Birzeit Town
Roman Catholic Parish
Virgin of Guadalupe
Spiritual and various topics
Links
 
Jesus Appearence to his disciples including Tuma.

يدعونا الانجيل بالأحد الثاني من الزمن الفصحى، والمُسمى أيضا بأحد "الرحمة الإلهية" (يوحنا 20: 19-31) الى تجديد إيماننا بقيامة الرب يسوع المجيدة من خلال ظهوره الى تلاميذه ورحمته الى توما الرسول. ان حياة يسوع لم تنتهِ بالصليب ولا بالقبر، لكنه قام بعد موته الى حياة جديدة لا تموت. فالقيامة حدث تاريخي خالد. والايمان بقيامة المسيح يقودنا الى السلام والفرح ومغفرة الخطايا والرحمة والحياة الابدية. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

اولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 20: 19-31)

19 وفي مَساءِ ذلك اليَومِ، يومِ الأحد، كانَ التَّلاميذُ في دارٍ أُغْلِقَتْ أَبوابُها خَوفاً مِنَ اليَهود، فجاءَ يسوعُ ووَقَفَ بَينَهم وقالَ لَهم: السَّلامُ علَيكم!

تشير عبارة "ذلك اليَومِ" الـــــى يوم القيامة، يوم الحياة الجديدة؛ اما عبارة " يومِ الأحد " فـــــي اليونانية τῇ μιᾷ σαββάτων معناها واحد او أحد) فتشير الى أول سبت مسيحي ذلك اليوم الثامن وهو اول الأسبوع. يأتي بعد أيام الأسبوع السبعة. انه يوم الاحد وهو عطية الفصح. وذكر يوحنا الإنجيلي اجتماع يسوع مع تلاميذه يوم الاحد مريتن. انه يشّدد على وحدة الزمن. فظهور يسوع للتلاميذ حصل في نفس اليوم الذي ظهر فيه لمريم المجدلية “وفي مَساءِ ذلك اليَومِ، يومِ الأحد" كأنَّ نهار ذلك الفصح لم يكتمل بدون ظهور يسوع للتلاميذ مجتمعين. هكذا كان يجتمع المؤمنون يوم الاحد وما زالوا. اما عبارة " أُغْلِقَتْ أَبوابُها " فتشير الى ان للعلية أكثر من باب، أو ربما يقصد انَّ التلاميذ اغلقوا باب البيت الخارجي أيضا علامة رعبهم. فدخول يسوع الى دار أغلقت أبوابها تدل على ان جسد المسيح القائم من الموت ليس كالأجساد العادية، فقد دعاه بولس الرسول "جِسْمًا رُوحِيًّا" (1 قورنتس 15: 44). وبدخول يسوع والأبواب مغلقة أكد لتلاميذه أن جسده القائم من الأموات له طبيعة جديدة. لم يَعدْ جسده خاضعاً لنفس قوانين الطبيعة كما كان قبل موته، بل أصبح ممكنا له الدخول والابواب مغلقة. وبذلك جسد يسوع المُمجَّد يختلف عن جسد لعازر الذي عاد الى الحياة ثانية. هذا لا يعني أن جسد يسوع شبح او خيال بل يمكن لمسه وكان يأكل. والمسيح القائم من بين الأموات يأتي بذاته لفتح عالمه، قام بذات الجسم، لكنه جسم ممجد، غير خاضع لقواني عالمنا، وهذه الأبواب المغلقة سوف تفتح يوم العنصرة بحلول الروح القدس. ويُعلق القديس ايرونيموس " إن أنكرنا هويّة جسده لأنه دخل والأبواب مغلقة، وأن هذا ليس من طبيعة الأجسام البشرية، يلزمنا إذن أن ننكر أيضًا أنه كان لبطرس وللرب يسوع جسدين حقيقيين لأنهما سارا على المياه، وهذا مخالف للطبيعة (متى 14: 22-33)؛ اما عبارة " خوف " فتشير الى خشية التلاميذ أن يوجه اليهود إليهم تهمة سرقة الجسد، او خشيتهم أن يفعلوا ذات الشيء معهم كما فعلوا مع المسيح. وقال أحد المفكرين "إن الخوف هو الطريق إلى الجهة المظلمة، الخوف يؤدّي إلى الغضب، والغضب يؤدّي إلى الكراهية، والكراهية تؤدّي إلى المعاناة والألم"، وهذا ما يمكن ان شعر به التلاميذ في داخل دار أغلقت أبوابها؛ اما عبارة " اليَهود" وقد وردت كلمة اليهود 71 مرة في انجيل يوحنا فهي تشير هنا الى رؤساء اليهود الذين كنّوا العداوة ليسوع (يوحنا 8: 48) ولم يريدوا ان يفهموه بل لاحقوه ولاحقوا تلاميذه. اما عبارة “جاءَ يسوعُ" فتشير الى حضور المسيح القائم من الموت بين تلاميذه وظهوره لهم ليرافقهم ويقودهم. أنه يأتي الينا اولا، ونحن نذهب الى لقائه، ومجيئه يملأ القلوب تعزية وشجاعة (يوحنا 14: 3). ويكشف لنا يوحنا الإنجيلي ان حقيقة الالتقاء بيسوع تخضع بعد اليوم لسُنة أخرى غير سنن هذا العالم العادية. اما عبارة " بينهم " في اليونانية μέσον ومعناها وسطهم فتشير الى ان يسوع هو قريب للكل بنفس الدرجة؛ اما عبارة "وَقَفَ" فتشير الى المعنى الرمزي وهي وقفة القيامة؛ اما عبارة "السَّلامُ علَيكم" فتشير ليس فقط الى تحية، بل أيضا الى عطية سلام المسيح الذي يطرد الخوف. أنه السلام الذي لا يستطيع العالم ان يمنحه (يوحنا 14: 27). هذا السلام الذي كان قد وعدهم يسوع به، والذي يُبدد كل اضطراب أحدثه موته "السَّلامَ أَستَودِعُكُم وسَلامي أُعْطيكم. لا أُعْطي أَنا كما يُعْطي العالَم. فلا تَضْطَرِبْ قُلوبُكم ولا تَفْزَعْ"(يوحنا 14: 1). سلام في المسيح وليس سلام العالم الباطل. انه بركة غير عادية ثمر القيامة: السلام الداخلي مع الله، ومع الإنسان نفسه كما مع إخوته؛ وهذا السلام يدل على ملء الحياة والخلاص، أنه الهبة المسيحانية المثالية كما جاء في تعليم بولس الرسول "فلَمَّا بُرِّرْنا بِالإِيمان حَصَلْنا على السَّلامِ مع اللهِ بِرَبِّنا يسوعَ المَسيح" (رومة 5: 1). وفي انجيل يوحنا يرتبط السلام دائما في بشخص المسيح وحضوره كما صرّح يسوع لتلاميذه " قُلتُ لَكم هذِه الأَشياء لِيكونَ لَكُم بيَ السَّلام" (يوحنا 16: 33)، والتلاميذ بحاجة الى هذا السلام بعد خوف يوم الجمعة (يوحنا 14: 27). ويقول بولس الرسول "إِنَّ سلامَ اللهِ يَفوقُ كُلَّ إِدراكٍ" (فيلبّي 4، 7). فإنّ السلام للنفس هو الأساس الوطيد لحياتها الداخليّة. والنفس الّتي تفقد سلام الله تُصبح فريسة القلق والاضطراب.

