Birzeit Town
Roman Catholic Parish
Virgin of Guadalupe
Spiritual and various topics
Links
 
Paying the Ransom to Kaisar & Politics.
 

النص الإنجيلي (متى 22: 15-21)

15 فذَهبَ الفِرِّيسيُّونَ وعَقَدوا مَجلِسَ شورى لِيَصطادوه بِكَلِمَة. 16 ثُمَّ أَرسَلوا إِليه تَلاميذَهم والهيرودُسِيِّينَ يقولونَ له: ((يا مُعَلِّم، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ صادق، تُعَلِّمُ سَبيلَ اللهِ بِالحَقّ، ولا تُبالي بِأَحَد، لأَنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النَّاس. 17 فقُلْ لَنا ما رأيُكَ: ((أَيحِلُّ دَفعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر أَم لا؟)) 18 فشعَرَ يسوع بِخُبْثِهم فقال: ((لِماذا تُحاوِلونَ إِحراجي، أَيُّها المُراؤُون! 19 أَروني نَقْدَ الجِزيَة)). فَأَتَوهُ بِدينار. 20 فقالَ لَهم: ((لِمَنِ الصُّورَةُ هذه والكِتابة؟)) 21 قالوا: ((لِقَيصَر)). فقالَ لَهم: ((أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله)). 22 فلمَّا سَمِعوا هذا الكَلامَ تَعَجَّبوا وتَركوهُ وانصَرَفوا.

 

المقدمة

 

يُسلط إنجيل هذا الاحد الأضواء على دفع الجزية الى قيصر (متى 22: 15 -21).  حاول رؤساء اليهود في اورشليم أن يوجّهوا للسيد المسيح اسئلة خطيرة حول قيامة الأموات (متى 22: 23-33)، الوصية الكبرى (متى 22: 34-40)، ابن داود (متى 22: 41-46) لإيقاعه في مصيدة، وإيجاد ما يشكون به للسلطة الرومانية للقبض عليه. ومن هذه الاسئلة دفع الجزية لقيصر: أَيحِلُّ دَفعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر أَم لا؟ (متى 22: 17)؛ وهي مواجهة جديدة بين يسوع ومعارضيه. فمن ناحية، يشير يسوع بإعطاء قيصر ما هو له، فهو يعلن أن دفع الجزية ليس بعبادة، إنما واجب تجاه السلطة الأرضية؛ ومن جهة ثانية، إذ يُذكّر بأولويّة الله، يطلب بأن يُعطى له ما هو له كربّ حياة الإنسان وربّ التاريخ. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.

أولا: وقائع النص الإنجيلي

15 "فذَهبَ الفِرِّيسيُّونَ وعَقَدوا مَجلِسَ شورى لِيَصطادوه بِكَلِمَة

تشير عبارة " الفِرِّيسيُّونَ " في الأصل اليوناني Φαρισαῖοι المشتقَّة من العبرية הַפְּרוּשִׁים (معناها منفصل أو مفروز او منعزل) لُقّبوا كذلك لتزمّتهم ودقّتهم في تفسير "الشّريعة"، وترفّعهم عن عامّة الشّعب. وقد دعاهم المسيح مراءين (متى 22: 18). وهم حزبٍ يهوديٍ دينيٍ يُشدِّد أعضاؤه على الناموس وعلى التقوى الشخصية والدين، وكانوا يقاومون الاحتلال الروماني ويؤدُّون الجزية كُرها لا طوعا، وكانوا يُعارضون حزب الهيرودُسِيِّينَ الموالين للرومانيين.

 أمَّا عبارة "لِيَصطادوه بِكَلِمَة " فتشير الى وضع شرك او فخ ليسوع لِيَصطادوه كما يُصطاد الطيور. الفِرِّيسيُّونَ يبحثون عن طريقة لإحراج يسوع وذلك من خلال ثلاث مسائل: الأولى سياسية دينية قدَّمها الفريسيون والهيرودُسِيِّين (متى 22: 15-22). والثانية أدبية تتعلق بالطلاق قدَّمها الصدُّوقيون (متى 22: 33). والثالثة علمية تتعلق بتفسير كتبهم الدينية قدَّمها أحد الكنبة (متى 22: 34-40). فاصطياد الفِرِّيسيُّينَ ليسوع دلالة على رياء كما أشر لهم يوحنا المعمدان فدعاهم "يا أَولادَ الأَفاعي " (متى 12: 34).  وهم مستعدُّون ان يتحالفوا مع قيصر لكي يُهلكوا يسوع، وهذا ما حدث فعلا في محكمته امام بيلاطس البنطي" فصاحوا: ((أَعدِمْه! أَعدِمْه! اِصْلِبْهُ! " (يوحنا 19: 15). وبَّخهم السيد المسيح بشدِّة على ريائهم وادعائهم البرّ كذباً وتحميلهم الناس أثقال العرضيات دون الاكتراث لجوهر الناموس (متى 5: 20، 16: 6).

16 ثُمَّ أَرسَلوا إِليه تَلاميذَهم والهيرودُسِيِّينَ يقولونَ له: "يا مُعَلِّم، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ صادق، تُعَلِّمُ سَبيلَ اللهِ بِالحَقّ، ولا تُبالي بِأَحَد، لأَنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النَّاس"

تشير عبارة "تَلاميذَهم والهيرودُسِيِّينَ" الى مجموعتين متناقضتين دخلتا في مواجهة مع الرب يسوع: كان تلاميذ الفِرِّيسيُّينَ متدينين ووطنيين، أمَّا الهيرودسيِّين فقد كانوا مُتحرِرين ومتحالفين مع روما، لكن تحالف الفريقان معًا على مقاومة يسوع بكل طريقة والقضاء عليه. وتلاحمت السلطة الدينية مع السلطة السياسية من أجل إهلاك يسوع. أمَّا عبارة "الهيرودُسِيِّينَ " فتشير الى أنصار هيرودس الكبير وسلالته المؤيّدين لحكمه الذّاتي بالانصياع إلى روما. وهم حزبٍ يهوديٍ سياسيٍ وموالي لأسرة هيرودس المالكة، وأعضاؤه يدعمون النظام الروماني بشكلٍ أعمى، ويؤيِّدون هيرودس انتيباس والحكم الروماني ودفع الجزية للقيصر طواعية لينل مأربهم، مع الامل ان أحد عائلة هيرودس يملك في اورشليم بدل الوالي الروماني كما كان في أيام هيرودس الكبير.  وكان بين هؤلاء والفِرِّيسيّينَ عداوة شديدة ومع ذلك اتفقوا على إهلاك المسيح فادَّعوا انهم اختلفوا في مسالة فرفعوا الامر اليه ليحكم بينهم. ومن هنا نرى مداهنة نفاقيه بين الحزبين بتحالفهم على السيد المسيح. ليصطادوه بكلمة. أمَّا عبارة " صادق " فتشير الى لقب أطلقه تلاميذ الفِرِّيسيّينَ والهيرودُسِيِّونَ على السيد المسيح، ويدل هذا اللقب على ان صاحبه يتكلم بالحق ومُخلص في الحكم ولا يتأثر فيما يقوله الناس. لكنه في الوقت نفسه ينمُّ على تملقٍ وتزلّفٍ ومديح ليُفقد يسوع حذره منهم لكي يتكلم بكلّ صراحة فيُخطئ في كلامه. أما عبارة " تُعَلِّمُ سَبيلَ اللهِ بِالحَقّ " فتشير الى مدح باللسان يخالف ما في الجنان، وغايتهم من هذا التَّملق ان يسر المسيح بهم ويُجيبهم بلا حذر. والتَّملق أشد من التهديد كما يقول صاحب المزامير " أَلْقى عَدُوِّي يَدَيه على حُلَفائِه واَنتَهَكَ حُرمَةَ عَهدِه" (مزمور 55: 21)، فعلينا ان نحذر المتملِّقين.  أمَّا عبارة "سَبيلَ اللهِ" في الأصل اليوناني" ὁδὸν τοῦ θεοῦ فتشير الى "طريق الله" (مرقس 12: 14) أي السلوك الذي يفرضه الله. إرادة الله وما يطلبه من الإنسان كما في الشريعة. وهو الصِرَاطٌ المُسْتَقِيمٌ أي الطريق الذي رسمه الله ويقود اليه (اعمال الرسل 9: 2)؛ وتعني الطريقة عادة كيفية العيش والعمل، أي السلوك بكل معنى الكلمة كما يقول أشعيا النبي: "هذا هو الطَّريق فآسلُكوه إذا يامَنتُم وإذا ياسَرتُم "(أشعيا 30: 21). وقد سُمي الايمان المسيحي في البداية "الطريق" (اعمال الرسل 9: 2) لأنهم يتبعون طريقة الرب كما ورد في حياة بولس الرسول " طَلَبَ (شاول –بولس) مِنه رَسائِلَ إِلى مَجامِعِ دِمَشق، حتَّى إِذا وَجَدَ أُناسًا على هذِه الطَّريقَة، رِجالاً ونِساء، ساقَهم موثَقينَ إِلى أُورَشَليم" (اعمال الرسل 18: 25)، ودُعي أيضا "طريق الخلاص" كما جاء في سبرة بولس الرسول " فأَخَذَت تَسيرُ في إِثْرِ بولُسَ وإِثرِنا، وهِيَ تَصيح: ((هؤلاءِ الرِّجالُ عَبيدُ اللهِ العَلِيّ، يُبَشِّرونَكُم بِطَريقِ الخَلاص "(اعمال الرسل 16: 17). أمَّا عبارة " لا تُبالي بِأَحَد" فتشير الى عدم تحيّز وعدم الخوف من التكلم بالحق او محاباة للبعض فتغير الحق في سبيل إرضاء لهم (لوقا 20: 21).

