Birzeit Town
Roman Catholic Parish
Virgin of Guadalupe
Spiritual and various topics
Links
 
Loaf Of Live & Efucharist
خبز الحياة والافخارستيا الأب د. لويس حزبون يقدم لنا انجيل يوحنا شخص السيد المسيح كونه "خبز الحياة"، الخبز السماوي الذي يقوت النفس ويشبعها لتبقى حيَّة ونامية (يوحنا 6: 41- 52). إنه الكلمة المتجسد الذي بكلمته يُقيمنا للحياة الجديدة، وبجسده الذي هو الخبز السماوي ينعشنا لنثبت فيه. انه واهب الحياة الأبدية من خلال الافخارستيا، ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته. أولاً: تحليل وقائع نص انجيل يوحنا (يوحنا 6: 41-52) 41 تَذَمَّرَ اليَهودُ علَيه لأَنَّه قال: أَنا الخُبزُ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء" تشير عبارة "اليَهودُ" في انجيل يوحنا الى رؤساء اليهود المعادين ليسوع وليس الى اليهود عامة، حيث ان يوحنا ذاته يهودي. أمَّا عبارة "تَذَمَّرَ" فتشير الى تعبير عن سخط اليهود وعدم رضاهم دلالة على قلة ايمانهم بيسوع؛ فتذمروا كما تذمر آباؤهم في البرية على موسى وبالتالي على الله في صحراء سيناء اثناء خروجهم من مصر (الخروج 16: 2-18). حيث ان التذمر هو من طبيعة بنى إسرائيل منذ ان خرجوا من أرض مصر. تذمر رؤساء اليهود على يسوع لأنهم لم يقبلوا ما نادى به عن الوهيته. فلم يروا فيه سوى النجار القادم من الناصرة. رأوه بعيونهم البشرية ولم يروه بعيون الايمان كما صرّح يسوع "فمَشيئةُ أَبي هيَ أَنَّ كُلَّ مَن رأَى الِابنَ وآمَنَ بِه" (يوحنا 6: 40)، ورفضوا الايمان بانه ابن الله ولم يتقبلوا رسالته. وبهدف حماية أنفسهم من مسؤولية هذه الرسالة أنكرون صاحبها. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "السبب الظاهر لتذمرهم هو أنّ ربّنا كشف لهم أنّه نزل من السماء، إنّما السبب الحقيقي هو أنّهم فقدوا الأمل بالغذاء المادي الذي كانوا ينتظرونه". أمَّا عبارة "أَنا الخُبزُ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء " فتشير الى اعتراض اليهود على قول يسوع بأنه الخُبزُ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء، وذلك بسبب منشئه الوضيع وولادته البشرية. ويعلق القديس كيرلس الكبير "كان بالأولى بهم أن يدركوا إن المسيح المتوقع مجيئه إلينا يأتي في هيئة بشرية كما سبق التنبؤ عنه: أن العذراء القديسة "تَحمِلُ فتَلِدُ آبناً وتَدْعو آسمَه عِمَّانوئيل" (اشعيا 7: 14). 42 وقالوا: أَليسَ هذا يسوعَ ابنَ يُوسُف، ونَحنُ نَعرِفُ أَباهُ وأُمَّه؟ فكَيفَ يَقولُ الآن: إِنِّي نَزَلتُ مِنَ السَّماء؟ تشير عبارة "أَليسَ هذا يسوعَ ابنَ يُوسُف" الى سؤال تهكمي، لأنه من الصعب على اليهود التوفيق بين وضع يسوع البشري (ابن يوسف) واصله الالهي (نزل من السماء). وهذا دليل على ان اليهود ما كانوا يعرفون بعد ولادته العجيبة. ويؤكد ذلك القديس يوحنا فم الذهب "من الواضح أنّهم لم يكونوا قد تعرّفوا بعد إلى نَسَب المخلّص الرائع، بما أنّهم نادوه ابن يوسف". أمَّا عبارة "ونَحنُ نَعرِفُ أَباهُ وأُمَّه؟" فتشير الى انتقاد اليهود ليسوع متطلعين إليه باستخفاف كابن لمريم ويوسف المعروفين لديهم تمامًا بالرغم من النبوءات التي تؤكد أن المسيح يأتي من نسل داود، وأنه مولود من عذراء. لمعرفة المسيح لا بد من الايمان. الإيمان ليس شيئًا يتمُّ بالجسد كما يؤكد ذلك بولس الرسول: "الإِيمانُ بِالقَلبِ يُؤَدِّي إِلى البِرّ"، ماذا يلي ذلك "الشَّهادةُ بِالفمِ تُؤَدِّي إِلى الخَلاص" (رومة 10: 10). الآب يجذب من لا يقسُّون قلوبهم. فالذين يخضعون لمشيئة الله عندهم حس الله، وبالتالي فهم وحدهم قادرون على معرفة ما لتعليم يسوع من ميزة الهية. 43 أَجابَهم يسوع: لا تَتَذمَّروا فيما بَينَكم. تشير عبارة "لا تَتَذمَّروا" الى توبيخ يسوع اليهود وطلب منهم بعدم التشكي واللوم لأنه في حديثه يؤكد لهم أنه أعظم من موسى بلا حدود، وأنه وحده قادر أن يهب الحياة الأبدية وأن أصله سماوي. لقد سمعوا عن ملائكة نزلوا من السماء، لكنهم لم يسمعوا قط عن إنسانٍ أصله سماوي أزلي، ولكنهم لا يصغون بل يقاومون كلمة الله في قلوبهم. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على جواب يسوع “لا تَتَذمَّروا فيما بَينَكم"، ما يعني: أعرف لماذا ليس لديكم هذا الجوع الروحيّ، ولماذا لا تفهمون ولا تبحثون عن هذا الخبز: "ما مِن أحَدٍ يَستَطيعُ أَن يُقبِلَ إليَّ، إلاّ إذا اجتَذَبَه الآبُ الَّذي أرسَلَني". 44 ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يُقبِلَ إِليَّ، إِّلا إِذا اجتَذَبَه الآبُ الَّذي أرسَلَني. وأَنا أُقيمُهُ في اليَومِ الأَخير تشير عبارة " ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يُقبِلَ إِليَّ " الى أولئك الذين ينيرهم الاب ويأتون إليه. ومثل هذه الانارة تأتي عن طريق عمل الله نفسه وليس عن طريق الناس كما ما ورد في انجيل متى " زَمَّرْنا لَكم فلَم تَرقُصوا نَدَبْنا لَكم فلَم تَضرِبوا صُدورَكم" (متى 11: 17). أمَّا عبارة "اجتَذَبَه الآبُ الَّذي أرسَلَني" فتشير إلى عمل الآب الذي يوجّه خاصته نحو ابنه يسوع المسيح "وأَمَّا الَّذي يَعمَلُ لِلحَقّ فيُقبِلُ إِلى النُّور لِتُظهَرَ أَعمالُه وقَد صُنِعَت في الله" (يوحنا 3: 21). وكيف يجتذبه الآب؟ يجيب القديس أوغسطينوس أن الإنسان يُجتذب بما يُبتهج به. إن قدَّمت عشبًا يجتذب القطيع إليه، وإن قدَّمت فاكهة تجتذب الطفل. هكذا يجتذب الآب الإنسان بأن يقدم له المخلص بكونه شهوته، فيجتذبه به، إذ يجد في دم المسيح جاذبية له". لكنه لن يجتذب أحدًا بغير إرادته. عندما يختار انسان ان يؤمن بيسوع المسيح مخلصا له، فإنه يفعل ذلك استجابة لحث روح الله القدس. ان الله هو العامل فينا، وبعد ذلك نقرر نحن إن كنا نؤمن او لا نؤمن. وهكذا لا يمكن لاحد ان يؤمن بدون معونة الله؟ ومن هنا يؤكد يسوع في اجابته لليهود ضرورة النعمة: نحن بحاجة ماسة الى الهام الله الداخلي، كي نفهم أموره تعالى، ونتجه بدورنا الى يسوع، ونحظى بنعمة الإيمان. ألاب هو الذي يجذبنا الى يسوع شرط ان لا نقسي قلوبنا كما فعل شعب العهد القديم في البرية. فالانجذاب نحو يسوع هي خبرة الإيمان، وليست مسألة مجهود بشريّ، إنّها العمل الّذي يُتمّمه الربّ في البشر بشكل خفيّ. والروح القدس هو الذي يجذب قلوب الناس الى المسيح بإنارة العقول وإعداد الإرادة كما جاء في تعليم بولس الرسول "الإِنسانُ البَشَرِيُّ لا يَقبَلُ ما هو مِن رُوحِ الله فإِنَّه حَماقةٌ عِندَه، ولا يَستَطيعُ أَن يَعرِفَه لأَنَّه لا حُكْمَ في ذلِكَ إلاَّ بِالرُّوح (1 قورنتس 2: 14). فالآب يجتذب النفوس بالروح القدس ويعطيها (يوحنا 6: 38) ويُعلمها (يوحنا 6: 45)، والابن يقبلها ويمنحها الحياة (يوحنا 6: 33). وتعلق القديسة تريزا للطفل يسوع "هذه هي صلاتي، أطلب إلى الرّب يسوع أن يجتذبني في لهيب حبّه، وأن أتّحد معه بشكل وثيق، فَيَحيا فِيَّ ويعمل فِيَّ". (من مخطوطات سيرتها الذاتية). 45 كُتِبَ في أَسفارِ الأَنبِياء: وسيَكونونَ كُلُّهم تَلامِذَةَ الله. فَكُلُّ مَن سَمِعَ لِلآب وتَعلَّمَ مِنه أَقبَلَ إِليَّ تشير عبارة " أَسفارِ الأَنبِياء " الى נביאים هو الكتاب الثاني من كتب التناخ (תנ״ך) وهي مختصرة لكلمة תורה (التوراة) أي اسفار الشريعة وנביאים أي اسفار الأنبياء وכתובים أي الكتب، ويحوي اسفار الأنبياء أي الجزء الثاني المعروف بهذا الاسم من اسفار العهد القديم على قصص وتاريخ الأنبياء والملوك اليهود. أمَّا عبارة "سيَكونونَ كُلُّهم تَلامِذَةَ الله" فتشير الى اقتباس من العهد القديم حيث يتعلم جميع البشر من الله مباشرة كما جاء في نبوءة اشعيا "جَميعُ بَنيكِ يَكونونَ تَلامِذَةَ الرَّبّ" (اشعيا 54: 13). ويوضح ارميا هذا الكلام بقوله " يَقولُ الرَّبّ، هو أَنِّي أَجعَلُ شَريعَتي في بَواطِنِهم وأَكتُبُها على قُلوبِهم وأَكونُ لَهم إِلهاً وهم يَكونونَ لي شَعباً" (ارميا 31: 33). ويؤكد يوحنا الانجيل على اهمية التعلم من قِبل الآب واهمية السمع من قِبل الانسان. اننا نتعلم من الله من خلال الكتاب المقدس، من الافكار التي يعطيها لنا الروح القدس، ومن الكنيسة والمسيحيين الآخرين. فكل تلميذ يتعلم من الله ينال الخلاص. أمَّا عبارة " فَكُلُّ مَن سَمِعَ لِلآب " فتشير الى مسؤولية الانسان الحرة في سماع الآب طوعاً والتعلم منه كي يتوجّه نحو أبنه يسوع المسيح. 46 وما ذلِكَ أَنَّ أَحَداً رأَى الآب سِوى الَّذي أَتى مِن لَدُنِ الآب فهو الَّذي رأَى الآب تشير عبارة "وما ذلِكَ أَنَّ أَحَداً رأَى الآب" الى ما ورد في قول الله "أمَّا وَجْهي فلا تَستَطيعُ أَن تَراه لأَنَّه لا يَراني الإِنْسانُ وَيحْيا" (خروج 33: 20)، وذلك لان الهوّة قائمة بين قداسة الله وضُعف الانسان عمقيه جداً حتى ان الانسان يموت حتما إن رأى الله (خروج 19: 24) او سمعه (خروج 20: 19). ونتيجة لذلك نرى ان الموسى (خروج 3: 6) وإيليا (1 ملوك 19: 13) وحتى السرّافون (اشعيا 6: 2) يحجبون وجوههم أمام الرب، وإذا بقي الانسان على قيد الحياة، بعد رؤية الله، يشعر بدهشة ملؤها عرفان الجميل (تكوين 32: 21) او بمخافة (قضاة 6: 22-23). وهذه نعمة نادرة يمنَّ الله بها على مختاريه (خروج 24: 12) وعلى موسى خاصة بصفته " صديقه" (خروج 33: 11) وعلى إيليا (1 ملوك 19: 11)، وكلاهما سيكونان شاهدان على تجلي المسيح (متى 17: 3). أمَّا عبارة "سِوى الَّذي أَتى مِن لَدُنِ الآب" فتشير الى يسوع، وهو وحده شاهد لأبيه، كما جاء في انجيل يوحنا "إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب هو الَّذي أَخبَرَ عَنه" (يوحنا 1: 18). فالابن، مع الروح القدس، هو وحده الذي يقدر أن يراه كما هو، "لأَنَّ الرُّوحَ يَفحَصُ عن كُلِّ شَيء حتَّى عن أَعماقِ الله "(1 قورنتس 10:2). وهكذا الابن الوحيد مع الروح القدس يُدرك أن الآب في كماله إذ قيل: "فما مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْن ومَن شاءَ الابنُ أَن يَكشِفَه لَه" (متى 27:11). ويوضح يوحنا الإنجيلي السبب "وأَمَّا أَنا فَأَعرِفُه لأَنِّي مِن عِندِه وهوَ الَّذي أَرسَلَني" (يوحنا 7: 29)، أمَّا سائر الناس فلا يرون الله وجها لوجه إلاّ في السماء كما صرّح يسوع "طوبى لأَطهارِ القُلوب فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله" (متى 5: 8)؛ أمَّا عبارة "فهو الَّذي رأَى الآب " فتشير الى الرؤية المباشرة التي هي امتياز الابن يسوع الذي وحده رأى الآب، وهو الذي أدخلنا في ملكوته وشملنا بمعرفته، ومن هذا المنطلق نستطيع ان نعاينه ونعايشه. 