20 قالَ ذلك، وأَراهم يَدَيهِ وجَنبَه ففَرِحَ التَّلاميذُ لِمُشاهَدَتِهمِ الرَّبّ.

تشير عبارة "أَراهم يَدَيهِ وجَنبَه " الى آثار الصلب التي يحملها يسوع في مجده الى الابد. فمسيح الصليب هو نفسه مسيح القيامة الحي والذي كان ميتًا. يشدّد يوحنا الإنجيلي على الصلة بين يسوع المصلوب ويسوع القائم من الموت وهو الآن معنا للأبد كما جاء في رسالة العبرانيين "قَدِ ابتُلِيَ هو نَفسُه بِالآلام، فهو قادِرٌ على إِغاثَةِ المُبتَلَين. (عبرانيين 2: 18). فجسد المسيح هو نفسه قبل موته وبعد قيامته حامل أثر الجروحات في يديه وجنبه. ولم يذكر يوحنا جراح القدمين كما فعل لوقا الإنجيلي "أُنظُروا إِلى يَدَيَّ وقَدَميَّ" (لوقا 24: 39)؛ لكن ينفرد يوحنا بذكر جنبه للدلالة على العلاقة بين حادثة الطعن بالحربة وحدث العشاء الأخير. يسوع هو حمل الفصح، الذبيح على الجلجلة يعود الى تلاميذه حاملا في جسمه الممجّد آثار ذبيحته الخلاصية. فيسوع هو الحمل الذبيح (رؤية 5: 6). اما عبارة " فَرِحَ التَّلاميذُ" فتشير الى الفرح الذي وعد به يسوع تلاميذه " سأَعودُ فأَراكُم فتَفَرحُ قُلوبُكم وما مِن أَحَدٍ يسلُبُكم هذا الفَرَح" (يوحنا 16: 22)، وهذا الفرح ناتج عن اختبار يسوع ورؤيته. لقد امتلأت قلوب التلاميذ فرحا، لان لقاء المسيح القائم من الموت هو مصدر فرح للتلاميذ، وقد أكمل فرحهم في القيامة "قُلتُ لَكم هذهِ الأشياءَ لِيَكونَ بِكُم فَرَحي فيَكونَ فَرحُكم تامّاً"(يوحنا 15: 11)، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "ما قاله يسوع قبل الصلب " سأَعودُ فأَراكُم فتَفَرحُ قُلوبُكم وما مِن أَحَدٍ يسلُبُكم هذا الفَرَح " (يوحنا 16 :22) قد تحقق الآن عمليًا ؛ اما عبارة "ِمُشاهَدَتِهمِ الرَّبّ" فتشير الى مرحلة جديدة يعيشها التلاميذ ابتداء من تمجيده وتتميز هذه المرحلة بمعرفة أعمق للابن المتجسد والممجَّد. وفي الواقع يستخدم يوحنا فعلين مختلفين ليُظهر الفرق بين كيفية رؤية يسوع قبل قيامته يستخدم فعل (رأى) θεωρέω وبعد قيامته (شاهد) ὁράω (يوحنا ( 16: 16).