 أمَّا عبارة "لأَنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النَّاس" في الأصل اليونانيοὐ γὰρβλέπεις εἰς πρόσωπον ἀνθρώπων  (معناها لا تنظر الى وجه الناس) فتشير الى عدم الاخذ بعين الاعتبار "الوجاهة" بينهم والزّعامة والجاهة بين الأشخاص وتفضيل الواحد على الآخر بدون سبب مخالفا احكام الشريعة الموسوية التي تنص " لا تَجوروا في الحُكْم، ولا تُحابِ وَجهَ الفقير ولا تُكرِمْ وَجهَ العَظيم، بَل بِالعَدْلِ تَحكُمُ لِقَريبِكَ" (احبار 19: 15). وهذه هي صفة من صفات الله كما جاء في عظة بطرس الرسول في بيت قرنيليوس "أَدرَكتُ حَقًّا أَنَّ اللهَ لا يُراعي ظاهِرَ النَّاس"(اعمال الرسل 10: 34). صاغ الفِرِّيسيُّونَ والهيرودُسِيِّوَن سؤال مصيدة في قالب من الإطراء والمديح وتملق ممقوت بهدف اصطياد يسوع بكلمة.   وبالرغم من كل ذلك نجد في هذه الآية فضائل يسوع التي أقرّها خصومه بالتملق: انه رجل نزيه لا يُشْتَرى، ولا يتورط في غش او خداع او تحكيم، ولا يتذلل امام قوى العصر الغاشمة، رجل سديد الرأي. وهذه الصفات النادرة تؤهل الانسان ليمارس السياسة ممارسة مسيحية.

17 "فقُلْ لَنا ما رأيُكَ: أَيحِلُّ دَفعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر أَم لا؟"

تشير عبارة "فقُلْ لَنا ما رأيُكَ" الى إيقاع يسوع المسيح في ورطة ومأزق وإحراج. فاذا قال "نعم" فكان يُمكن ان يُشهر به امام الشعب كخائن لوطنه؛ وإذا قال "لا" فيُشتكى عليه كمُحرِّض للفتنة ضد السلطات الرومانية. أمَّا عبارة " الجِزيَةِ" في الأصل اليوناني κῆνσον (مشتقة من اللاتينية census ومعناها الإحصاء) فلا تشير الى المعنى العربي القرآني اي ما يعطيه اهل الذمة من المال انما تشير الى ضريبة من رسوم وجمارك الى جانب التكاليف غير المباشرة؛ وكانت الاقاليم تؤدِّي للإمبراطورية الرومانية "الجزية" وكانت هذه واحدة لجميع اليهود، ولم يكن يُعفى منها إلاّ الاولاد والشيوخ. وكان اليهود يكرهون الجزية، لان الاموال كانت تذهب مباشرة الى خزانة قيصر، حيث يذهب جزء منها للصرف على المعابد الوثنية والحياة المترفة للأرستقراطية الرومانية. كما أنَّ صورة قيصر على العملة تذكر اليهود بخضوعهم لروما. فالجزية علامة خضوع الشعب لروما وعبوديتهم. واعتقد الفريسيون ان تأدية الجزية لا تجوز في شريعة موسى كما تنص " فأَقِمْ علَيكَ مَلِكًا، مَن يَخْتارُه الرَّبّ إِلهُكَ. مِن بَينِ إِخوَتكَ تُقيمُ علَيكَ مَلِكًا، ولا يَحِلُّ لَكَ أَن تُقيمَ علَيكَ رَجُلاً غَريبًا لَيسَ بِأَخيكَ" (تثنية الاشتراع 17: 15).  ولذلك كان الغيورون (الثُوار) يُنهون أنصارهم عن تأديتها. ويرفضون دفع الجزية، مما تسببَّ في قيام ثورات مثل ثورة ثودَس ويهوذا الجليلي وقد قتلهم الرومانيون وأنهوا ثوراتهم كما جاء في تاريخ الكنيسة الأولى "فقَد قامَ ثودَسُ قَبلَ هذهِ الأَيَّام، وادَّعى أَنَّه رَجُلٌ عَظيم، فشايَعَه نَحوُ أَربَعِمِائةِ رَجُل، فقُتِلَ وتَبَدَّدَ جَميعُ الَّذينَ انقادوا لَه، ولَم يَبْقَ لَهم أَثَر. وبَعدَ ذلك قامَ يَهوذا الجَليليُّ أَيَّامَ الإِحصاء، فَاستَدرَجَ قَومًا إِلى اتِّباعِه، فَهَلَكَ هو أَيضًا وتَشَّتَتَ جَميعُ الَّذينَ انقادوا لَه" (اعمال الرسل 5: 36-37). أمَّا عبارة "أَيحِلُّ دَفعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر أَم لا" في الأصل اليوناني δοῦναι فتشير الى سؤالٍ مُحرج ليسوع عن دفع الجزية للرومان لان هدفه إيقاعه في مأزق. فإن قال "يجوز دفع الجزية لقيصر"، لقال الفريسيّون إنه يقاوم الله الملك الوحيد الذي به نعترف، واتَّهموه بأنه مخالف للشريعة التي لا تجيز دفع جزية للغرباء واعتبروه خائنا لوطنه وعميلاً للمحتل فيخسر مصداقيته لدى اليهود. وإن قال "لا يجوز دفع الجزية"، اتهمه الهيرودُسِيِّونَ كمثير للفتنة ضد القيصر الذي وضع هذه الضريبة، وبالتالي بتهمة تحريض على التمرد لدى السلطات الرومانية كخائن لروما كما جاء في شهادة "شهود الزور" ضده: "وَجَدْنا هذا الرَّجُلَ يَفتِنُ أُمَّتَنا، ويَنهى عَن دَفْعِ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر" (لوقا 23: 2). فهو في الحالتين في مأزق نصبه الخصوم ليسوع حيث يعرّضه لخطر الملاحقة من قبل السلطة الرومانية.

أمَّا عبارة "قيصر" فتشير الى لقب رسمي للأباطرة الرومانيين الذي أُخذ من اسم العائلي ليوليوس قيصر الشهير وهو أول رجل أبتغى الحكم المطلق (14-37م) وخلفه فيه ابنه بالتَّبني الذي صار بعدئذ الامبراطور اوغسطس. وقد ورد هذا اللقب نحو 30 مرة في العهد الجديد. ويلقب به الأباطرة: أغسطس (لوقا 2: 1) وطيباريوس (لوقا 3: 1) وكلوديوس (اعمال الرسل 11: 28) ونيرون (اعمال الرسل 25: 8). هؤلاء الأربعة ذكروا بأسمائهم في العهد الجديد. وقد ولد المسيح في أيام اوغسطس قيصر ثم صلب في عهد طيباريوس. ومع أن المسيح لُقِّب بملك اليهود وصرَّح بأنه هو المسيح لم يقاوم السلطة الرومانية ولا تدخل في السياسة (يوحنا 18: 37 ومرقس 8: 29 -30 ويوحنا 14: 25 -26). بل قال: "أَدُّوا لِقَيصَرَ ما لِقَيصَرَ، ولِلهِ ما لِله" (مرقس 12: 17). وقال "لَيسَت مَملَكَتي مِن هذا العالَم" (يوحنا 18: 36). ومن ثم أجاز إعطاء الجزية لقيصر طالما هو يحكم بلاد اليهودية (مرقس 12: 14-17). وقيصر هو أول رجل أبتغى الحكم المطلق وخلفه فيه ابنه بالتبني الذي صار بعدئذ الامبراطور اوغسطس. وسريعا صار يُعتبر لقباً. وكان القيصر في ايام المسيح هو طيباريوس الذي اشتهر بالقسوة. وكانت الجزية مفروضة على كل رأس عائلة علامة الخضوع لقيصر. فالسؤال بكل بساطة يدور هل يسوع عميل مع الرومان المحتل الذي يعبد قيصر، أم أنه إسرائيلي لا غشَّ فيه يعبد الله؟

18 فشعَرَ يسوع بِخُبْثِهم فقال: لِماذا تُحاوِلونَ إِحراجي، أَيُّها المُراؤُون!