47 الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: مَن آمَنَ فلَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّة تشير عبارة "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم" الى أهمية وتأكيد تصريح السيد المسيح انه حق ثابت لا يتخلف. أمَّا عبارة "آمَن" باليونانية πιστεύων فتشير الى الاستمرار في الايمان. لأننا لا نؤمن مرة واحدة وحسب، بل نستمر في الايمان والثقة به. أمَّا عبارة "الحَياةُ الأَبَدِيَّة" فتشير الى حياة النفس الروحية التي يهبها بها يسوع في السماء للمؤمنين به. ان يسوع ينقلنا من الموت الى الحياة. فلا ينتمي المؤمن بعد الآن الى الموت، بل هو يحيا القيامة منذ الحياة الحاضرة، فحتى وإن مات، فهو يتقبل الحياة كما جاء في قول يسوع "مَن سَمِعَ كَلامي وآمَنَ بِمَن أَرسَلَني فلَه الحَياةَ الأَبَدِيَّة ولا يَمثُلُ لَدى القَضاء بلِ انتَقَلَ مِنَ المَوتِ إِلى الحَياة" (يوحنا 5: 24). إن الايمان بالمسيح هو الحصول على الحياة الابدية. ويؤكد سفر التكوين، اول سفر في الكتاب المقدس، أن الله خلّد الإنسان، لأنه كان يعيش في بستان تنمو فيه شجرة الحياة. ويؤكد سفر الرؤيا، آخر سفر في الكتاب المقدس، ان الله سيمنح الخلود لكل غالب (رؤيا 2: 7). ويؤكد لنا يسوع هنا ان الايمان به يُعيد الينا الحياة الخالدة. ويعلق الراهب القدّيس برناردُس" أنا أنتظر الحضور الإلهي، الذي يصبح فيَّ "نبعًا يفيض بالحياة الأبديّة (يوحنا 4: 14)". 48 أَنا خُبزُ الحَياة تشير عبارة "أَنا خُبزُ الحَياة" الى الخبز النازل من السماء، وان يسوع نفسه هو الخبز الذي يستطيع ان يسدَّ الجوع الروحي. فحياة الربّ بأكملها تُصبح خبزاً للبشر، تُصبح غذاءً لحياة حقيقيّة. وقد عرّف يسوع نفسه بأنه مصدر كل حياة وخلاص، ولكن لم يُسمع قط أن نبيَّاً طالب شعبه بأن يؤمن بشخصه بالذات كما فعل يسوع هنا. وذلك أن رؤساء اليهود كانوا يطلبون من يسوع ان يُثبت لهم سبب كونه أفضل من الانبياء. فقدّم يسوع نفسه أعظم من موسى، إذ اعطى ذاته خبزا روحياً نازلا من السماء يقود الى الحياة الابدية. وأعلن يسوع ان الايمان به هو الحصول على الحياة الأبدية. 49 آباؤُكُم أَكَلوا المَنَّ في البَرِّيَّة ثَمَّ ماتوا. تشير عبارة "آباؤُكُم أَكَلوا المَنَّ في البَرِّيَّة ثَمَّ ماتوا" الى المفارقة بين المنّ الذي قد أُعطي في البرِّية ولم يستطع ان يمنع الموت والخبز الذي يعطيه يسوع. إذ اعطى موسى أجداد اليهود المنَّ ذلك الخبز، وكان يقوت الناس جسديا ووقتيا ليوم واحد، وكان عليهم ان يحصلوا على المزيد منه كل يوم، ولم يقدر هذا الخبز ان يمنع الموت عنهم. 50 إِنَّ الخُبزَ النَّازِلَ مِنَ السَّماء هوَ الَّذي يأكُلُ مِنه الإِنسانُ ولا يَموت تشير عبارة "إِنَّ الخُبزَ النَّازِلَ مِنَ السَّماء" فتشير الى خبز الحياة الذي يعطيه يسوع هوَ الَّذي يأكُلُ مِنه الإِنسانُ ولا يَموت. وفي هذه العبارة تصريح بوجود يسوع قبل تجسده وتلميح الى ولادته الفائقة الطبيعة. أمَّا عبارة "هوَ الَّذي يأكُلُ مِنه الإِنسانُ" فتشير الى خبز النازل من السماء، خبز الملائكة، خبز القربان وهو دليل على حب يسوع الكبير الذي يدفعه الى التلاشي الكلي من اجل أحبَّائه. ويعلق القديس اوغسطينوس " لكي يأكل الإنسان خبز الملائكة، صار رب الملائكة إنسانًا. فإنه لو لم يصر إنسانًا ما كان له جسده، وإن لم يكن له جسده ما كنا نأكل خبز المذبح". أمَّا عبارة "لا يَموت" فتشير الى الانسان الذي ينال من يسوع الحياة الابدية، وهذه الحياة تتعارض مع كل اشكال الموت. فكل من يأكل خبز الحياة الذي يعطيه هو لن يموت ابدا. يوحّد يسوع الخبز الروحي الذي يعطيه مع تقديمه جسده. الخبز النازل من السماء يمرّ عبر حياة جسد يسوع، ويسوع يعطي الانسان هذا الجسد غذاء وهبة كي يتمكّن الإنسان من أن يحيا أخيراً حياة تتعدّى الموت وتتواصل ما وراء الموت. 