21 فقالَ لَهم ثانِيَةً: السَّلامُ علَيكم! كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً

تشير عبارة "السَّلامُ علَيكم!" الى تكرار عطية السلام للتأكيد أن المسيح هو واهب السلام. والسلام هنا ليس لتبديد الخوف، بل إعداد تلاميذه ليتشجعوا فيرسلهم للكرازة. فبفضل عطية السلام يتأهل التلاميذ لإرسالية التبشير بالقيامة المفرحة، كسفراء عن السلام الداخلي؛ وقد أوعز إليهم بأن يحملوها إلى العالم كلّه كيفما اتجهوا وحيثما حلّوا" وأَيَّ بَيتٍ دَخَلتُم، فقولوا أَوَّلاً: السَّلامُ على هذا البَيت"(لوقا 10: 5)؛ اما كلمة "كما" في اليونانية καθὼς فتشير الى العلاقة الخاصة بالآب والابن وفرادتها وبين علاقة الآب بنا، وفي الوقت نفسه تدل على طريقة اشراك الابن للذين يلازمونه في الالفة الحميمة القائمة في حياة الله. "كما" كلمة أساسية في انجيل يوحنا كما جاء في كلام يسوع " كما أَنَّ الآبَ الحَيَّ أَرسَلَني وأَنِّي أَحْيا بِالآب فكَذلِكَ الَّذي يأكُلُني سيَحْيا بي ” (يوحنا 6: 57)، " أَنا الرَّاعي الصَّالح أَعرِفُ خِرافي وخِرافي تَعرِفُني كَما أَنَّ أَبي يَعرِفُني وأَنا أَعرِفُ أَبي" (يوحنا 10: 15-16)، "كما أَحَبَّني الآب فكذلكَ أَحبَبتُكم أَنا أَيضاً. " يوحنا 15: 9)؛ اما عبارة "كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً " فتشير الى ارسالية التلاميذ ونشأتها عن حدث الفصح وبالتالي عن رسالة يسوع القائم (متى 28: 16-20). فقد حوّل يسوع أتباعه من تلاميذ (الشخص الّذي يتعلّم) إلى رسل (معلم ومبشّر). ويعلق أحد المفسّرين " اخرجوا مني خروج الشعاع من الشمس، وكخروج النهر من النبع، وكما أنني أذيع اسم الآب، كذلك اذيعوا أنتم اسمي". والواقع إن التكريس (التقديس) يولي التلاميذ القدرة على القيام بالرسالة، لان التكريس يُفرد المرسلين لحمل الكلمة في داخل العالم (متى 28: 19) دون ان يعزلهم عنه (يوحنا 17: 17-18) ولكن يوحنا يؤصل رسالة التلاميذ فــــي مجمـــل رسالة يسوع  (يوحنا 17: 17-19). فقد أوكل يسوع العمل الى تلاميذه لنشر أخبار الخلاص السارة لمغفرة الخطايا في كل العالم. ولا يمكن للإنسان ان ينال رسالة الغفران الى ان يقبل معطي الغفران، يسوع المسيح عن طريق رسله وكهنته. ويسترجع يوحنا الإنجيلي في مشهد ارسال التلاميذ الكلمات التي استخدمها يسوع في صلاته الأخيرة قبل موته " كَمَا أَرسَلَتني إِلى العالَم فكَذلِكَ أَنا أَرسَلتُهم إِلى العالَم" (يوحنا 17: 18).

22 قالَ هذا ونَفَخَ فيهم وقالَ لَهم: خُذوا الرُّوحَ القُدُس.

تشير عبارة "قالَ هذا" الى ألانتقال الى عمل هام قد هيُّا له فيما سبق مباشرة؛ اما عبارة "نَفَخَ فيهم" فتشير الى الفعل اليوناني ἐνεφύσησεν الذي يُذكّر فعل "نفخ" יִּפַּח في سفر التكوين حين نفخ الرب نسمة الحياة في الخلق الأول "جَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ الإِنسانَ تُرابًا مِنَ الأَرض ونَفخَ في أَنفِه نَسَمَةَ حَياة، فصارَ الإِنسانُ نَفْسًا حَّيَة" (تكوين2: 7)، ويوحي هذ النفخ خلق جديد، وقيامة حقيقة كما جاء في نبوءة حزقيال "دَخَلَ فيهمِ (عظام الموتى) الرُّوح، فعاشوا وقاموا على أَقْدامِهم " (حزقيال 37: 9)، فان روح الله خلق شعب الله مطهّرا من خطاياه ومتجدداً في القداسة كما تنبأ حزقيال النبي " أُعْطيكم قَلبًا جَديدًا وأَجعَلُ في أَحْشائِكم روحًا. جَديدًا وأَنزِعُ مِن لَحمِكم قَلبَ الحَجَر، وأُعْطيكم قَلبًا مِن لَحْم" (حزقيال 36: 26). وقد تحققت النبوءة يوم الفصح. فقد نفخ يسوع في تلاميذه الروح الذي سيكون مبدأ الحياة لخلق جديد. فالفصح هو نقطة انطلاق لعالم جديد، واما الروح فهو قوة الخلاص لتتميم ارادة الله على الارض والتي تحمل غفران الخطايا لنيل الحياة الروحية الابدية من خلال رسالة التلاميذ. (يوحنا 15: 26-27). ووقد منح يسوع المسيح موهبة الروح القدس لمغفرة الخطايا لتلاميذه ومن يخلفهم أي الكهنة"(يوحنا 20: 23)، ويعلق القديس قبريانوس " أُعطي سلطان غفران الخطايا للرسل وللكنائس التي أُرسل إليها هؤلاء الرجال بواسطة المسيح ليؤسسوها، وللأساقفة الذين خلفوهم بواسطة سيامتهم كهنة "؛ اما عبارة "الرُّوحَ القُدُس" فتشير الى مبدئ رسالة الرسل، كما كان الروح القدس مبدأ رسالة يسوع نفسها (لوقا 4: 1). يظهر الروح القدس ما فيه من "قوة" في تصرفات بشرية غير مألوفة " الكلام بلغات" (اعمال الرسل 2: 4) وموهبة النبوءة (اعمال الرسل 2: 17). ان امتلاء من الروح القدس للتلاميذ هو عربون لما سيختبره كل المؤمنين في يوم العنصرة (اعمال الرسل 2).