تشير عبارة " فشعَرَ " في الأصل اليوناني γνοὺς (معناها علم) الى قدرة يسوع على علمه في القلوب كما جاء في الإنجيل الطاهر" فقَد كانَ يَعلَمُ ما في الإِنسان" (يوحنا 2: 25). أما عبارة " خُبْثِهم " في الأصل اليوناني πονηρίαν (معناها شرهم) فتشير الى رياء ومكر خصومه من الفِرِّيسيّينَ والهيرودُسِيِّينَ ودوافعهم الانانية، إذ أدرك يسوع أن سؤالهم لا ينبع من رغبة حقيقيّة في المعرفة، فلم يكن ما يُحرِّك الفِرِّيسيّينَ محبتهم لشرائع الله، كما لم يكن ما يُحرِّك الهيرودُسِييِّنَ محبتهم للعدالة الرومانيةفكانوا يتظاهرون أنَّهم يرغبون في معرفة الحق ولكن غايتهم الحقيقية ان يصطادوه بكلمة. أطلق يسوع على خبثهم خمير "تَبَصَّروا واحذَروا خَميرَ الفِرِّيسِيِّين وخَميرَ هيرودُس!" (مرقس 8: 15)، ويُحذِّرنا السيد المسيح ان نحترس من التملق والمديح بل يجب ان نكتشفه لنتجنب الوقوع فيه. ويعلق البابا فرنسيس "هؤلاء يبحثون عن التملّق ليسوع فالمرائي بشكل ظاهر أم خفي، لا يقول الحقيقة ويبالغ وينمّي الغرور في نفسه.  يمكن للمنافق أن يتحدّث بلطافة إنما هو يحكم بوحشية على الآخر". (6/6/2017).  أمَّا عبارة "لِماذا تُحاوِلونَ إِحراجي " فتشير الى رفض يسوع بالدخول في منطق سائليه، لأنهم "يَنصُبونَ له المَكايِدَ لِيَصطادوا مِن فَمِه كَلِمَة" (لوقا 11: 54). لأنه إن أجاب على سؤالهم "نعم"، يصبح متعاونا مع العدو الروماني وغير جدير بالثقة؛ وإن أجاب "لا"، يصبح شخصا خطير ضد النظام الروماني. وإذا قارنّا تصرّف الفرّيسيين بتصرّف الشيطان في تجارب يسوع الثلاث (متّى 4: 1-11) لوجدنا الفعل اليوناني الأصل نفسه πειράζετε (تجرِّبون) بين الفريسيين والشيطان. كما فعل الشيطان المُجرِّب πειράζων (متى 4: 3) كذلك حاول الفريسيين يجربون يسوع.  أمَّا عبارة "المُراؤُون!" فتشير الى الفِرِّيسيّينَ بنوع خاص الذين يُبطنون غير ما يُظهرون. وقد كشف المسيح رياءهم ومكرهم لأنه لا يُخفى عليه شيء، ونعتَهم بالمرائين للمرّة الثانية في الإنجيل بعد المرة الأولى (متى 15: 7)، قبل أن يؤنّبهم بشدّة سبع مرّات (متى23: 13-36). فالمرائيّ يخدع نفسه قبل الآخرين. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "لقد دعاهم مُرائين حتى متى عرفوا أنه قارئ قلوب البشر لا يتجاسروا بعد أن يتمِّموا خططهم".

 19 أَروني نَقْدَ الجِزيَة. فَأَتَوهُ بِدينار.

تشير عبارة "نَقْدَ" في الأصل اليوناني νόμισμα الى عملة النقود التي كان اليهود يؤدُّونها كجزية.  أمَّا عبارة "الجِزيَة" فتشير هنا الى الدينار الذي عليه صورة القيصر. وكانت تدفع الجزية وعليها صورة قيصر والجزية لا تدفع إلاّ بالنقد الروماني لتذهب حالا الى مركز السلطة الرومانية. وكون أن اليهود يقدِّمون لقيصر الدينار الروماني، دلالة على اعترافهم أنهم تحت حكم قيصر؛ فالعملة الجارية تُظهر نظام الحكم والسلطة القائمة. وإن استعمال خصوم يسوع هذه العملة الرومانية برهان على أنهم يقبلون الاستفادة من نظام سياسي معيّن. وإذا أرادوا ان يرفضوا دفع الجزية، وجب عليهم ان يعترضوا على جميع أشكال الوجود الروماني، الامر الذي لا يعملونه.  ومع ذلك كان اليهود يستخدمون هذا النقد للجزية فيما يتعلق بالمعاملات المدنية. ولكن بما ان اليهود يرفضون الصور والتماثيل، كان لهم عملة الشاقل بلا صورة تمامًا يستخدمونها للمعاملات الدينية. اما عبارة "فَأَتَوهُ " فتشير الى وجود الدينار بحوزتهم داخل الهيكل يعني أنّهم يقرّون بحقوق قيصر عليهم. وهنا ينكشف من هم الذين يتعاملون في الحقيقة مع السلطة الرومانية. أمَّا عبارة "دينار" فتشير الى أصل لاتيني denarius (معناها عشرة) لان هذه العملة تساوي أصلا عشرة أسات رومانية، وكان الدينار عملة رومانية من الفضة، وهي أجرة يوم العامل في ذلك الوقت كما يتَّضح من إنجيل متى " فاتَّفقَ رب البيت معَ العَمَلةِ على دينارٍ في اليَوم وأَرسَلهم إِلى كَرْمِه" (متى 20: 2). وكان على اليهود ان يتعاملون بهذه العملة عندما يدفعون الجزية لروما.  وكان وجود الدينار في ايدهم جوابا لسؤالهم. فالفريسيّون باستعمالهم نقود الرومانيين أقرُّوا بسلطان قيصر عليهم فبيَّنوا بذلك انهم أجازوا تأدية الجزية له.   وقد نُقش على الدينار الذي كان متداولا في ايام السيد المسيح صورة طيباريوس قيصر واسمه وألقابهواما الجزية التي كانت تؤدي للهيكل فهي شاقل او نصف شاقل وهو نقد يهودي.

20 فقالَ لَهم: لِمَنِ الصُّورَةُ هذه والكِتابة؟

تشير عبارة "الصُّورَةُ هذه والكِتابة" الى صورة طيباريوس قيصر (14-37م)، الامبراطور الروماني الثاني (متى 22: 13) ومن حولها كتابة تنص: "طيباريوس قيصر، ابن أوغسطس الإله السامي"، وعلى الوجه الآخر من العملة صورة آلهة جالسة على العرش وحاملة غصن زيتون في يدها اليسرى وصولجان طويل في يدها اليمنى وحولها كتب "الكاهن الأعظم للأمّة الرومانيّة. تدلّ هذه الكتابة على أن هذه النقود هي مُلك القيصر. وهذه الصورة كما تذكِّر اليهود صورة القيصر على الدينار، بما عليهم له، يوجب أن تذكّرهم صورة الربّ التي خُلق عليها الإنسان، بما عليهم للربّ. يرفض يسوع مبدئيا صورة امبراطور الذي جعل نفسه إلها. ولم يجادل في مبدأ رفض الصورة، لانَّ صورة الله الوحيدة هي الانسان بلحمه ودمه.

21 قالوا: لِقَيصَر. فقالَ لَهم: أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله

تشير عبارة "أَدُّوا" في الأصل اليوناني Ἀπόδοτε (أي سدِّدوا) فتشير الى الجزية الواجبة وليس الى هبة، لان قيصر يدافع ويحمي الشعب ويمهِّد الطرق.  فغيّر يسوع سؤال الفريسيين من دَفعُ δοῦναι   الجزية اي إعطاء الجزية كهدية (متى 22: 17) الى فعل أدّوا " Ἀπόδοτε أي سدِّدوا كدين وواجب. فقول يسوع" أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله" تعني سدِّدوا ما هو مطلوب قانونيا، أي ادفعوا الدين. فالجزية لم تكن هبة بل دَيْنا؛ لقد اعطاهم قيصر ميّزة، وهي حكومة مستقرة، فهل يأخذون هذه، ويرفضون ان يدفعوا شيئا مقابل صيانتها.

