفترة الأخيرة مؤتمرات قمّة دينيّة بين حاضرة الفاتيكان ومؤسسة الأزهر، في القاهرة. ومن الغريب أنّ بعض الأوساط تساءل، منذ زار فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطّيّب قداسة الحبر الأعظم البابا فرنسيس الأوّل، إن كانت الزيارة التاريخية – بعد سنين من الجفاء- "حوارًا دينيًّا أم مصالح سياسيّة". وإذا فرض المرء جدلاً أنّ الإمام الطّيّب رام تحسينًا لوضع مصر والمصريين "لدى إيطاليا"، فقد فات أصحاب هذه النّظريّة أنّ لا علاقة للكرسي الرسولي بالحكومة الإيطالية ولا بالجمهورية الإيطالية "العلمانية" والمعادية غالبًا للكنيسة والمخالفة صراحة لهدى الإنجيل الطاهر ونوره في شؤون كثيررة وخطيرة ومصيريّة. وبالفعل نشأت الجمهورية الإيطالية نكاية بالكرسي الرسولي الفاتيكاني وبالبابوات الأفاضل خلقاء القديس بطرس الذي استشهد في روما. ولن يبقى الكثير من الحضارة والتراث في إيطاليا لو أزلنا منها الفاتيكان والكنائس والآثار الدينية والأدبية والعلمية والموسيقية الكنسية. نعم،  قبل نحو قرن ونصف من الزمان أسس الجمهورية "العلمانية" بلا ديمقراطية ولا استفتاء رجال تميّزوا بالإلحاد والكراهية للكنيسة – على أفضالها على الحضارة الغربية قاطبة وعلى إيطاليا بشكل خصوصي. وقد انتمى معظمهم، ومنهم "كفور" و"غاريبالدي"، إلى مؤسسات ذات أسرار كان هدفها وما زال تقويض أسس الاسرة والزواج والمجتمع والإيمان. وحسب القارىء أن يرى قوانين الدولة الإيطالية التي تسمح بما تحرّمه شريعة الله وتعلنه الكنيسة الكاثوليكية بلا تردد ولا تخفيف ناهية مُدينة مستنكرة للمنكرات فاضحة للموبقات ومنها الإجهاض والموت الرحيم وما يسمّى بزواج الذين يُدعون "مثليين" وتبنّيهم لأطفال ، وهذه هي الطامة الكبرى، والتلاعب بالجينات ومحاولة تشويه  الطبيعة التي خلق الله فيها الإنسان ذكرًا وأنثى وتفضيل الحيوانات الأليفة على أطفال الناس!   المؤتمر التاريخي الأول بين أعلام من الفاتيكان وسائر العالم وعلماء الأزهر في القاهرة

لا داعي هنا لتكرار ما أوردته وكالات الأنباء والمواقع الإلكترونية عن هذا الحدث العظيم. ويلحظ المفكّرون أن الاجتماعات والوثائق التي نُشرت تنمّ عن قفزة نوعية لا مثيل لها، وإن كان المؤمن العادي يريد أن يرى على أرض الواقع النظريات الجميلة والأفكار البنّاءة التي وردت في البيانات الختامية.

"مؤتمر الحريّة والمواطنة" لدى الشّعب المصري الواحد!

وأرادت الرئاسة الدينية في كل من الأزهر وبطريركية الأقباط الارثوذكس أن تصبّ على الجراح بلسمًا بعد الأحداث المؤسفة في الكنيسة البطرسية وفي سيناء أو العريش. وتبادل فضيلة الإمام الأكبر الطّيّب وقداسة الأنبا تواضروس الثاني كلمات المودة، ولا عجب ، فالمسيحيون "أقرب الناس مودّة" للذين آمنوا، وإنّ "فيهم قسيسين ورهبانًا وهم لا يستكبرون" (المائدة 83). ووصية السيد المسيح واضحة بمحبة القريب حب الإنسان لنفسه. وكفانا أنّ مفاهيم التنوّع والتّعدّد والتكامل كانت شعارًا ثلاثيًّا يحقّ لنا أن نأخذه عن المصريين إخوتنا، لنعمل به في كل ديار العرب أوطاننا من المحيط إلى الخليج.

رسالة الإكليروس المسيحيّ : روحانية دينيّة إنسانية وطنية قومية لا حزبيّة ولا تحريضيّة

في حين أن الحركات الحديثة المحدثة التي ابتلي بها حتى شرقنا تسلخ أتباعها عن أوطانهم وتغريهم بالهجرة مفرغة بلادنا من أهلها لتزرع فيها المستوطن والمحتل والمستعمر، انطلاقًا من امبريالية من "العالم الجديد" ومفهوم عبري قديم جديد لمسيح سياسي عسكري توسعي عبري يسحق الأمم، تعترف الكنيسة، انطلاقًا من مواقف السيد المسيح والرسل وما أنزل الله في العهد الجديد، تعترف بالوطن "مساحة إيمان وموضع خلاص". وكان السيد المسيح قد ندب بحسرة أن "لا كرامة لنبي في وطنه". وبكى المدينة المقدسة التي "قتلت الأنبياء ورجمت المرسلين". وفي "ترجمة" اي نقل غير مسيحي تتبرأ منه المسيحية للكتاب المقدس، صدر في الولايات المتحدة منذ الخمسينات من القرن الماضي ويُدعى "العالم الجديد" يتم التنكّر للعَلَم (بفتح  العين واللام) واستبداله ب "اتحاد ثلاث قبائل" وحذف كلمة الوطن (في اليونانية "باتريس، باتريذوس") واستبدالها بكلمة "موضع، مكان".