23 مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم.

تشير عبارة "مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم" الى السلطان الذي يمنحه يسوع المسيح للتلاميذ (متى 16: 19). وسلطان الخطايا يفوق السلطان البشري الذي طالما شكك به كتبة اليهود " قالَ يسوع لِلمُقعَد: ثِقْ يا بُنَيَّ، غُفِرَت لكَ خَطاياك. فقالَ بَعضُ الكَتَبَةِ في أَنْفُسِهم: إِنَّ هذا لَيُجَدِّف" (متى 9: 2 -3). لقد اعطى يسوع لتلاميذه السلطان ان يغفروا الخطايا ويمسكوها، أنهم قد مُنحوا السلطة بفضل شركتهم الوثيقة معه، فهم يتصرفون كوكلاء في غفران الخطايا او امساكها. والسلطة الممنوحة هنا هي اعلان المغفرة على اساس موت المسيح الذي حمل خطايا العالم بحسب شهادة يوحنا المعمدان "هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم " (يوحنا 1: 29)، وعلى التلاميذ ان يميّزوا بالروح القدس الذي اخذوه من المسيح "من تُغفَرُ لَهم خطاياهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ ". فسلطان غفران الخطايا هو عطية المسيح القائم من الموت الى كنيسته، حيث كسب يسوع هذا السلطان بدمه ووهبه للكنيسة بواسطة روحه القدوس ليطهر الضمائر ويقود البشر الى ملء الاهتداء فيؤلفوا شعب الله القدوس. ويختلف المفسّرون فيما يتعلق بمن يمارسون السلطان؛ فيعتقد التقليد الكاثوليكي والتقليد الارثوذكسي بان المقصود هم الكهنة؛ هذه السلطة لغفران الخطايا كانت للتلاميذ، وهي تنتقل لخلفائهم بوضع اليد كما جاء في تعليم بولس الرسول " لا تَعجَلْ في وَضْعِ يَدَيكَ على أَحَد " (1طيموتاوس 5: 22). فالرب نفخ مرة واحدة لجسم الكنيسة كله. وهذه النفخة تصل بوضع اليد. أما التقليد البروتستانتي فيعتقد انَّ المقصود هو " الذي هو أداة الروح" (لوقا 24: 47)، أذ ان سلطان يسوع لمغفرة الخطايا هو في حد ذاته للتلاميذ بسبب حضور الروح في حياتهم. ولكن ليست هذه السلطة مقتصرة عليهم، بل ان كل الكنيسة لها هذا السلطان الناتج عن حضور الروح في حياتها وعن تعليم يسوع كراس لها، كما جاء في تعليم يسوع " فإِن تَغفِروا لِلنَّاسِ زلاتِهِم يَغْفِرْ لكُم أَبوكُمُ السَّماوِيّ" (متى 6: 14).

24 على أَنَّ توما أَحَدَ الاثَنْي عَشَر، ويُقالُ له التَّوأَم، لم يَكُنْ مَعَهم حِينَ جاءَ يسوع.

تشير عبارة "توما " תומאס ومعناه التوأم الى واحد من رسل المسيح الاثني عشر وقد ورد ذكره في قائمة أسماء الرسل (متى 10: 3)، وهو ذلك الرسول الذي كان مستعدا للذهب مع المسيح حتى الموت "فَلْنَمْضِ نَحنُ أَيضاً لِنَموتَ معَه"! (يوحنا 11: 16) ويُرجع بعض اللاهوتيين فكرة بولس الرسول "الموت مع المسيح" (1قونتس 9: 31) إلى مقولته.

 

وقيل إنه بشَّر في بلاد ما بين النهرين (العراق)، وعرج على بلاد العرب واجتاز البحر إلى بلاد الحبشة وكرز خاصة في بلاد الهند، فهناك هجم عليه بعض كهنة الأوثان في ملابار وسلخوا جلده وهو حي، ثم أخذوا يطعنونه بالرماح حتى الموت. فأصبح شفيع الهنود المسيحيين. اما عبارة " التَّوأَم " فتشير الى توما المذكور في لوائح الاثني عشر رسول (متى 10: 3) وهو يقوم بدور على جانب الأهمية في انجيل يوحنا (يوحنا 14: 5، 21: 2)، انه يمثل جميع الذين يشكّون بقيامة يسوع ويريدون ان يروا وان يلمسوا كي يؤمنوا. ولم يتوقف توما عند الشك بل كان سبباً لتعميق ايمانه بالبحث عن الاجابة. فالشك ادّى الى سؤال والسؤال الى الجواب والجواب الى الايمان. فكشف يسوع امامه أدلة لآلامه، حينئذ أعلن توما إيمانه.

25 فقالَ لَه سائِرُ التَّلاميذ: رأَينا الرَّبّ. فقالَ لَهم: إِذا لم أُبصِرْ أَثَرَ المِسمارَينِ في يَدَيهِ، وأَضَعْ إِصبَعي في مَكانِ المِسمارَين، ويدي في جَنْبِه، لن أُومِن.

تشير عبارة " لن أُومِن " الى رفض توما ان يؤمن ما لم يتمكن من النظر الى أثر السمامير في يديه ويضع يده في الجنب المطعون، وبذلك فهو يمثل جميع الذين شكّوا ويشكّون بقيامة يسوع (متى 28: 17) ويريدون ان يروا ويلمسوا، لذا يُضرب المثل بين المسيحيين بشك توما. والواقع ان البعض يحتاجون الى الشك قبل ان يؤمنوا. فان أدى الشك الى سؤال، والسؤال الى جواب، وكان الجواب مقبولا، فيكون للشك دورٌ فعالٌ، لأنه يعمّق الايمان. ويعلق البابا غريغوريوس الكبير " عدم إيمان توما كان أكثر نفعًا لإيماننا عن إيمان التلاميذ المؤمنين، لأنه إذ رجع إلى الإيمان بلمس يسوع، تحررت أذهاننا من كل شك، وصارت ثابتة في الإيمان". اما حينما يصبح الشك عناداً ويصير العناد أسلوب للحياة، فالشك يضر الايمان.