أمَّا عبارة "أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله" فتشير الى جواب يسوع التي تُظهر حكمته وكماله بحيث أصبح جوابه قولٌ مأثور وحكمة على كل لسان على مرِّ الزَّمان. وهذه حكمة تلمّح الى ما ورد في سفر الامثال " يا بُنَيَّ اتَقِ الرَّبَّ والمَلِك" (أمثال 24: 21). وما ورد أيضا في سفر الجامعة "احفظ أَمرَ المَلِك، ومِن أَجلِ يَمين الله" (الجامعة 8: 2). لم يترك المسيح في جوابه بابا للشكاية الى الشعب او الى الحاكم الروماني. فالقيام بالواجبات السياسية لا يلزم ضرورة مخالفة القيام بالواجبات لله. يجب إعطاء الدينار لقيصر واعطاء النفس لله. وفي حالة التناقض بينهما وجب التصرف بحسب قول الكتاب المقدس "الله أَحَقُّ بِالطَّاعَةِ مِنَ النَّاس" (اعمال الرسل 5: 29).  أمَّا عبارة " لِقَيصَرَ ما لِقَيصر " فتشير الى الجزء الأول من جواب المسيح الموجّه خاصة الى الفريسيين الذين رفضوا في قلوبهم سلطان قيصر عليهم.   بما ان صورة قيصر صُكَّت على النقود، فله الجزية نقودا، فيطلب يسوع " أعطوه إياها، فأنها ليست لكم، فإن قيصر يطلب منكم ما هو له وما هو من حقه.  الكتاب المقدس يوجب الطاعة للحكومة السياسية والشريعة البشرية ضمن حدودها كما جاء في تعليمات بولس الرسول بقوله: "لِيَخضَعْ كُلُّ امرِئٍ لِلسُّلُطاتِ الَّتي بأَيدِيها الأَمْر، أَدُّوا لِكُلٍّ حَقَّه: الضَّريبَةَ φόρον لِمَن لَه الضَّرِيبة، والخَراجَ لِمَن لَه الخَراج τέλος، والمَهابةَ لِمَن لَه المَهابَة، والإِكرامَ لِمَن لَه الإِكرام." (رومة 13: 1-2، 7). إنَّ إطاعة السلطة المدنية واجب، لا خَوفًا مِنَ العقوبة المحتومة على نتائج العصيان وحسب، وإنما مُراعاةً لِلضَّميرِ أَيضًا (رومة 13/5). يتوجب علينا ان نعطي للحكام المدنيين كل ما هو واجب لهم، طالما ان ذلك لا يتعارض مع الواجبات التي تخص لله. أمَّا عبارة " للهِ ما لله " فتشير الى صورة الله التي صُكت على القلوب " فَخَلَقَ اللهُ الإِنسانَ على صُورَتِه على صُورَةِ اللهِ خَلَقَه َ" (التكوين 1: 27)، فله الجزية عبادة وسجودا أي يجب ان تُعطي النفس لله.  فالجزء الثاني من جواب المسيح كان موجّهاً بشكل خاص الى الهيرودسيين الذين كانوا في خطر ان ينسوا تأدية واجباتهم لله بسبب رغبتهم في الخضوع الى قيصر. فأعطوا الله ما هو لله وأعملوا بحسب شريعته ووصاياه. والله أيضاً يطلب منكم أن تقدموا له ما هو من حقه.  فقد طالبهم يسوع بدفع ما كان مطلوب قانوناً. هذا الامر لا يعني أن حقوق الله وحقوق الدولة لا ينفي الواحد منهما الآخر بل يتكاملان. وهذه العبارة تذكرنا بأن لله حقوق علينا -فإننا نقدم لله ما هو لله لأننا منه وإليه. أننا ننتمي إلى الله وأنّنا إليه سنعود.  لله يستحق منا الشكر والحمد والتسبيح والسجود والعبادة. وهذا العبارة التي أصبحت مثلا مأثورا لا تجيز بمطالبة المسيحيين بالخضوع غير المشروط تجاه الدولة. لا واجبات مطلقة الاَّ لله، وعلى ضوء الواجبات تجاه الله تأتي سائر الواجبات البشرية. ومع كل الحكمة في إجابة المسيح هذه في حق قيصر قد اتَّهموه شهود زورٍ أنه يُفسد الأمة ويمنع أن تعطي جزية لقيصر قائلًا إنه ملك " وأَخذوا يَتَّهِمونَه قالوا: ((وَجَدْنا هذا الرَّجُلَ يَفتِنُ أُمَّتَنا، ويَنهى عَن دَفْعِ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر، ويَقولُ إِنَّه المسيحُ المَلِك " (لوقا 23: 2). وباختصار، يفصل يسوع بين الدين والدولة، معتبراً أن لكل منهما وجهاً ودوراً يلتقيان في خدمة الانسان. كشف المسيح رياء الفريسيين والهيرودسيين واجابهم على مسألتهم بطريق لم يُعرض نفسه لاحد الفريقين. وعلمهم، علاوة على ذلك، تعليما مفيدا مُظهراً في كل ما كان سمو الحكمة السماوية والعلم الإلهي. إذا كان يجب علينا أن نعطي لله ما هو لله، فيجب علينا ان نعطي للناس ما يعود للناس محافظين على ما يؤول لخلاصهم.

 22 فلمَّا سَمِعوا هذا الكَلامَ تَعَجَّبوا وتَركوهُ وانصَرَفوا.

تشير عبارة "تَعَجَّبوا" الى إصابة كل من الفريسيين والهيرودسيين بالدهشة والحيرة من حكمته، إذ استوفى يسوع جواب الفريقين، ولم يُمكِّن أحدهما من علة للشكاية عليه، مع انهم كانوا يظنون انه لا يمكنه ان ينجو من الفخ الذي اخفوه له. اما عبارة "وتَركوهُ وانصَرَفوا" الى انتصار يسوع على خصومه الفريسيين والهيرودُسِيِّينَ تمامًا كما فعل الشيطان بعد انتصار يسوع عليه حيث نجد الفعل اليونانيّ الأصل هو نفسه. فكما ان الفرِّيسيين والهيرودسيين تَركوهُ ἀφέντες αὐτὸν كذلك الشيطان αὐτὸν ἀφίησιν تَركَه (متى 4: 11). لم يخالف يسوع الناموس بل اكَّد معناه الحقيقي ووضَّح انهم ايضا يخضعوا لقيصر لأنهم يتعاملون بعملة قيصر ولم يقدروا ان يقولوا انه مخالف لقيصر وانه مثير للفتنه، وبالرغم من كل ذلك اتهموه بأنه يُفسد الأمة ويمنع أن تعطي جزية لقيصر مدَّعيا أنه ملك " وأَخذوا يَتَّهِمونَه قالوا: ((وَجَدْنا هذا الرَّجُلَ يَفتِنُ أُمَّتَنا، ويَنهى عَن دَفْعِ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر، ويَقولُ إِنَّه المسيحُ المَلِك" (لوقا 23: 2).

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 22: 15 -21)

 بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 22: 15 -21)، نستنتج انه يتمحور حول موقف يسوع من دفع الجزية من تيارات زمنه الدينية المختلفة الفرِّيسيَّة والهيرودُسية. ومن هنا نتساءل ما هي الجزية في مفهوم الكتاب المقدس؟ ما هو موقف يسوع من دفع الجزية؟ وكيف نعيش كلمة يسوع في هذا المجال؟

1) ما هو مفهم الجزية في الكتاب المقدس؟

طرح رؤساء الشعب اليهودي على يسوع أسئلة خطيرة، ومنها: الجزية لقيصر (متى 22: 15022)، إقامة الأموات (متى 22: 23-33)، الوصية الكبرى (متى 22: 34-40)، ابن داود (متى 22: 41-46). واليوم نتناول الموضوع دفع الجزية في العهد القديم والعهد الجديد.

في فلسطين هناك ضريبتان: الضريبة المدنية والضريبة الدينية. والضريبة المدنية كانت تُدفع للملوك اليهود مثل للملك سليمان، وللوثنيين مثل ملوك الفرس واليونانيين والرومانيين.

 وفي أيام المسيح كان الشعب يدفع نوعين من الضرائب المدنيَّة: ضرائب مباشرة، وأخرى غير مباشرة، أمَّا الضرائب المباشرة فتُدفع على اساس المدخول الإنتاجي كلٌّ بحسب امكانياته المادِّية، والضرائب غير المباشرة هي بمثابة رسوم جمركية تُدفع مقابل العبور على الطرق ومداخل المدن. وسأل الفريسيون يسوع عن شرعية كلتا الضريبتين " أَيحِلُّ دَفعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر أَم لا؟" (متى 22: 17).

  ويتم تحصيل الرسوم الضريبة عن طريق جباه الضرائب، إذ يتفق شخص او مجموعة أشخاص مع الدولة على دفع مبلغ معيّن كل سنة، ولمدة خمس سنوات. فعلى سبيل المثال زكا عجابي الضرائب على مدخل اريحا، ومتى اللاوي على مدخل كفرناحوم.

وفي أيام يسوع كانت أنواع كثيرة من العملة، منها من المعادن الثمينة كالذهب والفضة، ومنها المعادن العادية كالبرونز والنحاس. وسُميت العملة بأسماء متنوعة منها الدينار والدرهم والاستار، وكان من عادة كل حاكم ان يصكُّ عملة خاصة به، وتُدفع الضرائب لروما بعملة قيصر التي تحمل صورته.