51 أنا الخبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء مَن يَأكُلْ مِن هذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد. والخُبزُ الَّذي سأُعْطيه أَنا هو جَسَدي أَبذِلُه لِيَحيا العالَم تشير عبارة "أنا الخبزُ الحَيُّ" الى مُطابقةِ يسوع نفسِهِ، جسده ودمه، مع ذاك الخبز. هكذا أظهر الرّب يسوع نفسَه على أنه خبز الحياة المُعطى من الآب الأزلي للبشرية. وهذا الخبز الحي يُغذّينا بحياة الآب، الحياة الّتي لا تموت، بعكس المنّ الذي يُغذّي الحياة الأرضيّة الّتي تموت؛ فيسوع هو واهب الحياة الذي يبقى الى الابد وليس كالمن الذي يفنى. أمَّا عبارة "مَن يَأكُلْ مِن هذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد" فتشير الى العشاء الفصح وتقديس الخبز والخمر حيث يسوع "أَخَذَ خُبْزاً وشَكَرَ وكَسَرَه وناوَلَهُم إِيَّاهُ وقال: ((هذا هو جَسدي يُبذَلُ مِن أَجلِكُم. إِصنَعوا هذا لِذِكْري)) (لوقا 22: 19). ومعنى الأكل هنا الاشتراك في التناول. وفي هذا الصدد قال القدّيس كولومبانُس "إذا كنت جائعًا، كُل خبز الحياة. طوبى للذين يجوعون إلى هذا الخبز ويعطشون إلى هذا الينبوع! ففيه قال داود الملك: "ذوقوا واْنظروا ما أَطيَبَ الرَّبَّ" (مزمور 34: 9) " (التّعليمات، 13). أمَّا عبارة "الخُبزُ الَّذي سأُعْطيه أَنا" فتشير الى توحيد بين الخبز الذي يعطيه وجسده من خلال سر الافخارستيا كما ورد في تعليم بولس الرسول" شَكَرَ، ثُمَّ كَسَرَه وقال: ((هذا هو جَسَدي، إِنَّه مِن أَجْلِكُم. اِصنَعوا هذا لِذِكْري " (1 قورنتس 11: 24). أمَّا عبارة "هو جَسَدي" باليونانية σάρξ (معناها لحم ودم تقابل كلمة بشر في العربية) فتشير الى ما يكوّن واقع الانسان بكل إمكانياته وضعفه كما تدل على قيمة التجسد الخلاصية والمعنى الذبائحي وبالتالي على الافخارستيا (يوحنا 1: 14). أمَّا عبارة " أَبذِلُه لِيَحيا العالَم" فتشير الى عبارة تقليدية تعبّر عن البعد الفدائي الذي يمتاز به موت يسوع. بالصليب يبذل يسوع جسده، وهذه هي الطريقة التي نأكل بها الجسد فنحيا. فالإفخارستيا هي نفسها ذبيحة المسيح، فهناك صلة بين يسوع، مصدر الحياة، وبين موته كما جاء في قوله "الرَّاعي الصَّالِحُ يَبذِلُ نَفْسَه في سَبيلِ الخِراف (يوحنا 10: 11)، لذلك يدور الكلام على الخبز الذي يعطيه. إن أكْل خبز الحياة يتم بتناول جسد الرب ودمه، وهذا يقتضي الإيمان بموت يسوع وقيامته، وتكريس ذواتنا بموجب شريعة الانجيل. 52 فخاصَمَ اليَهودُ بَعضُهم بَعضاً وقالوا: كَيفَ يَستَطيعُ هذا أَن يُعطِيَنا جسدَه لِنأكُلَه؟ تشير عبارة " فخاصَمَ اليَهودُ بَعضُهم بَعضاً " الى النزاع والجدال بين اليهود، حيث ان البعض منهم فهم كلام يسوع على المستوى الروحي. والبعض رفضه لأنه فكر بأسلوب جسدي. وللأسف هذه الخصومة مازالت حتى اليوم بين الكنائس التقليدية والكنائس البروتستانتية. فيقولون نفس الكلام! هل يمكن أن يتحوَّل الخبز لجسد، والخمر لدم، إنما يقول البعض إنه رمز فقط. أمَّا عبارة "كَيفَ يَستَطيعُ هذا أَن يُعطِيَنا جسدَه لِنأكُلَه" فتشير الى تناقض مع الشريعة التي تحرم شرب دم كما كلم الرب موسى "أَنقَلِبُ على آكِلِ الدَّمِ وأَفصِلُه مِن وَسْطِ شَعْبِه. لأَنَّ نَفْسَ الجَسَدِ هي في الدَّم، وأَنا جَعَلتُه لَكم على المَذبَحِ لِيُكَفَّرَ بِه عن نُفوسِكُم، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عنِ النَّفْس" (الاحبار 17: 10- 11). أخطأ اليهود كما أخطأ نيقوديمس (يوحنا 3: 4) والمرأة السامرية (يوحنا 4: 11) وجهلوا معنى كلام يسوع الروحي. يندهش القديس كيرلس الكبير من اليهود الذين آمنوا أنه بأكل لحم خروف الفصح ونضح دمه على الأبواب يهرب الموت منهم، ويُحسبوا مقدسين، ولن يعبر بهم المهلك، فكيف لا يؤمنون بأن تناول جسد حمل الله ودمه يهبهم الحياة الأبدية. سبب مخاصمة اليهود هو عدم الايمان كما يقول اشعيا "إن كنتم لا تؤمنون فلن تفهموا"(اشعيا 7: 9). وقد استخدم بولس الرسول تعبير الجسد والدم في حديثه عن التناول "أَنَّ الرَّبَّ يسوع في اللَّيلَةِ الَّتي أسلِمَ فيها أخَذَ خُبْزًا وشَكَرَ، ثُمَّ كَسَرَه وقال: هذا هو جَسَدي، إِنَّه مِن أَجْلِكُم. اِصنَعوا هذا لِذِكْري. وصَنَعَ مِثلَ ذلكَ على الكَأسِ بَعدَ العَشاءِ وقال: هذه الكَأسُ هي العَهْدُ الجَديدُ بِدَمي. كُلُّمَا شَرِبتُم فاصنَعوه لِذِكْري" (1 قورنتس 11: 23- 26). وفي هذا الصدد قال القديس هيلاريون، أسقف بواتييه: "بخصوص صدق الجسد والدم لا يوجد أي مجال للشك. فإنه الآن بإعلان الرب نفسه وإيماننا، هو جسد حقيقي ودم حقيقي. وما يؤكل ويشرب يعبر بنا لكي نكون في المسيح والمسيح فينا". من الصواب أن يتأصل الإيمان فينا أولًا، ثم يأتي بعد ذلك الفهم للأمور التي نجهلها. ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 6: 41- 52) بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 6: 41- 52) يمكننا ان نستنتج ان النص يتمحور حول يسوع خبز الحياة والافخارستيا. لقد تجادل اللاهوتيون ليعرفوا إذا كانت تأكيدات يسوع في هذا الفصل تعني التجسد، او الافخارستيا. فالاحتمال الأول لا يعتبر الخبز الحي الذي نزل من السماء، إلا كما يعتبر النور والراعي والكرمة، وحمل الله، واحد من الرموز الكبرى التي يستخدمها يسوع في الإنجيل الرابع ليعرض رسالته مع البشر، والاكل منه يعني في هذه الحال الايمان به، غير ان المعنى القرباني (الإفخارستيي) لا يبدوا قابلا للنقاش. يسوع يظهر نفسه كأنه حياة البشر مقدمة تحت أعراض الخبز والخمر: وسر القربان يعبر عن هذه الحقيقة التي ندعوها. الإفخارستيا. ومن هنا نتساءل عن مفهوم الإفخارستيا وعن الوعد به وتأسيسه ومفاعيله. 