26 وبَعدَ ثَمانِيةِ أَيَّامٍ كانَ التَّلاميذُ في البَيتِ مَرَّةً أُخْرى، وكانَ توما معَهم. فجاءَ يسوعُ والأبوابُ مُغلَقَة، فوَقَفَ بَينَهم وقال: ((السَّلامُ علَيكم)).

تشير عبارة "ثَمانِيةِ أَيَّامٍ" ἡμέρας ὀκτὼ الى الأحد الأول بعد القيامة أي يوم الأحد التالي وهو يوم انتهاء عشية اليوم الأول للفصح اليهودي. وبرمز اليوم الثامن إلى الدهر الآخر. ويعلق القديس باسيليوس الكبير" نحن لا نقيم الصلوات وقوفاً يوم الاحد، اول الأسبوع ليس فقط لأننا قائمون مع المسيح، بل أيضا لان هذا اليوم أنما هو بشكل ما صورة الدهر الآتي لأنه يقع بعد الزمن". وهو يوم يعود فيه المسيح الى الحياة، وهو أحد الخلاص، أما اليوم الثامن بعده والذي ندعوه أحد توما، فهو ذكرى الخلاص وتثبيت الخلاص بحسب تعبير القديس غريغوريوس النازينزي.

27 ثُمَّ قالَ لِتوما: هَاتِ إِصبَعَكَ إِلى هُنا فَانظُرْ يَدَيَّ، وهاتِ يَدَكَ فضَعْها في جَنْبي، ولا تكُنْ غَيرَ مُؤمِنٍ بل كُنْ مُؤمِناً.

تشير عبارة "هَاتِ إِصبَعَكَ إِلى هُنا" الى استخدام يسوع نفس الكلمات التي استخدمها توما كشروط لإيمانه؛ اما عبارة " َانظُرْ يَدَيَّ، وهاتِ يَدَكَ فضَعْها في جَنْبي" فتشير الى كشف يسوع آثار الصلب، أدلة آلامه (يوحنا 20: 20). لذا لم تبقَ جروحات يسوع على يديه وجنبه كعيوبٍ في الجسد، بل كعلامات ظاهرة للمجد والكرامة وتكشف عن حقيقة قيامته وسرّ محبته وخلاصه. ومن هذه الجروحات أستخرج توما الرسول قوة لتثبيت ايمانه. ومن خلال حاسة اللمس وصل الى يقين الايمان في قيامة الرب. والايمان بالدرجة الأولى هو معاينة الرب دون الاستعانة بحاسة اللمس والنظر. اما عبارة " كُنْ مُؤمِناً" فتشير الى الثقة بالربّ أكثر من الايمان بالعقائد اللاهوتيّة.

28 أَجابَه توما: رَبِّي وإِلهي!

تشير عبارة " رَبِّي وإِلهي! في العبرية " אֵלָיו אֲדֹנִי וֵאלֹהָי الى الكلمات العبرية في العهد القديم عن الله. وهي آخر شهادة إيمان في الانجيل، وهي تجمع بين لقبين: "رب" و"إله" وهي مطابقة الى "الكلمة هو الله"(يوحنا 1/1) وكلمة بولس "المسيح انه بشر وهو إله مبارك الى ابد الدهور" (رومة 9/ 6) نحن امام أعظم اعتراف ايماني: ذاك الذي هو ربنا يسوع المسيح هو ايضا الله. وهذا الاعتراف يشهد لإيمانٍ يسمو على ضرورة مشاهدة أدلة ملموسة لآلام يسوع المسيح. في حين ان منكري الثالوث يشيرون الى ان صرخة توما هي اعتراف مشكك كبير بلاهوت المسيح؛ ويعلق القديس اوغسطينوس "لقد رأى توما الناسوت ولمسه، وأدرك اللاهوت الذي لن يُرى ولا يُمس".

29 فقالَ له يسوع: أَلِأَنَّكَ رَأَيتَني آمَنتَ؟ طوبى لِلَّذينَ يؤمِنونَ ولَم يَرَوا.

تشير عبارة " طوبى لِلَّذينَ يؤمِنونَ ولَم يَرَوا " الى تطويب يسوع من يؤمن دون أن يرى عبر كل الدهور، فالإِيمانُ هو بُرْهانُ الحَقائِقِ الَّتي لا تُرى (العبرانيين 11: 1). ان الادلة الحسيّة ليست كافية للإيمان، فان الايمان بعد قيامة يسوع من الموت لا يستند على العيان والرؤية، بل على شهادة الذين عاينوه. نؤمن به عن كلام تلاميذه كما صرّح يسوع "يُؤمِنونَ بي عن كلامِهم "(يوحنا 17: 20). ويعلق البابا غريغوريوس الكبير "لم يقل الرب لتوما لأنك لمست جراحاتي آمنت"، وإنما قال: "لأنك رأيتني"، فرؤيته للسيد المسيح جذبته للإيمان". ومن هنا جاءت أهمية الشهادة والرسالة. لدينا كل شهادة في كلمات الكتاب المقدس، لان كل ما كُتب هو ما نحتاج معرفته لنؤمن بان يسوع هو المسيح ابن الله الذي به نلنا الحياة الابدية. وبهذا الايمان يدخل المسيحيون في اتحاد وثيق بالمسيح القائم من الموت (يوحنا 17: 20). لا يستند الايمان الى الرؤية بل الى شهادة الذي رأى. هنا تبرز أهمية الشهادة في انجيل يوحنا " جاءَ شاهِداً لِيَشهَدَ لِلنَّور فَيُؤمِنَ عن شَهادتِه جَميعُ النَّاس " (يوحنا 1: 7).

30 وأتى يسوعُ أَمامَ التَّلاميذ بِآياتٍ أُخرى كثيرة لم تُكتَبْ في هذا الكِتاب

تشير عبارة "آيات" الى معجزة توصل حقيقة من عملها. اما عبارة "آياتٍ أُخرى" فتشير الى معجزات تثبت لاهوت يسوع المسيح، ولم يذكرها الانجيل بل ذكر سبعة، منها معجزة الخمر في عرس قانا الجليل "هذِه أُولى آياتِ يسوع أَتى بها في قانا الجَليل، فأَظهَرَ مَجدَه فَآمَنَ بِه تَلاميذُه " (يوحنا 2: 11). اما عبارة " لم تُكتَبْ في هذا الكِتاب " فتشير الى غاية انجيل يوحنا ليس تقديم عرض شامل عن حياة السيد المسيح وأعماله وأقواله كلها، انما ما ينبغي معرفته لنيل الإيمان الحيّ الذي يقدم معرفة حقيقية تهب حياة أبدية. وهذه الآية (يوحنا 20: 30) خاتمة انجيل يوحنا.

31 وإِنَّما كُتِبَت هذه لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ الحياةُ بِاسمِه.

تشير عبارة "إنَّما كُتِبَت" الى القليل من أحداث كثيرة جرت في حياة يسوع المسيح على الأرض، لكن ما كُتب هو كل ما نحتاج معرفته لنؤمن بان يسوع هو المسيح ابن الله الذي به نلنا الحياة الأبدية؛ اما عبارة "لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله" فتشير الى من ذكره مرقس الانجيلي "بَدءُ بِشارَةِ يسوعَ المسيحِ آبنِ الله (مرقس 1: 1). فهدف الانجيل ودعوة قرّائه الى الايمان بالمسيح حتى وان كانوا بين أولئك الذين " ولَم يَرَوا "؛ ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "الإيمان بيسوع أنه المسيح ابن الله لا يترك الإنسان في موقعه كما هو، بل يقوده للتمتع بالحياة الأبدية، أو التمتع باسم المسيح، أي بشخصه بكونه الحياة في ذاتها"؛ اما عبارة " لِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ " في اليونانية ἵνα πιστεύοντες ζωὴν ἔχητε فتشير الى الاستمرارية، أي إيمانًا عاملًا مستمرًا. فالإيمان هنا هو قبول المسيح والثقة فيه وإعطائه السيادة ليقود الحياة؛ اما عبارة " الحياةُ " فتشير الى الحياة الأبدية التي ظهرت في قيامة المسيح؛ اما عبارة " بِاسمِه " فتشير الى وجود المسيح وحضوره، فذكر اسم الله بحسب فكر العهد القديم يعنى أن الله حاضرٌ وقائمٌ وفعالٌ، لذلك كان اليهود يحظرون نطق اسمه لأن ذكر اسمه هو الدخول في حضرته. فالإيمان باسم يسوع يقود الى الحياة، لأنه هو الحياة كما صرّح يسوع " أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة"(يوحنا 154: 6). فمن يقرأ هذه الآية ولا يؤمن بلاهوت يسوع وينال الحياة الابدية معناه انه اساء قراءة هذه الآية.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي

يهدف يوحنا البشير في كتابة فصل عشرين من انجيله الى حمل قرائه على الايمان بقيامة المسيح، حتى وان كانوا بين اولئك الذين لم يروا، فيصف الظهور يسوع المسيح للتلاميذ (20: 19-23) وظهوره لتوما الرسول (يوحنا 20: 24-31). وعليه فانه يمكن ان نستنتج من وقائع نص الإنجيلي (يوحنا 20: 1-9) نقطتين: أيمان التلاميذ بقيامة الرب وعدم ايمان توما.

1) أيمان التلاميذ بقيامة الرب (يوحنا 20: 19-23)

تغلب يسوع على قلة إيمان تلاميذه الاثني عشر بظهوره لهم وإعطائهم علامات على حقيقة قيامته كما جاء في تعليم الرسل "أَظهَرَ لَهم نَفْسَه حَيًّا بَعدَ آلامِه بِكَثيرٍ مِنَ الأَدِلَّة" (اعمال الرسل 1: 3). ومن اهم هذه الأدلة سلم عليهم واراهم يسوع يديه وجبنه المطعون، واعطاهم الفرح والسلام والروح القدس ومنحهم سلطة مغفرة الخطايا وارسلهم للتبشير.