أمَّا النوع الثاني من الضرائب، فهو الضريبة الدينية، وتنقسم تلك الضريبة الى قسمين: القسم الأول يُخصص للهيكل من اجل ترميمه ولإعالة الكهنة الذين يخدمون فيه؛ يدفعها كلُّ إسرائيلي بلغ عمره أكثر من ثلاث عشرة سنة.  وكان الضريبة في ايام يسوع درهمين كما ورد في سيرة يسوع المسيح: "لَمَّا وَصَلُوا إِلى كَفَرناحوم، دنَا جُباةُ الدِّرهَمَينِ إِلى بُطرس وقالوا له: أمَّا يُؤَدِّي مُعَلِّمُكُمُ الدِّرهَمَين؟" (متى 17: 24).

والقسم الثاني من الضريبة هو الاعشار، فعلى كل إنسان ان يدفع عُشر ما تنتجه أرضه، عرفان شكر للرب الذي وهبها له، وكانت الاعشار تُوزع على الكهنة والفقراء "الوَيلُ لَكم أَيُّها الكَتَبَةُ والفِرِّيسيُّونَ المُراؤون فإِنَّكم تُؤَدُّونَ عُشْرَ النَّعْنَع والشُّمْرَةِ والكَمُّون، بَعدَما أَهمَلتُم أَهَمَّ ما في الشَّريعة: العَدلَ والرَّحمَةَ والأَمانة. فهذا ما كانَ يَجِبُ أَن تَعمَلوا بِه مِن دونِ أَن تُهمِلوا ذاك"(متى 23: 23).

الجزية في العهد القديم

للدلالة على الجزية استعمل العهد القديم لفظة מְנֻחָה التي تعني هديّة، تقدمة، والتي دلّت على عدد من الذبائح. فالجزية هي مال أو بضاعة أو خدمة تُقدَّم من أمة أو من فرد لأمة (قضاة 1: 28) أو للملك علامة الخضوع والنفقة، او ضريبة تُفرض على المغلوب، أو تُدفع لملك غريب دلالة على التبعيّة.  ويمكن ان نميّز ثلاثة مستويات من الجزية: جزية يدفعها افراد إسرائيل الى الله او الملك، وجزية يدفعها الملوك لبني إسرائيل، وجزية يدفعها بني اسرائيل للملوك. ودفع الجزية يعني الاعتراف بالحكم السياسي القائم، ولو كان مستّعمِرا.

المستوى الأول: جزية يدفعها افراد إسرائيل الى الله او الملك. الجزية حسب الشريعة الموسوية هي عبارة عن درهمين كانت تفرض على كل نفس فوق سن العشرين ومقدارها نصف شاقل ينفق في سبيل خدمة خيمة الاجتماع "هذا ما يُعْطيه كُلُّ مَن كانَ خاضِعاً لِلإحْصاء: نِصْفُ مِثْقالٍ بِحَسَبِ مِثْقالِ القُدْس-المِثقالُ بِعِشرْينَ دانَقاً-نِصْفُ المِثْقالِ يَكونُ تَقدِمةً لِلرَّبّ " (خروج 30: 13)، وقد جعل الملك سليمان على الشعب جزية ثقيلة (1 ملوك 12: 4).

ثم في أيام نحميا كان كل اسرائيلي يدفع جزية اختيارياً هو (ثلث) شاقل لنفقة الخدمة في الهيكل كما جاء في محضر العهد الذي قطعته الجماعة: "نُؤَدِّيَ عن أَنفُسِنا ثُلثَ مِثْقالٍ في السَّنَةِ لِخِدمَةِ بَيتِ إِلهِنا (نحميا 10: 32 و33) ثم صار فيما بعد نصف شاقل كضريبة سنوية تجمع من كل يهودي جاوز العشرين من عمره في كل أنحاء العالم. وكان واجب على كل ذكَر في زمن يسوع أن يدفع نصف شاقل ضريبة للهيكل كل سنة (خروج 30: 11-14).

 المستوى الثاني: ذكر الكتاب المقدس الجزية الباهظة التي دفعتها الأمم لملوك بني اسرائيل مع بعض المبالغة. مثلاً قيل إن سليمان تسلّم الجزية من كل الممالك بين الفرات وأرض الفلسطينيين (1ملوك 5 :1) جزية سنوية (1ملوك 10 :25). ونشير أيضًا هنا إلى الجزية التي دفعها موآب وأرام لداود الملك (2صموئيل 8 :2، 6)، وميشع، ملك موآب لآخاب (2 ملوك 3 :4)، والفلسطينيون ليوشافاط (2أخبار 17 :11)، والعمونيون لعزّيا (2أخبار 26 :8). والعالم القديم كله كان يدفع الجزية للملك داود كما جاء في سفر المزامير " مُلوكُ تَرْشيشَ والجُزُرِ الجِزيَةَ يؤدُّون ومُلوكُ شَبَأَ وسبَأَ الهَدايا يقَدِّمون. جَميعُ المُلوكِ لَه يَسجُدون كلّ الأمَمِ لَه يَخدُمون. (مزمور 72: 10-11).

المستوى الثالث: ذكر الكتاب المقدس الجزية التي دفعها بنو اسرائيل لعجلون الموآبي (قضاة 3 :15-18)، والملك هوشع لشلمنأصر (2ملوك 17 :3-4)، والملك يوآش للأراميين (2أخبار 24 :27). كما حُمل عجل بيت ايل إلى أشورية كجزية للملك العظيم (هوشع 10 :6)، وفرض السلوقيون الجزية (1ملوك 3 :29). أمَّا ديمتريوس الأول فعفا منها اليهود (1ملوك 10 :29-33). وإن أنطيوخس الرابع دفع للرومانيين جزية فرضوها عليه في معاهدة أفاميا (188 ق.م.).

الجزية في العهد الجديد 

استعمل إنجيل متى كلمة يونانية κῆνσον من أصل لاتينية censum (متى 22: 17 ومرقس 12: 14) للدلالة على "الجِزيَةِ، والجزية هي الدينار الروماني. وعلى الدينار منقوش صورة وكتابة.  وهذه النقوش لا توافق مبادئ الشعب اليهودي الذي ترفض الصور خاصة صورة الإمبراطور نفسه التي جعل نفسه الها، محاولا ان يجعل رايته في هيكل اورشليم. ولم يجادل يسوع رفض الصور، إنما ترك للناس حرية خيارهم السياسي إلا ان إكرام الله له الأولوية على كل شيء.

واستخدم لوقا الإنجيلي لفظ φόρος (معناها الضريبة) (لوقا 20 :22) في الجدال حول الجزية التي تُدفع لقيصر؛ واتهم يسوع بأنه يمنع اليهود من دفع الجزية φόρος (لوقا 23 :2). وكلمة " φόρος" قد استعملها يوسيفوس فلافيوس ليتحدّث عن الجزية الرومانية التي فرضها بومبيوس على منطقة اليهودية وعلى أورشليم، وحوّلها من أجل رومة. ولما جاء يوليوس قيصر، خفّف هذه الضريبة، بل عفا اليهود منها في السنة السبتية. وإحصاء قيرينِيوس حاكمَ سورية كان في خدمة الضرائب التي تُجمع بشكل خاص في سورية وفي اليهودية في زمن الاحصاء (لوقا 2: 2).

وأمَّا محاورة المسيح وبطرس في أمر الجزية التي دفعها المسيح في كفرناحوم فكان المقصود بها أن يوضِّح المسيح لبطرس أنه كان ممكناً أن يعفي (المسيح) من دفع الجزية لو شاء، لأنه ابن الله الذي كانت تدفع تلك الضرائب لخدمة بيته لكنه دفع الاستار لكيلا يعثِّر الشعب (متى 17: 24-27).

 وعلاوة على التكاليف غير المباشرة (من رسوم وجمارك)، كانت الاقاليم تؤدِّي للإمبراطورية الرومانية "الجزية"، وكانت هذه واحدة لجميع اليهود، ولم يكن يُعفى منها إلاّ الاولاد والشيوخ. وكانت الجزية تُعد علامة خضوع الشعب لروما والاعتراف بالحكم السياسي القائم. وكان اليهود يكرهون الجزية، لان الاموال كانت تذهب مباشرة الى خزانة قيصر، حيث يذهب جزء منها للصرف على المعابد الوثنية والحياة الإباحية التي تتسم بها الأرستقراطية الرومانية. كما أنَّ صورة قيصر على العملة تذكر اليهود بخضوعهم لروما. وكان الغيورون (الثوار اليهود) ينهون أنصارهم عن تأديتها كما جاء في كتب يوسيفوس عن غيوري يهوذا الجليلي أنهم لم يقبلون أن يدفعوا الجزية للرومان، ولا كانوا يتحمّلون أسياداً مائتين بجانب الله.