1) مفهوم سر الافخارستيا (القربان الاقدس( الافخارستيا هي سر يحضر فيه المسيح حقيقة من خلال جسده ودمه تحت شكلي الخبز والخمر حيث يقرب نفسه للآب السماوي بصورة غير دموية، ويهب المؤمنين نفسه قوتا لنفوسهم. ان هذا السر قد سُمي منذ الأيام للمسيحية "كسر الخبز" وهي العبارة التي استعملها المسيحيون الاولون للدلالة على اجتماعاتهم الإفخارستية (متى 14: 19) ثم سُمي " أفخارستيا" وهي كلمة يونانية εὐχαριστέω معناها الشكر، وهي تذكرنا بالبركات اليهودية التي كانت تشيد بأعمال الله: الخلق والفداء والتقديس (لوقا 22: 19). وسُمِّيت أيضا "مائدة الرب"(1 قورنتس 11: 20) إذ تذكِّر بالعشاء الذي تناوله الرب بصحبة تلاميذه عشية آلامه؛ وتسمى "شركة" (1 قورنتس 10: 16-17)، لأننا، بهذا السر، نتحد بالمسيح الذي يجعلنا شركاء في جسده ودمه لنكون جسدا واحدا. ويعلق القديس يوستينوس "لا يجوز لاحد ان يشترك فيه ما لم يؤمن بحقيقة ما يعلم عندنا، وما لم يحظ بالغسل لمغفرة الخطايا والحياة الجديدة، وما لم يتقيد، في حياته، بوصايا المسيح " (يوستينوس دفاع 1: 66). وسُمِّي أيضا "الذبيحة المقدسة" (عبرانيين 13: 15)، لأنه في الافخارستيا يعطينا المسيح جسده عينه الذي بذله لأجلنا على الصليب، وهذا الدم عينه " أراقه مِن أَجْلِ جَماعةِ النَّاس لِغُفرانِ الخَطايا" (متى 28:26). وسر الإفخارستيا الذي نأكل فيه الجسد ونشرب الدم هو امتداد لذبيحة الصليب. وكل قداس هو نفس الذبيحة. وسُمي "القربان الأقدس" و " مائدة الخلاص" و"خبز الملائكة" و"خبز السماء" و"الزاد الأخير". وفي هذا السر يتم حضور شخص المسيح ربنا بطبيعته الإلهية والإنسانية، سواء أكان تحت شكل الخبز ام شكل الخمر، إنما يكون في كل منهما جوهريا أي مجردا عن أعراض اللون والهيئة والثقل... "وفي الافخارستيا يحضر جسد المسيح ودمه حقيقة وفعلا وجوهريا مع نفسه ولاهوته وبالتالي المسيح كاملا" (مجمع ترانت D. 883). وأمَّا الغاية من الافخارستيا فهي ان يكون يسوع قربانا لله بدلا من قرابين العهد القديم من اجل ان يكون طعاما روحيا تتناوله النفوس لتغذية الحياة الفائقة الطبيعة الكائنة فيها. وتمّت الإشارة في اسفار العهد القديم الى الافخارستيا بصور عديدة، أهمها: شجرة الحياة في الفردوس الأرضي (تكوين 2: 9)، ذبيحة ابراهيم (تكوين 22: 2) وذبيحة ملكيصادق (تكوين 14: 18)، والمن في البرِّية (خروج 16: 31)، وخبز التقدمة في الهيكل (دانيال 5: 2)، ومختلف ذبائح العهد القديم، ولا سيما الحمل الفصحى (خروج 12: 4). ويبرهن العلامة اللاهوتي توما الاكويني على سمو الافخارستيا على الاسرار كلها: بمضمونه، فهو ليس، كغيره من الاسرار، قوة يمنحها المسيح لتولي النعمة، بل المسيح هو نفسه، ينبوع النعم. فالإفخارستيا تحتوي على كنز الكنيسة الروحي بأجمعه، أي على المسيح بالذات، ويعلق الباب بندكتس السادس " في الإفخارستيا لا يعطنا يسوع "شيئاً ما"، بل يعطي نفسه. هو يقدّم جسده ويهرق دمه. وهكذا يعطينا مجمل كيانه" (سر المحبة ، 7)؛ لذا وصفها المجمع الفاتيكاني الثاني "منبع الحياة المسيحية وقمّتها" (نور الأمم 11)، ولذا تخضع سائر الاسرار لها خضوعها لغايتها (القديس توما 3/ 65: 3). اننا نؤمن بسر الافخارستيا مستندين الى كلام رينا يسوع المسيح نفسه، الذي وعد برسمه وقد اوفى بوعده. 2) الوعد بالافخارستيا بعد معجزتي تكثير الخبز والمشي على البحر، اللتين مهَّد بهما يسوع للوعد بالافخارستيا، أجاب اليهود، وقد جاءوه وكلهم رغبة في معجزة اخرى كتكثير الخبز، فقال لهم: " اعمَلوا لِلطَّعامِ الَّذي يَبْقى فَيَصيرُ حَياةً أَبَدِيَّة ذاكَ الَّذي يُعطيكموهُ ابنُ الإِنسان " (يوحنا 6: 27). وعقب هذا القول الخطاب الإفخارستيي تكلم فيه يسوع: اولا بوجه عام عن الخبز الحقيقي الذي ينزل من السماء ويعطي العالم الحياة الابدية (يوحنا 29-34)، ثم دلّ على نفسه بانه هو هذا الخبز السماوي الذي يعطي الحياة، طالبا الايمان بذلك (يوحنا6: 35-51). واخيرا أعلن يسوع ان الخبز الحقيقي النازل من السماء هو جسده، وان نيل الحياة الابدية مرتبط باكل جسده وشرب دمه (يوحنا 6: 51-58): "أَنا الخبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء مَن يَأكُلْ مِن هذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد. والخُبزُ الَّذي سأُعْطيه أَنا هو جَسَدي أَبذِلُه لِيَحيا العالَم. فخاصَمَ اليَهودُ بَعضُهم بَعضاً وقالوا: ((كَيفَ يَستَطيعُ هذا أَن يُعطِيَنا جسدَه لِنأكُلَه " (يوحنا 6: 51-52). فقالَ لَهم يسوع: ((الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: إِذا لم تَأكُلوا جَسدَ ابنِ الإِنسانِ وتَشرَبوا دَمَه فلَن تَكونَ فيكُمُ الحَياة. مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير. 55 لأَنَّ جَسَدي طَعامٌ حَقّ وَدمي شَرابٌ حَقّ 56 مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي ثَبَتَ فِيَّ وثَبَتُّ فيه" (يوحنا 6: 53- 65). ويبيّن هذا الكلام حضور يسوع الحقيقي وتؤيده البراهين التالية: ا) معنى الكلام الطبيعي: ولا سيما الالفاظ التي تدل على اشياء، مثل: "جَسَدي طَعامٌ حَقّ "وَدمي شَرابٌ حَقّ (يوحنا 6: 55)؛ ولفظة أَكل باليونانية τρώγων (معناها قضم، مضغ، أكل) يستعمل يوحنا مفردات حسية جدا لوصف الاشتراك في الافخارستيا (يوحنا 6: 54). ب) صعوبة التفسير المجازي: ان كلمة أكل جسده وشرب دمه تعني، في لغة الكتاب المقدس بالمعنى المجازي: طارده دموية وفتك به (المزمور 2:27؛ اشعيا 20:9؛ 26:49؛ ميخا 3:3) ولا يجوز تطبيقه هنا في نص يوحنا الإنجيلي (يوحنا 6: 22-66). ج) فهم السامعين لمعنى الكلام: لم يُصحح يسوع الوجه الذي عليه فهم السامعون كلامه، كما كان يفعل عادة كلما التبس على امعيه كلامه وأخطأوا فهمه (يوحنا 3:3؛ 32:4). د) تفسير الآباء: انهم جميعا يطلقون الفقرة الاخيرة من خطاب الوعد (يوحنا6: 51-58) على الافخارستيا، كالقديس يوحنا فم الذهب، والقديس كيرلس الاسكندري، والقديس اوغسطينوس، كما وتفسير مجمع ترانت (D. 875، 930). 3) تأسيس الافخارستيا لم يكتفِ يسوع بوعد الإفخارستيا بل أسَّسه. وُلدت الكنيسة يوم العنصرة ولكن اللحظة الحاسمة في تشكيل الكنيسة كان تأسيس سرّ الإفخارستيّا في العليّة (كنيسة الافخارستيَّا فقرة 5). لما عرف الرب يسوع ان ساعته قد حانت ليمضي من هذا العالم ويعود الى ابيه، وضع الافخارستيا تذكارا لموته وقيامته، وامر رسله بان يقيموها الى يوم عودته “جاعلا اياهم كهنة العهد الجديد". لقد اختار يسوع زمن الفصح ليحقق ما وعد به في كفرناحوم: ان يعطي تلاميذه جسده ودمه (لوقا 7: 22- 27). ويعلق توما الاكويني " قد أراد الربّ أن يُحفر هذا الحبّ الفائق في قلوب المؤمنين بشكل أعمق. لذا، خلال العشاء الأخير، وبعد أن احتفل بالفصح مع تلاميذه، حين كان سينتقل من هذا العالم إلى أبيه، أسّس هذا السرّ كذكرى دائمة لآلامه، وكتحقيق للنبوءات السابقة، وكأعظم المعجزات". ماذا كان من الممكن أن يفعل الربّ يسوع من أجلنا أكثر ممّا فعل؟ في سرّ الإفخارستيّا يُظهر الربّ يسوع حُبّاً يذهب إلى أبعد الحدود ولا يعرف أي مقياس (كنيسة الافخارستيا فقرة 11). وحضور الربّ يسوع في سرّ الإفخارستيّا هو حضور حقيقي على أكمل وجه، حيث يكون الربّ يسوع حاضراً بشكل كاملٍ ً وتام. واقوى برهان من الكتاب المقدس على حضوره الحقيقي هو في كلام تأسيس سر الافخارستيا الذي أورده أنجيل متى (متى 26: 26-28)، وإنجيل مرقس (مرقس 14: 22-24)؛ وإنجيل لوقا (لوقا 22: 15-20)؛ والقديس بولس (1 قورنتس 11: 23-25).، مختلفين في بعض الالفاظ، متفقين في الموضوع: ا) ان الكلام الذي يقال على الخبز، بالصورة المعروفة بالبطرسية التي نقلها الينا متى ومرقس، هو: "هذا هُوَ جَسَدي" (مرقس 14: 22)؛ وبالصورة المعروفة بالبولسية التي نقلها الينا بولس ولوقا، هو: "هذا هو جَسدي يُبذَلُ مِن أَجلِكُم" (لوقا 22: 19) فيكون معنى الكلام إذاً ان "ما اقدِّمه لكم هو جسدي الذي يُبذل لأجلكم". ب) ان الكلام الذي يقال على الكأس، بالصورة المعروفة بالبطرسية هو (حسب مرقس): "هذا هو دَمي دَمُ العَهد يُراقُ مِن أَجلِ جَماعَةِ النَّاس"(مرقس 14: 23)؛ وبالصورة المعروفة بالبولسية هو (حسب لوقا): "هذِه الكَأسُ هي العَهدُ الجَديدُ بِدمي الَّذي يُراقُ مِن أَجْلِكم " (لوقا 22: 20) (ولا يوجد عند بولس: لمغفرة الخطايا). فيكون معنى الكلام إذا: ان ما في هذه الكأس هو دمي الذي ختم به العهد الجديد كما ختم العهد القديم ايضا بالدم "هوذا دم العهد الذي عاهدكم به الرب" (الخروج 8:24)، وهذا الدم يسفك لأجلكم. والتكريس في الذبيحة الإلهيّة يُغيّر جوهر الخبز بأكمله إلى جوهر جسد المسيح الربّ، وجوهر الخمر بأكمله إلى جوهر دمه، والكنيسة تدعو هذا التغيّر الاستحالة (كنيسة الافخارستيا فقرة 15). والكنيسة الكاثوليكية قالت دائما بتاريخية كلام تأسيس الافخارستيا، وبالحضور الحقيقي ليسوع (مجمع ترانت D. 874). فالكنيسة تعتمد التفسير الحرفي لنص يوحنا الإنجيلي (يوحنا 6: 22-66) وليس التفسير المجازي الرمزي. والتفسير الحرفي يقتضيه ما يلي: ا) النص: ليس في هذا النص ما يدعو الى حمله على المعنى المجازي. فالخبز والخمر لم يكونا يوما، لا بطبيعتهما، ولا في عُرف اللغة العام، برمزَين للجسد والدم. كما ولا يحتمل التفسير الحرفي ايه مناقضة، ولا يفترض الاّ الايمان بألوهية المسيح. ب) الظروف: كان على المسيح ان يكون في متناول عقلية الرسل الذين فهموا كلامه على الوجه الذي قاله به. وكان عليه، لو أراد ان لا تفهم البشرية كلامه على غير وجهه، ان يستعمل، لوضع سر الافخارستيا واقامة طقس سام وانشاء العهد الجديد وتدوين وصيته الاخيرة، صيغة