 

وفي الواقع، ظهر يسوع للتلاميذ في مسا ء يوم الاحد كأنَّ نهار ذلك الفصح لم يكتمل بدون ظهور يسوع للتلاميذ المجتمعين. فشاهد التلاميذ يسوع الـــــذي تألم ويسوع الذي قام، وهــــــو الآن معهـــم للأبد (عبرانيين 2: 18). فشاهدوا جسده هو نفسه قبل موته وبعد قيامته لكن مع أثر الجروحات في يديه وجنبه. وانفرد يوحنا الإنجيلي بذكر جنبه للدلالة على العلاقة بين حادثة الطعن بالحربة وحدث العشاء الأخير. يسوع هو حمل الفصح، الذبيح على الجلجلة يعود الى تلاميذه حاملا في جسمه المُمجّد آثار ذبيحته الخلاصية. فيسوع هو الحمل الذبيح (رؤية 5: 6). وشاهدوا يسوع في جسدٍ ممجدٍ غير خاضع لقوانين عالمنا، اذ دخل والابواب مغلقة، وفجأة وقف في وسط تلاميذه. وعلق القدّيس بطرس خريزولوغُس (نحو 406 – 450)" أنظروا جراحات جسدي ... تأمّلوا الآثار الّتي صنعها أعدائي...المسوني، لكي تعطيكم يدكم البرهان، اكتشفوا ثقوب يديّ، ضعوا يدكم في جنبي، افتحوا جراحاتي، لأنّني لا أستطيع أن أرفض هذا لتلاميذي من أجل الإيمان ...ولتُثبت هذه الجراحات الّتي لا تزال مفتوحة أنّني أنا هو حقًّا".

ورافق ايمان التلاميذ فرح كبير " ففَرِحَ التَّلاميذُ لِمُشاهَدَتِهمِ الرَّبّ " (يوحنا 20: 20). وقد سبق يسوع ان كلمهم عن هذا الفرح في العشاء الأخير "سأَعودُ فأَراكُم فتَفَرحُ قُلوبُكم وما مِن أَحَدٍ يسلُبُكم هذا الفَرَح." (يوحنا 16: 22).

وأعطى يسوع تلاميذه مع الفرح السلام، فقال لهم مرتين " السَّلامُ علَيكم! " (يوحنا 20: 21، 26). ان هذه السلام هو ليس مجرد تحية انما ثمرة قيامته، سلام ابن الله المنتصر على الموت، انه السلام الذي لا يستطيع العالم ان يمنحه "السَّلامَ أَستَودِعُكُم وسَلامي أُعْطيكم. لا أُعْطي أَنا كما يُعْطي العالَم. فلا تَضْطَرِبْ قُلوبُكم ولا تَفْزَعْ" (يوحنا 14: 27)، وهو سلام يُبدِّد كلَّ اضطراب كما وعدهم يسوع " الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: ستَبكون وتَنتَحِبون، وأَمَّا العاَلمُ فَيَفَرح. ستَحزَنون ولكِنَّ حُزنكم سيَنقَلِبُ فَرَحاً "(يوحنا 16: 20). سلام يُشدد التلاميذ في مهامه في المستقبل "قُلتُ لَكم هذِه الأَشياء لِيكونَ لَكُم بيَ السَّلام. تُعانونَ الشِدَّةَ في العالَم ولكن ثِقوا إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم" (يوحنا 1: 33).

وبعد ان تعرَّف التلاميذ على يسوع والايمان به انه يسوع القائم من الموت، ارسلهم للتبشير في انحاء العالم. وهذه الرسالة ليست اقل من رسالة الابن الذي ارسله الآب الى العالم ليخلصه " كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً" (يوحنا 20: 21). ويعلق أحد المفسّرين: لا يوجد الا رسالة واحدة من السماء الى الأرض، وهي رسالة يسوع. ورسالة التلاميذ تقع في مضمون رسالة يسوع وتكمّلها". فهناك ربط بين ظهور يسوع القائم من الموت وبين ارسال التلاميذ لتبشير العالم " اذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس،" (متى 28: 19). فكيف يكون القيام بهذه المهمة التي تفوق القدرة البشرية بدون مبدا داخلي، وهو الروح القدس؟

لذا اعطى يسوع تلاميذه الروح القدس بالنفخ "ونَفَخَ فيهم وقالَ لَهم: خُذوا الرُّوحَ القُدُس" (يوحنا 20: 22) محققا نبوءة حزقيال (36: 25-27) بحيث كان الروح القدس مبدأ الحياة لخلق جديد لشعب الله الجديد، فأصبح الفصح نقطة انطلاق لعالم جديد.

2) عدم ايمان توما بقيامة الرب (يوحنا 20: 24-29)

بعد ظهور يسوع القائم من الموت للتلاميذ لتبّيت إيمانهم، ظهر الى توما الرسول الذي رفض قيامة الرب، ولم يرد ان يؤمن بها الاّ بشروط، فانتهى أمره بالإيمان واستحق ايمانه الطوبى.

ا) عدم ايمان

إيمان التلاميذ الفوري بقيامة المسيح هي نقطة مشتركة بين الاناجيل الأربعة (متى 28: 17، مرقس 16: 14، لوقا 24: 36-42)، واما انجيل يوحنا فيركِّز على عدم ايمان توما. لقد رفض توما شهادة التلاميذ بقيامة الرب "((رأَينا الرَّبّ)). فقالَ لَهم: ((إِذا لم أُبصِرْ أَثَرَ المِسمارَينِ في يَدَيهِ، وأَضَعْ إِصبَعي في مَكانِ المِسمارَين، ويدي في جَنْبِه، لن أُومِن" (يوحنا 20: 25). أنكر توما ورفض ان يثق بشهادة الجماعة الرسولية. واشترط طالبا ً برهانا خاصا به. ويريد ان يختبر بنفسه. ويطلب ان يرى، ويلمس لكي يؤمن.

وبتعبير آخر، انه يفرض على المسيح شروط إيمانه. كأنه يُملي على الله السبيل الذي يجب ان يسلكه لإظهار يسوع نفسه له . انه يجهل سمو حرية الله المطلقة في عطائه وعمله. التسليم الكامل لله مطلوب، وعلى توما الرسول ان يُخضع عقله وحكمته لحكمة الله، لكي يكتشف الربَّ من خلال العلامات التي يعطيها إياه عن حضوره وعن حبه.