وحث بولس الرسول المؤمنين على دفع الضرائب (رومة 13 :7). ويقول يوسيفوس المؤرخ أنه بعد خراب أورشليم ألزم الامبراطور فاسبسيان جميع اليهود في أنحاء الامبراطورية أن يدفعوا لهيكل جوبيتر في روما، الدرهمين اللذين كانوا يدفعونهما سابقاً للهيكل. في هذه النصوص كما عند كتابات يوسيفوس (الحرب 12 :158) دلّت φόρος (الجزية) على ضريبة تُدفع للإمبراطور، فتميّزت عن سائر الضرائب مثل "تالوس" التي قد تفرضها سلطات البلد كما يفرضها البلد المحتلّ. أمَّا في المفهوم الإسلامي فالجزية تختلف معناها كليا هي ما يعطيه اهل الذمة من المال،  وهي فعل من الجزاء كأنها جزت عن قتله

2) ما هو موقف يسوع من دفع الجزية؟

في اليوم الثاني لوجوده في أورشليم (لوقا 21: 18) دخل يسوع ساحات الهيكل واخذ يجيب على سؤال الفرّيسيين والهيرودسيين " أَيحِلُّ دَفعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر أَم لا؟"  قائلا ((أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله)). يُمكن ان نطبق جواب يسوع لدفع الجزية على ثلاثة اصعدة من الناحية اللاهوتية والاخلاقية والسياسية.

(أ) على الصعيد اللاهوتي

اظهر لنا يسوع من خلال مبدئه " أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله" (متى 22: 21) ان لنا انتماء مزدوجاً: الله والدولة. إن الإشارة إلى صورة قيصر المحفورة على العملة، تقول إنه من العدل أن نشعر بأنّنا مواطني الدولة ولنا الحقوق والواجبات، لكنّها رمزيًّا تجعلنا نفكّر في الصورة الأخرى المحفورة في كلّ إنسان: صورة الله. هو ربّ كلّ شيء، ونحن، الذين خُلِقنا "على صورته"، إننا ننتمي إليه.  ويعلق البابا فرنسيس "لمن أنتمي أنا؟ للعائلة، للمدينة، للأصدقاء، للعلم، للعمل، للسياسة، للدولة؟ أجل، بالطبع. لكن قبل كلّ شيء، يذكّرنا يسوع أنت تنتمي لله. هذا هو الانتماء الأساسي. هو الذي أعطاك كلّ ما أنت عليه وكلّ ما لك".

إنتماؤنا للدولة يقتضي منا دفع الأموال للخدمات التي نتمتع بها، وانتماؤنا لله يقتضي ان نقدم لله، ولاء نفوسنا وطاعتها.  فيسوع لا يقارن هنا بين مملكتين متوازيتين، بل يفصل بينهما. فصل الدّين عن السّياسة، فالسّياسة مصالح والدّين مبادئ وتقوى وأخلاق. فالمؤمن الذي يُعطي لله ما لله يضع الله في المقام اللائق به: المقام الأول. الله الذي لا يقارن بأحد ولا بأي شيء آخر، لأنه فوق الجميع وفوق كل شيء. وكل الخليقة يجب أن تؤدِّي لله ما هو لله أولاً، وكل شيءٍ آخر يتبع.

ويطالبنا سيدنا يسوع المسيح "اطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَه وبِرَّه تُزادوا هذا كُلَّه" (متى 6: 66)؛ ويشدِّد على ذلك بطرس الرسول "اِتَّقوا الله، أَكرِموا المَلِك" (1 بطرس 2: 17)، وهكذا يطلب بولس الرسول من أتباعه ان يصلوا لأصحاب السلطة "فأَسأَلُ قَبلَ كُلِّ شَيءٍ أَن يُقامَ الدُّعاءُ والصَّلاةُ والاِبتِهالُ والشُّكرُ مِن أَجْلِ جَميعِ النَّاس ومِن أَجْلِ المُلوكِ وسائِرِ ذَوي السُّلْطَة، لِنَحْيا حَياةً سالِمةً مُطمَئِنَّة بِكُلِّ تَقْوى ورَصانة" (1 طيموتاوس 2: 1-2).

راح جواب يسوعُ إلى أبعدِ من ذلك، "أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله" (متى 22: 21) مُشيراً إلى ما هو محور الموضوع وجوهره: "اعطوا لله ما هو أصلاً له"، فكما ان القطعة النقدية الرومانية تحملُ صورة القيصر، هكذا يحملُ قلب كل كائن بشري صورة الله، لقد خلقنا الله على صورتهِ كمثاله، إذا نحنُ له وإليه يجبُ ان نعود، وحده يستحق جزية ذاتنا الكاملة، يستحق منا الشكر والحمد والتسبيح والسجود والعبادة.  أن ندفع الجزية للقيصر هو أمرٌ مهم، ولكن الأهم هو أن نُعطي الله حياتنا وقلبنا كأبنائه الاحرار. ليست هنا ثنائيّة بين عطاء قيصر حقّه وعطاء الله حقّه، فإن كليهما ينبعان عن قلبٍ واحدٍ يؤمن بالشهادة لله خلال الأمانة في التزامه نحو الله والآخرين.

إن نشر الرومان للقطع النقدية التي تحمل صورة قيصر في الأراضي الخاضعة للإمبراطورية لم تكن طريقة لممارسة السيادة فحسب، بل أيضًا لتعزيز عبادة الإمبراطور.  لكن مبدأ المسيح أشار " أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله" يعترف بسلطة قيصر على الأشياء وسلطة الله على الحياة، والسلطة على الحياة لا يملكها أي شخص سوى مَن يمنحه إياها.  ومن هذا المنطلق يعترف يسوع أيضا ان الواجبات تجاه الله غير الواجبات تجاه القيصر. مطلوب في الدرجة الأولى الاعتراف بسيادة الله وابنه يسوع المسيح على العالم وعلى التاريخ إذ "صارَ مُلكُ العالَمينَ لِرَبِّنا ولِمَسيحِه. فسَيَملِكُ أَبَدَ الدُّهور" (رؤيا 11: 15)؛ ويشير ايضا الى الاعتراف بانه لا يجوز للإنسان ان يخضع حريته الشخصية، اخضاعا مطلقا، لأي سلطان ارضي، بل للآب وحده، وللرب يسوع المسيح "الله أَحَقُّ بِالطَّاعَةِ مِنَ النَّاس" (اعمال الرسل 5: 29). والكنيسة "تؤمن أنَّ مفتاح تاريخ البشر، ومركزه، وغايته هي في ربِّها ومعلمها "(التعليم المسيحي الكاثوليكي، 450)، وليس في "قيصر" فقيصر ليس "الرب".

ان حق الله فوق كل حق. والطاعة لله لها طابع مطلق ونهائي. فاذا كانت الواجبات تجاه البشر لا تعارض واجباتنا تجاه الله ينبغي ان نقوم بها كما جاء في تعليم بولس الرسول " لِيَخضَعْ كُلُّ امرِئٍ لِلسُّلُطاتِ الَّتي بأَيدِيها الأَمْر، فلا سُلْطَةَ إِلاَّ مِن عِندِ اللّه، والسُّلُطاتُ القائِمة هو الَّذي أَقامَها"(رومة 13: 1). لذلك يتوجب علينا ان نعطي للحكام المدنيِّين كل ما هو واجب لهم، طالما ان ذلك لا يتنافى مع واجبات تجاه الله. فكما يطلب قيصر صورته على عملته هكذا يطلب المسيح صورته فينا. نحن نحمل صورتههل نعطي لله كل ما هو له؟

 (ب) على الصعيد الأخلاقي

 يقتضي مبدأ المسيح "أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله" (متى 22: 21) وجها أخلاقيا، لموقف المسيحي حيال الحكومة. جواب يسوع له الأثر العميق على مجرى الفكر المسيحي في المشاكل الادبية لموقف المسيحي حيال الحكومة؛ فواجبنا نحو الله لا يتعارض مع واجبنا نحو الحكومة، فنحن مدينون لكليهما.

يطالب يسوع المسيحيِّين ان يؤدوّا واجباتهم تجاه السلطة السياسية، ولا يقلبوا النظام الذي أساسه العدل، ولا يعطلوا القوانين التي تنفع الخير العام بل أن يُميّزوا ما هو لله وما هو لقيصر، دون ان يقاوم الواحد الآخر، وأن الأولويّة هي دائمًا لله. وان نتعاون بإخلاص، من أجل صالح الدولة والخير العام. ويعلق البابا فرنسيس "المسيحي هو مدعوّ إلى الالتزام في الواقع الأرضي إنما ملقيًا عليه النور الآتي من الله. إن تسليم الذات بالأولوية لله والرجاء به لا ينطويان على الهروب من الواقع، إنما الجهد في إعادة ما هو لله، لله. ينظر المؤمن إلى واقع الله، كي يحيا الحياة الأرضية بملئها، ويواجه تحدّياتها بكلّ شجاعة" (عظة الاحد 22/10/2017).