من الكلام لا سبيل الى فهمها على غير وجهها. ج) النتائج العملية: التي استنتجها القديس بولس من كلام وضع السر. فهو يرى ان تناول الافخارستيا على خلاف الاستحقاق جرم الى جسد الرب، "فمَن أَكَلَ خُبْزَ الرَّبِّ أَو شَرِبَ كَأسَه ولَم يَكُنْ أَهْلاً لَهما فقَد أذنَبَ إِلى جَسَدِ الرَّبِّ ودَمِه" (1 قورنتس 27:11). ويعلق القديس قبريانس (258) على الذين يتناولون الافخارستيا دون توبة ولا مصالحة: "انهم يغتصبون جسد الرب ودمه، فهم يخطئون الان اليه باليد والفم، فيأتون جرما أكبر من نكرانهم له" (في الساقطين 16). وان تناول الافخارستيا حسب الاستحقاق هي شركة في جسد المسيح ودمه. أَلَيسَت كَأسُ البَرَكةِ الَّتي نُبارِكُها مُشارَكَةً في دَمِ المسيح؟ أَلَيسَ الخُبْزُ الَّذي نَكسِرُه مُشارَكَةً في جَسَدِ المسيح؟ "(1قورنتس 10: 16). "فليَختَبِرِ الإِنسانُ نَفْسَه، ثمَّ يَأكُلْ هكذا مِن هذا الخُبْز ويَشرَبْ مِن هذِه الكَأس. فمَن أَكَلَ وشَرِبَ وهو لا يُمَيِّزُ جَسَدَ الرَّبّ، أَكَلَ وشَرِبَ الحُكْمَ على نَفْسِه" (1 قورنتس 11: 28-29). اذ لم يميز جسد الرب. ويعلق البابا القديس يوحنا بولس الثاني "تعتبر الإفخارستيّا وجود الوحدة أو الشركة بيننا وبين الربّ شيء مُسلّم به. ولهذا فإنّ أيّ شخص يعي وجود خطيئة مميتة في نفسه يجب أن يتقدّم من سرّ التوبة قبل التقدّم من المناولة (كنيسة الافخارستيا فقرة 35 ،36). ولم يتردد آباء الكنيسة الأوائل في تأكيد حضور يسوع الحقيقي في الافخارستيا، فيقول القديس يوستينوس النابلسي (165) واصفا الاحتفال بالافخارستي" اننا لا نتناول هذا الطعام كخبز عمومي وشراب عمومي. ومثلما اتخذ يسوع المسيح مخلصنا، بقوة كلمة الله، جسدا ودما لأجل خلاصنا، كذلك، على ما تعلمناه، الطعام الذي كرسته الصلاة المأخوذة من كلام المسيح والذي يجب ان يتمثله جسدنا ودمنا غذاء، هو جسد ودم يسوع المتجسد" (دفاعه الاول" 2:66). واما القديس ايريناوس (202) فيعلن: "ان الخبز الذي تتلى عليه صلاة الشكر هو جسد الرب، والكأس فيه دمه" (ضد المبتدعين 4: 18: 4). والعلامة ترتليانوس (220) يشهد على الحضور الحقيقي قائلا "يتغذى جسد (المسيحي) بجسد ودم الرب، حتى تتغذى النفس بالله" (في قيامه الجسد 8). ولم ينفي القديس اوغسطينوس الحضور الحقيقي للرب في الافخارستيا، معلقا على كلام التقديس، شاهدا مع الكنيسة الاولى على الايمان بالحضور الحقيقي: "هذا الخبز الذي ترونه على المذبح، وقد قدَّسه كلام الله، هو جسد المسيح؛ وهذه الكأس، او بالحري ما في هذه الكأس، وقد قدَّسه كلام الله، هو دم المسيح" (العظة 227). وايضا: "كان المسيح يحمل نفسه بيديه حين قال وهو يقدِّم لنا جسده: هذا هو جسدي" (في تفسيره للمزمور 33، العظة 10:1). وجاءت طقوس الليتورجيات القديمة تدعم شهادة الاباء. ففيها دعوة للروح القدس، لينزل بصلاة الابيكليس "ويجعل الخبز جسد المسيح والخمر دم المسيح". ويمكث يسوع تحت شكل الخبز وتحت شكل الخمر، ما دامت الاشكال سليمة من الفساد والاتلاف. وحينما يحل الفساد والاتلاف في اشكال، يفارقها ربنا المسيح ولا يمكث فيها. 4) مفاعيل الافخارستيا من اهم مفاعيل الافخارستيا في حياة المؤمنين هي الحياة الأبدية، وقيامة الجسد، والوحدة الأخوية وفوائد روحية أخرى. أ) الحياة الأبدية: يعد يسوع في نص انجيل يوحنا بالحياة الأبديّة: "إِنَّ الخُبزَ النَّازِلَ مِنَ السَّماء هوَ الَّذي يأكُلُ مِنه الإِنسانُ ولا يَموت. أَنا الخبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء مَن يَأكُلْ مِن هذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد" (يوحنّا 6: 50-51). ونحن لا نأكل جسده الميت، فهذا هو ما يسمى الأكل من لحوم البشر، ولكن الأكل سيكون من جسده الحي الذي قام من الأموات. ولذلك ربط المسيح الأكل من جسده بالحياة الأبدية لمن يأكل. فالجسد الذي نأكله فيه حياة أبدية. وما قاله المسيح هنا كان متفقا مع تعاليم الربيين، ففي تفسيرهم قالوا "إن من يخدم الرب حتى الموت سيستحق خبز العالم الآتي". ويعنى العالم الآتي في تعاليم اليهود هو زمن الخلاص. ويُعلق البابا القدّيس يوحنا بولس الثاني " أنّ الّذين يأكلون المسيح الربّ في سرّ الإفخارستيّا ليس بحاجة إلى الانتظار حتّى الحياة الآتية كي يحصل على الحياة الأبديّة، فهم يمتلكونها منذ الآن كالثمار الأولى للامتلاء في المستقبل. ويقول التعليم المسيحي ان " فـــــــي الافخارستيا نتناول يسوع إذا، وتمتلئ النفس المنعمة، وتُعطـــــى عــــربون المجد الآتي" (بند 1323) ب) قيامة الجسد: لقد وعد يسوع بقيامة الجسد " مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير" (يوحنا 6: 54). نحن نحصل، في سرّ الإفخارستيّا، على الوعد بقيامتنا الجسديّة في نهاية العالم كما يعلق البابا يوحنا بولس الثاني (كنيسة الافخارستيا فقرة ( 18 ). ج) الوحدة الأخوية: نحن جميعاً نتّحد ببعضنا بواسطة الإفخارستيّا، ومع كوننا كثيرين فنحن نُتقاسم الخبز الواحد كما جاء في تعليم بولس الرسول " أَلَيسَت كَأسُ البَرَكةِ الَّتي نُبارِكُها مُشارَكَةً في دَمِ المسيح؟ أَلَيسَ الخُبْزُ الَّذي نَكسِرُه مُشارَكَةً في جَسَدِ المسيح؟ فلمَّا كانَ هُناكَ خُبزٌ واحِد، فنَحنُ على كَثرَتِنا جَسَدٌ واحِد، لأَنَّنا نَشتَرِكُ كُلُّنا في هذا الخُبْزِ الواحِد." (1 قورنتس 10: 16-17). ويعلق البابا القديس يوحنا بولس الثاني " يتكوّن الخبز من حبّات قمح كثيرة ولكن في الخبز لا يظهر الاختلاف بينها، وبالمثل نحن ننضمّ إلى بعضنا البعض ونتّحد في المسيح الربّ من خلال الإفخارستيّا (كنيسة الافخارستيا فقرة 23). وكتب القدّيس كيرّلس الإسكندري: "كما حينما نجمع بين قطعتين من الشمع ونجعلهما تذوبان باستعمال النار، فتُشكّلان شيئاً واحداً، يحدث نفس الشيء في المشاركة في جسد المسيح وفي دمه الثمين". ليس هناك، في الحقيقة، لا سعادة أعظم من تناول المسيح ذاته. د) فوائد روحية كثيرة: ينتج عن سرّ الإفخارستيّا، في الحياة الروحيّة، أثاراً أخرى. فهي تُقوّي وتُقصي الضعف والموت، وتُحرّر من الخطايا العرضيّة الّتي تُسبّب ضعف ومرض النفس، وتحفظ من الخطايا المميتة الّتي تُسبب موتها وننتصر على التجارب، وننمو في حياة النعمة التي نلناها في سر العماد وتجدّد قوانا وتقوّي عافيتنا، وتوفر لنا الطاقة الازمة للعمل الرسولي والحياة المسيحية وتقوّي المناعة ضد الخطيئة وتجارب الشيطان. وتغتني النفس عن طريق إفاضة أعظم للفضائل فيها لان "الاشتراك في جسد المسيح ودمه لا يفعل شيئاً سوى تحويلنا إلى ما نحن نتناوله" (البابا بولس السادس)، وعلى حد تعبير القديس اوغسطينوس " من يحسن التناول يُصبح ما يأكل". ويلخص القديس يوحنا الذهبي الفم فوائد التناول بقوله" يكون للذين يشتركون فيهما (جسد الرب ودمه) رزانة النفس، غفران الخطايا، شركة الروح، بلوغ ملكوت السماء، الدالة لديه، وليس للحكم والدينونة"؛ ومن يقبل في الايمان عطية يسوع الإفخارستية، انما يقبله هو نفسه. ونستنتج مما سبق أن يسوع جاء ليحمل إلينا ما هو أكثر الاحتياجات المادية جاء ليفتح حياتنا على أفق أوسع مقارنة بالقلق اليومي من أجل المأكل والملبس والمسيرة المهنية وما شابه. جاء ليمنحنا "خبز الحياة ليشبع جوع الإنسان للحقيقة والعدالة والمحبة، جاء ليُشبع لا الأجساد فقط بل والنفوس أيضا، وتعلق القديس تريزا دي كالكوتا "نحن جميعًا نعرف، من خلال النظر إلى الصليب، إلى أيّ مدى أحبّنا الرّب يسوع. حين ننظر إلى القربان المقدّس، نعرف كم يحبّنا الآن". لذا، جعل نفسه خبز حياة لإشباع جوعنا لمحبّته. فإذا طبَّقنا معاني الافخارستيا نعيش مسيحيتنا على الوجه الاصح. ولهذا، فإن القربان الأقدس هو أعظم الأسرار، فهو مركز وقمّة جميع الأسرار الأخرى. وهكذا ينبغي ان تكون الافخارستيا تكون محور حياتنا المسيحية ونقطة ارتكازها بحيث تصبح جميع تصرفاتنا قربان يليق بالله ومجده الازلي. الخلاصة ان يسوع هو ليس فقط خبز الكلمة وخبز الافخارستيا بل هو ايضا خبز الحياة. ومن هنا نسأل: ما هي الحياة؟ وما معنى يسوع خبز الحياة. أعترض اليهود على قول يسوع بانه الخبز الذي نزل من السماء، وذلك بسبب منشأه الوضيع وولاديته البشرية (يوحنا 41-42)، فأجابهم يسوع بكلام يخض بركة أولئك الذين يؤمنون به حقاً، الذين يجتذبهم الآب سيأتون إليه، ومثل هذه الانارة تأتي عن طريق عمل الله نفسه (يوحنا 43-51). قال المسيح:" أَنا الخبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء مَن يَأكُلْ مِن هذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد. والخُبزُ الَّذي سأُعْطيه أَنا هو جَسَدي أَبذِلُه لِيَحيا العالَم" (يوحنا 6: 51). ومع أنَّ الخبز طعام أساسي وضروري لا يستغني عنه الانسان إلا أنه "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله" ﴿متى 4:4﴾. إنّ المسيح لم يقدم لنا طعاماً مادياً، لكنه قدَّم لنا جسده هو: "الخبز الذي أنا أعطي هو جسدي" باعتباره الخبز الحي الذي نزل من السماء، الخبز الذي يهب حياة أبدية لكل من يأكله، إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والمسيح هو كلمة الله المتجسد، المن السماوي الواهب حياة للعالم. خبز حياتنا، وطعامنا اليومي، الطعام الذي به "نحيا ونتحرك ونوجد". يسوع هو خبز الحياة اليوم. نحن نحيا منه اليوم، ونحيا ملء الحياة كما جاء في تصريح العلامة أوغسطينوس: "أنت المسيح الحياة الأبدية عينها، تهبها في جسدك ودمك فقط اللذين هما أنت". دعاء أيها الآب السماوي، يا من أرسلت يسوع ابنك الوحيد، خبز الحياة الى العالم كي يغدِّينا ويسندنا في هذه الحياة، وفي كلّ الأبديّة. ليتنا نجوع دائماً للخبز الحقيقي، الّذي ينزل من السماء، وأن نجد فيه التغذية والقوّة الّتي نحن بحاجة إليها من أجل أن نحبّك ونخدمك كلّ أيّام حياتنا مردِّدين مع صلاة الكنيسة "يا لك من وليمة مقدّسة، فيها نتناول المسيح غذاء وتمتلئ نفوسنا نعمة، وتنال عربون الحياة الأبدية. آمين