يعرف يسوع عقلية توما المتطلبة للشروط، ولكن يعرف ان قلبه ظلّ صادقاً مع نفسه، وصادقاً مع الآخرين. فظهر للتلاميذ وتوما معهم واراه جراحاته ودعاه لان يضع يده عليها. فلم يجد توما الاَّ كلمة واحدة تعبّر عن رد فعله امام يسوع المسيح " ربي والهي". وهي عبارة لا تقال في العهد القديم إلا لله كما في قول صاحب المزامير "ِستَيْقِظْ وقُمْ لِحَقَي لقضِيَّتي يا إِلهي وسَيَدي" (مزمور 36: 23). فأقر توما بعماه واعترف بسيادة يسوع الإلهية. ويمثل هذا الاعتراف ذروة اعلان الايمان المسيحي "يَشهَدَ كُلُّ لِسانٍ أَنَّ يسوعَ المسيحَ هو الرَّبّ تَمْجيدًا للهِ الآب" (فيلبي 2: 11). ان جواب توما يُعيدنا الى مقدمة انجيل يوحنا " في البَدءِ كانَ الكَلِمَة والكَلِمَةُ كانَ لَدى الله والكَلِمَةُ هوَ الله" (يوحنا 1: 1). ويقودنا الى إيمان ساجد مستسلم للإرادة الله والمستحق الطوبى.

ب) تطويبة الإيمان

اختتم اللقاء بين توما مع يسوع في التطويبة "أَلِأَنَّكَ رَأَيتَني آمَنتَ؟ طوبى لِلَّذينَ يؤمِنونَ ولَم يَرَوا" (يوحنا 20: 29). توما يريد ان يرى ليؤمن، والمسيح يريده ان يؤمن ليرى. الايمان عند توما رؤية ثم تصديق، والايمان عند يسوع تصديق ثم رؤية. لذلك جاءت تطويبة الايمان وهي التطويبة الثانية في انجيل يوحنا بعد التطويبة الأولى التي تتعلق بالمحبة الأخوية "فقَد جَعَلتُ لَكُم مِن نَفْسي قُدوَةً لِتَصنَعوا أَنتُم أَيضاً ما صَنَعتُ إِلَيكم. ..أَمَّا وقد عَلِمتُم هذا فطوبى لَكُم إِذا عَمِلتُم بِه" (يوحنا 13: 15-17).

ويظن البعض انهم يؤمنون بيسوع لو رأوا علامة مثل توما، اما يسوع فقد طوّب يسوع الذين يؤمنون به، ولم يروا ربهم قائما من الموت، بل يصدّقون شهادة الذين رأوه وقد اختارهم هو لكي يكونوا شهوداً له كما جاء في عظــــــة بطرس الأولى "فيَسوعُ هذا قد أَقامَه اللّه، ونَحنُ بِأَجمَعِنا شُهودٌ على ذلك" (اعمال الرسل 2: 32). إن لدينا كل برهان نطلبه في كلمات الكتاب المقدس وفي شهادة المؤمنين.

أخيرا يدعو يوحنا البشير القارئ من خلال هذا النص الإنجيلي (يوحنا 18: 25) الى تصديق شهادته، لأنه هو واحد من الذين رأوا الرب (يوحنا 1: 14)، انه واحد من الذين سمعوا، ورأوا بأعينهم، وتأملوا ولمسوا بأيديهم كلمة الحياة كما جاء في شهادته "ذاك الَّذي كانَ مُنذُ البَدْء ذاك الَّذي سَمِعناه ذاك الَّذي رَأَيناهُ بِعَينَينا ذاكَ الَّذي تَأَمَّلناه ولَمَسَتْه يَدانا مِن كَلِمَةِ الحَياة " (1 يوحنا 1: 1).

 

الخلاصة

 

لا يستطيع كل مسيحي اليوم ان يعرف يسوع حقا، الا بمقدار ما يشهد له في العالم عند اخوته. هل يتيح لنا ايماننا ان نتعرف الى يسوع كما قال "في أحدات حياتنا" كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه" (متى 25: 40)، في قلوبنا "ثبُتوا فيَّ وأَنا أَثبُتُ فيكم" (يوحنا 15: 4)، وفي تطور العالم "وهاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم" (متى 28: 20) وفي رجال الدين: "مَن سَمِعَ إِلَيكُم سَمِعَ إِليَّ" (لوقا 10: 16) وفي الفقراء والصغار" لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني، وكُنتُ غَريباً فآويتُموني، وعُرياناً فَكسَوتُموني، ومَريضاً فعُدتُموني، وسَجيناً فجِئتُم إِلَيَّ" (متى 25 : 35).

دعاء

أيّها الربّ الإله، أنت إله السلام والمغفرة والمحبّة. أنت أقوى من الخوف وعدم الأمان. نحن واثقون أنّ سلامك وفرحك وغفرانك ورحمتك، هي أفضل الكلمات الّتي يمكن أن يسمعها عالم اليوم، افض علينا روحك القدّوس وقوّي إيماننا في وعودك ورجائنا في قوّة قيامتك وارسلنا كما أرسلت رسلك الاولين الذين قلت لهم " كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً" فيؤمن العالم انك يسوع المسيح الرب والاله.

المجد لك، أيّها الرّب يسوع المسيح مخلّصنا، أنت القائم اليوم منتصرًا من بين الأموات. المجد للآب وللروح الذي ينيرنا. أنت المالك إلى دهر الدهور، آمين. هللويا.