من الممكن ان نكون مسيحيين حقيقيين ومواطنين موالين في الوقت نفسه. فالمسيحي يعيش كمواطن صالح في بلده ويحترم قوانينها، يقوم بواجباته ويدفع الضرائب، ويساهم في الجمعيات ويشارك في الحياة السياسيّة. وهذا ما جعل اتباع يسوع يتبعون هذه الوصية. فقال القديس بطرس: "إتَّقوا الله، أَكرِموا المَلِك" (1 بطرس 2: 17)؛ أمَّا القديس بولس فقال: "أَدُّوا لِكُلٍّ حَقَّه: الضَّريبَةَ لِمَن لَه الضَّرِيبة، والخَراجَ لِمَن لَه الخَراج، والمَهابةَ لِمَن لَه المَهابَة، والإِكرامَ لِمَن لَه الإِكرام" (رومة 13: 7). وان نكون دوما أمناء تجاه الله كما نحن أمناء تجاه السلطات المدنية. وبهذا المعنى قال بولس الرسول " يَخضَعْ كُلُّ امرِئٍ لِلسُّلُطاتِ الَّتي بأَيدِيها الأَمْر، فلا سُلْطَةَ إِلاَّ مِن عِندِ اللّه، والسُّلُطاتُ القائِمة هو الَّذي أَقامَها " (رومة 13: 1). لذلك يحضُّ بولس المسيحيين على دفع الضرائب، لأن السلطات خدّام لله. يجب أن نطيع السلطة السياسية وندفع الضرائب، لأن السلطة " في خِدمَةِ اللّهِ في سَبيلِ خَيرِكَ" يقول بولس الرسول (روم 13: 4 أ). هذه هي تعليمات الكتاب المقدس على الانسان المسيحي ان يلتزم بها.

ويستطيع الانسان أن يوفّق بين التزامه الدينيّ والمـدنيّ، خاصةً إذا كانت قرارات الدولة لا تتنافى مع النظام الأدبيّ الذي أراده الله.  لكن على المواطن واجب ضمير بأن لا يخضع لأوامر السلطات المدنية عندما تفرض ما يتعارض ومقتضيات النظام الخلقي، والحقوق الاساسية للأشخاص وتعاليم الانجيل والضمير المستقيم والكرامة الانسانية. وهذا الرفض يجد تبريره في التمييز بين خدمة الله وخدمة الجماعة السياسية "أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله"، وهذا كان رد فعل بطرس والرسل امام مجلس اليهود "الله أَحَقُّ بِالطَّاعَةِ مِنَ النَّاس" (اعمال الرسل 5: 29).

 ونستنتج مما سبق انه للمؤمنين التزامات قانونية تجاه كل من الله والحكومة. لكن المهم ان نحفظ اولوياتنا سليمة، فعندما يتصارع الواجبان، فدائما ما يأتي واجبنا نحو الله أولا. "ويحق للمسيحيين ان يدافعوا عن حقوقهم وحقوق مواطنيهم، ويقاوموا تجاوزات هذه السلطة، على ان يراعوا الحدود التي رسمتها الشريعة الطبيعية والشريعة الانجيلية" (وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني،( ك ع 74.).

 (ج) على الصعيد السياسي

لم يقسم يسوع من خلال المبدأ "أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله" (متى 22: 21) مجالات العمل بين الله وقيصر، بين السياسة والدين. أن الواجبات للدولة مقدسة وضمن الواجب الديني. فحين نُعطي ما لنا لله فإننا نعطيه كل شيء، نسلمه حياتنا كلها مع التزاماتنا الشخصية والسياسية ايضاداخل ما نعطيه لله هناك التزاماتنا الدينية تجاه قيصر، تجاه المسؤولين عن حياة الجماعة والدولة ومؤسساتها.

يدفعنا كلام يسوع الى خدمة قيصر حين يكون قيصر في خدمة جماعة يؤمِّن لها المساعدة؛ ويدفعنا الى معارضته حين يقود الى شقاء شعبه ولا سيما الضعفاء والفقراء او الابتعاد عن عبادة الله الحق كما حدث مع رجال الله مثل دانيال شَدرَكَ وميشَكَ وعَبدَ نَجو الذين كانوا خاضعين لنَبوكد نصَّر ما عدا ما يخالف وصايا الرب (دانيال 2: 49). فيتوجب على المسيحيين ان يقوموا بدورهم في حياة الجماعة السياسية كما أكدت تعليم الكنيسة. (التعليم المسيحي الكاثوليكي، 2231). فهناك احترام الكنيسة لقيصر، فلا تتدخل في السياسة بل تعطيه حقّه في تدبير أموره، لكن ليس على حساب حق الله وشهادتها له.

ويُرشدنا النص الإنجيلي (متى 22: 15 -21) الى التعامل مع السياسة. و"السياسة" ليست سوى فنّ العمل من أجل الصالح العام للشعب. وفي هذا النص نجد أولا فضائل يسوع المطلوبة للتعامل في السياسة وقد أقرّها خصومه" يا مُعَلِّم، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ صادق، تُعَلِّمُ سَبيلَ اللهِ بِالحَقّ، ولا تُبالي بِأَحَد، لأَنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النَّاس" (متى 22: 16).  انه رجل نزيه لا يُشْتَرى، ولا يتورط في غش او خداع او تحكيم، ولا يتذلل امام قوى العصر الغاشمة، إنه رجل سديد الرأي. وهذه الصفات النادرة تؤهل الانسان ليمارس السياسة ممارسة مسيحية.

وثانيا، قبل الخوض في قرارات سياسية يتوجب على الانسان ان يدرس السؤال ويدقّق فيه، وأن يفكر فيه ويُحلله، وواجبه ايضا ان يتفحص الامر قبل ان يصدر حكمه، وألاّ يتصرّف على هواه لكيلا يقع في فخ السياسة.   لذلك قال يسوع للفِرِّيسيُّينَ والهيرودُسِيِّينَ" أَروني نَقْدَ الجِزيَة. فَأَتَوهُ بِدينار" (متى 22: 19)؛ ومن هنا يتوجب علينا ان نطرح الأسئلة أيضا على الآخرين وان نتباحث ونتدارس الامر معاً كما فعل يسوع "فقالَ لَهم: لِمَنِ الصُّورَةُ هذه والكِتابة؟ (متى 22: 20).

وثالثا، يُدلى الانسان برأيه صريحا ن وهو ان في العالم سلطة مدنية " أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله “.  فجاءت عبارته حكمة على كل لسان كدستور يقضي بالتعايش بين السلطتين الدينية والمدنية.  ويسوع يريدنا ان نؤدي لكل صاحب صورة عندنا حقه، فصورة القيصر قد صُكت عندنا على النقود، فله الجزية نقوداً، وأمَّا صورة الله قد صُكت عندنا على القلوب، فله الجزية عبادة وسجودا. يعلق القديس أوغسطينوس "كما يطلب قيصر صورته على العملة هكذا يطلب الله صورته فينا".

وأمَّا انتماؤنا للدولة فيقتضي دفع الاموال للخدمات التي نتمتع بها والمشاركة في المسؤولية عن الخير العام بما فيه المشاريع الاجتماعية العامة الضرورية، كجلب الماء والكهرباء والبريد وفتح الشوارع لفائدة الجميع، كما ولا ننسى دفع معاشات موظّفيِّ الحكومة الّذين يخدمون الشعب. وماذا نقول عن بناء المدارس ورياض الطفال والمستشفيات وملاجئ العجزة والدفاع عن البلد. وقد أوضّح ذلك القديس بولس الرسول " أَدُّوا لِكُلٍّ حَقَّه: الضَّريبَةَ لِمَن لَه الضَّرِيبة، والخَراجَ لِمَن لَه الخَراج، والمَهابةَ لِمَن لَه المَهابَة، والإِكرامَ لِمَن لَه الإِكرام. (رومة 13: 7).

والعجيب اننا نريد أن تُؤمِّن لنا الدولة كل أنواع الخدمات مثل المياه والكهرباء والمجاري والطرق والمدارس والمواصلات والشرطة لحمايتنا، ولكنّنا لا نريد أن نعطي الدولة حقها حتى تستطيع أن تؤدي تلك الخدمات.  فواجب المسيحيين كمواطنين هو ان يساهموا مع السلطات المدنية لخير المجتمع بروح الحقيقة والعدالة والتضامن والحرية. وتعلّم الكنيسة أن الانتماء الاجتماعي للإنسان هو من حُكْم طبيعته نفسها، وطليعة هذا الانتماء هي العائلة والجماعة القريبة، ثم المدينة والوطن. فالوطن يضمن حرّية الناس لا يسلبها.