 تعليمات الكنيسة الكاثوليكية بعدم تجاوز الإكليروس لصلاحياته الروحانية ومنع حضّه على العنف والحزبيّة

أصرّ قداسة البابا القديس يوحنا بولس الثاني – وقد كان مناضلاً روحانيا ووطنيا سلميًّا واجتماعيا في بولندا – على أن يرفع الاساقفة والكهنة أيديهم عن العنف والسياسة والنضال المسلّح ونهى عن حملهم للسلاح، إلاّ للدفاع المشروع عن النفس (عن لوقا 22: 36). وتألقت هذه الإرادة الحبرية التي وافقتها حشود الأساقفة اللاتينيين في مؤتمر "بويبلا" في المكسيك منذ أول عهد البابا البولندي العبقري الجريء الذي كان له كبير الفضل، بنعمة الله، في تبيان مواطن ضعف نظام مادي ملحد. وما كان عند قداسته أي اعتراض على اشتراكية قوامها الإيمان والمحبة الأخوية ومشاطرة الخيرات، كما كان يفعل المسيحيون الأولون في زهرة المدائن بإمرة الرسل والتلاميذ الأولين (أعمال الرسل 2 و 4).

وفي أمريكا اللاتينية، مع الأسف، تم اغتيال الكاهن كاميلو توريس. وبعد فترة خرج عن الصف الروحاني الفرنسيسكاني - أي خط التجرد والفقر الطوعي والطاعة والعفة التامة- البرازيلي ليوناردو بوف مناديًا ب"لاهوت تحرير" بعيد أحيانًا عن الإنجيل وهو إلى أيديولوجيات مادية دنيوية أقرب.

ويعرف تاريخ فلسطين رجال دين مسيحيين تعدّوا أحيانًا الخط الأحمر المسموح به أخلاقيا وإنسانيا ووطنيا وقوميَّا وهو المنادي بالعدالة للشعوب المظلومة المسحوقة، واجتازوا إلى خطّ تحريضيّ أو عنيف يدعو إلى إسقاط نظام معيّن أو الانضواء في صفوف جيش محتلّ. وكان قداسة الأنبا شنوده الثالث في حينه قد حذّر من مغبّة إسقاط نظام دولة قائمة منبّهًا عن أخطار الفراغ السياسي والإداري والفلتان الأمنيّ وانطلاق الأسلحة بلا رقابة ولا عقلانية.

في الماضي كانت الكنيسة الكاثوليكية صارمة تحرم الكهنة المشار إليهم أو تعلّق خدماتهم وصلاحياتهم. ولكن اليوم تسود نظرية "حريّة الرأي" واللطف واللين. ولكنّ هنالك قومًا لا يطيعون رؤساءهم الاساقفة ويستغلّون هذه الطّيبة ويتجاوزون حدودهم وصلاحياتهم وينسون أحيانًا دورهم الروحاني الأبوي في المحبة لجميع الناس ورسالة المحبة والمصالحة واللطف لا العنف ولا الكراهية ولا الحرب الأهلية التي هي النتيجة الحتمية لسقوط دولة أو سلطة، كما نرى بعيوننا الباكية دماء. في هذه التجاوزات، أضعف الإيمان أن تعلن الكنيسة، وخصوصًا من هذا المنبر الأغرّ، أنّ الكاهن الفلاني يعبّر عن رأيه الشخصي لا عن مواقفها الواضحة التي تتلخص باحترام كل دولة وكل سلطة قائمة (عن رومية 13: 1) لأنها، على علاتها، أفضل من حالة الفوضى والحروب الأهلية، ولأنها حصلت أخيرًا على اعتراف من المجتمع الدولي الذي تنكّر لها منذ ستة عقود تقريبًا (الكلام هنا عن تمثيل الشعب الفلسطيني أمام المحافل الدولية وفي الكيانات السياسية).

 قال السيد المسيح لبيلاطوس: "ليست مملكتي من هذا العالم" (يوحنا 18 : 36)

بصفته صاحب رسالة سماوية سامية، ما تنكّر يسوع للوطن ولا للمقدسات ولكنه كمسيح روحاني أنف أن يناضل لمقاومة الاحتلال الروماني تاركًا الأمر للعلمانيين وكان من تلاميذه عدد من "الغيارى" أي "الوطنيين" الذين حافظوا على حبهم للوطن وآثروا لخدمته راية السلام والوئام. وبالفعل، في بضع سنوات، أتت إلى نور المسيح وهدى الإنجيل مناطق كثيرة من فلسطين (أعمال 9 : 30 وتابع) وامتدت البشرى إلى روما وإلى "بيت قيصر". وكان هذا النصر الروحاني الأخلاقي أعظم بكثير من السيطرة العسكرية الرومانية على معظم شعوب الأرض المعروفة آنذاك.

ولا يجوز للكاهن المسيحي أن "يُحسَب" على حزب معيّن لأنه المفروض أن يكون للكل ابًا روحانيَا وأخًا محبَا " لا يميّز بين إنسان وإنسان" على مثال السيد المسيح الذي – كما يكتب سِفر الرؤيا- "فدانا من كل أمّة وقبيلة وشعب ولسان"!