المواطن الحقيقي هو ذاك الشخص الأمين لمسؤوليته الدينية والمدنية، والملتزم بكل الواجبات الوطنية، لا يهرب من عمل صالح، ولا من خدمة الآخرين، ولا من مسئوليات وظيفته، ولا من واجبه الوطني المدني والعسكري، ولا من إداء الضرائب، ولا من دوره في بناء المجتمع من خلال الأحزاب والنقابات والجمعيات واتحادات الطلاب وكافة مؤسسات المجتمع المدني. فواجبه نحو الله لا يتعارض مع واجبه نحو الحكومة، فهو مديون لكليهما.  فحقوق الله وحقوق الدولة لا ينفي الواحد منهما الآخر (رومة 13: 1-7)، لذلك يُكرر البابا والأساقفة القول "لا يحق لأي مسيحي ان يظل خارج الطوق، وبعيداً عن هذا الإطار.

3) كيف يمكننا ان نعيش واجباتنا السياسية؟ 

يفصل يسوع بين الدين والدولة، معتبراً أن لكل منهما وجهاً ودوراً يلتقيان في خدمة الانسان. إن انتظام الانسان في دولة ما هو لحمايته وتأمين سلامته وإعطائه صفة المواطن الذي يتنازل عن حقه بالحكم لصالح الجماعة الكبيرة التي تتعهده، ضمن إطار الحقوق الانسانية المشروعة والواجبات العادلة. لكن السؤال الصعب الذي أمامنا اليوم: هل ندفع الضرائب للدولة الحاكمة أم لا؟ خاصة في الحالات الصعبة، أي في حالة كانت الدولة معادية للإنجيل، أو كانت دولة محتلة أو دولة ظالمة؟

 أن الواجبات للدولة مقدسة وضمن الواجب الديني. أراد يسوع بعبارة "أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر" (متى 22: 20) أن يعترف بحقِّ الحكومة القائمة التي تنظِّم حياة المواطنين.  إذ كل سلطة هي من الله" يقول بطرس الرّسول (2 بطرس 1: 3). ويتوجب علينا أن نطيع القوانين ما دامت هذه القوانين لا تطلب منا ما يخالف إيماننا وضمائرنا وولاءنا الرئيسي للربّ. أنّه في المكان الذي يُحترَم فيه الله، يستطيع الإنسان أن يتنفّس بحريّة وتُصبح الدولة المكان الذي يجد كلُّ واحدٍ فيه مكانهُ.

 نعيش واجباتنا السياسية ليس بإقامة مملكة روحية بعيدة عن واقعنا، مملكة مثالية، بعيدا عن عبء الحياة، لكن بقدر ما نحافظ على كرامتنا وكرامة الانسان الذي "خلقه اللهُ على صُورَتِه ومثاله (التكوين 1: 26)، ولا نسمح لأي شخص او شيء، او قوة تقضي عليها.

نعيش واجباتنا السياسية والمواطنة بالتحلي بروح المسؤولية والالتزام بمبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتحرر من التعصب والتحيِّز، وباهتمامنا بالخير العام، وباحترامنا القوانين والنظام العام والانتماء والعطاء وحب الوطن والتضحية من أجله والدفاع عنه.

نعيش واجباتنا السياسية بدفع "الضريبة" حيث نكون مساهمين في تمويل خزينة الدولة التي تعود وتوزِّع المداخيل على شكل معونات اجتماعية ضمن إطار السياسات الاجتماعية من صحة وتعليم وسكن لائق وغيرها الهادفة الى رُقي المواطن وصولاً الى مجتمع الرفاه. لذلك إنّ دفْعَ الضرائب لقيصر ليس فقط مشروعًا، لكنّهُ أيضاَ واجِب، إنهُ واجبٌ مدنيّ. مَن لا يدفع الضرائب المُترتّبة عليه هو سارق ويمنع الدولة من رعاية الخير العام ونمو الشعب.

نعيش واجباتنا السياسية والمواطنة بالعمل على حماية الحياة والدفاع عنها، واحترام حقوق الانسان والتسامح وقبول الآخر وحرية التعبير وبالحرص على الممتلكات العامة من طُرقات ومبان ووسائل نقل وسلامة البيئة.

 نعيش واجباتنا السياسية عندما نتخلى عن مواقفنا السلبية ونشارك بفاعليةٍ بتطوير بلدتنا ووطنناً، ونقدم الأفكار والاقتراحات بحس نقدي بنَّاء، وننخرط في النسيج الاجتماعي من خلال الجماعات والمؤسسات التطوعية التي تربط المواطنين بحياة مجتمعاتهم.

 نعيش واجباتنا السياسية عندما نتطوعُ لخدمةِ المجالات الصحية والاجتماعية والمدنية، وعندما نتقنُ عملنا ونساهم في خلق مجتمع أفضل. ونقوم بكل عملٍ بكفاءةٍ ومحبة، لأننا هكذا نخدمُ يسوع من خلال خدمتنا للأخرين ومساهمتنا حتى نجعل الدولة والمجتمع في خدمة الإنسان، فيستجيبان لمشروع الله على البشرية.

التزام المسيحي بالطاعة لقيصر أو للرؤساء وتقديم حقوق الوطن عليه من ضرائب والتزامات أخرى أدبيّة وماديّة فيها شهادة حق لحساب الله نفسه. إذن ليست هنا ثنائيّة بين عطاء قيصر حقّه وعطاء الله حقّه، فإن كليهما ينبعان عن قلبٍ واحدٍ يؤمن بالشهادة لله خلال الأمانة في التزامه نحو المواطنين الآخرين ونحو الله.

 الخلاصة

دخل يسوع الهيكل في اورشليم (متى21: 18)، وهناك جرت خمس مجادلات مع الفريسيين والصدوقيين فالمجادلة الأولى كانت حول موضوع سُلطته، من أين هي، من الله أم من الناس؟ لم يجب يسوع مباشرةً عن هذا السؤال إنما أعطى ثلاثة أمثال (الابنين، الكرّامين القتلة، ووليمة الملك) مبيّنًا أن سلطته من الله. أمّا مواضيع المجادلات الأربع الأخرى فهي: مجادلة مع الفريسيين والصدوقيين حول أداء الجزية لقيصر (متى 22: 15-22)، ومجادلة مع الصدوقيين حول قيامة الأموات (متى 22: 23-33) ومجادلة مع معلم الشريعة حول أكبر الوصايا (متى 22: 34-40) وفي النهاية مجادلة مع الفريسيين حول وكيف يمكن للمسيح أن يكون ابن داود وربّه في الوقت نفسه (متى 22: 41-46).

ويوضِّح متّى الانجيلي في المجادلة الثانية غاية انعقاد مجلس شورى الفرّيسيين وهو: «كي يصطادوه بكلمة» (متى22: 15). استغل يسوع هذه الفرصة لكي يعلمهم مبدأ "أَدُّوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ إِلى قَيْصَرَ ومَا للهِ إِلى الله". تعني أنّه على الانسان أن يكون بكلّيته لله، فهو الذي خلقه وخلّصه، والانسان هو خاصته. أمّا بالنسبة إلى قيصر، فالمعلوم أنّه سلطة زائلة وليست دائمة، وواجبنا التزام قراراتها ما دامت لا تتعارض مع المبادئ الخلقيّة وحقوق الإنسان وكرامته.

ويوضِّح يسوع أنّ هناك نوعين من السلطة: أحدهما أرضي وإنساني والآخر سماويّ وإلهي. ونحن مُلزَمون بطاعة مزدوجة: طاعة شريعة البشر وطاعة شريعة السماء. علينا أن ندفع لقيصر النقود التي تحمل صورته وكتابته، وأن نُعيد إلى الله كلّ ما يحمل صورته ومثاله فينا " لقد خُلِقنا على صورة الله كَمِثالِه (تكوين1: 26). إنّنا نحمل صورة وكتابة الله، الملك السماوي. كما يترنَّم صاحب المزامير "إنّ "نور وجهك، يا ربّ" قد ترك خَتمَكَ علينا (مزمور4: 7). ويطالب مبدأ سيدنا يسوع المسيح أن نؤدّي لكلّ واحدٍ ما يخصُّه. إن كنّا نريد أن نكون حقًّا صورة لله، علينا أن نتشبّه بالمسيح لأنّه يُمثّلُ صورة الله "وهو صُورةُ جَوهَرِه" (عبرانيين 1: 3).  والله "قَضى بأَن يَكونوا على مِثالِ صُورَةِ ابنِه" (روم8: 29). فلِمَ لا نؤدّي إذًا لله ما هو له وما لقيصر ما هو لقيصر؟".

 دعاء

أيها الآب السماوي، نطلب اليك ان تمنحنا النعمة بان نعرف كلمة ابنك يسوع "أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله فنؤدي كل واجباتنا، ونمارس ادوارنا في خدمة الله والوطن على أكمل وجه، فنحب الجميع، ولا نحصر أنفسنا في مجال جماعة معينة، بل نوسع أفقنا إلى الوطن الواسع، بل حتى إلى البشرية جمعاء! فنكن حقا مواطنين في الأرض وأعضاء في ملكوت السماوات.