مدينة بيرزيت
رعية اللاتين
عذراء غوادالوبة
مواضيع روحية ومتنوعة
روابط
المدرسة

بيرزيت ومدارسها

 

تأثرت بيرزيت وبطريقة غير مباشرة ولكن بالعمق بأحداث حرب 1948، إذ أن المصائب السياسية والاجتماعية التي حلّت بالبلاد، كان لها تأثير كبير على تغيير أمور كثيرة فيها، سواء من ناحية عدد السكان، أو من الناحية الاقتصادية، فتبدّلت أحوالها، وبصورة فجائية ورأسا على عقب. وقد أثّر ذلك على مصير المدارس والتعليم في البلاد، لذا ستحاول هذه الصفحات من التاريخ أن تُبرز لنا صعوبات هذه المرحلة، التي كانت وبنفس الوقت نفسها تنطبق على باقي مدارس الأبرشية في فلسطين.

 

الوضع الجديد والمرحلة الأولى من بناء الغرف الصفيّة (1948-1953)

 

كانت المرحلة الثانية قصيرة، وتقتصر على تسعة أيام من أعمال العنف والكراهية المتبادلة، أي في الفترة الواقعة ما بين 9-18 تموز 1948. وقد شهدت أعداداً هائلة من الناس، قدموا من كافة مدن وقرى منطقة الساحل الفلسطيني. وكانت النتيجة كما رأينا أن تضاعف عدد سكان بيرزيت ثلاث مرات وبشكل فجائي. مما أدى إلى تغيير كبير في التكوينة الدينية للبلدة، إذ رأى المسيحيون أنفسهم أقلية مقابل الأعداد الكبيرة للاجئين المسلمين. وكان لذلك طبعاً تأثيره على الوضع الاقتصادي في بيرزيت، حيث الموارد المالية متواضعة.

وعدا عن العمل في الزراعة، وكانت تقتصر على بعض أنواع الحبوب، وبساتين العنب والزيتون، كانت غالبية العمال تعمل في دق الحجارة. وعُرف الكثير منهم بمهارتهم، مما ساعد في إيجاد عمل في هذا المجال في مدينة القدس، حيث كان البناء بالحجر إجبارياً. لكن في ذلك الوقت كانت أغلبية أحياء المدينة المقدسة، ما عدا البلدة القديمة والشارع الشرقي منها باتجاه نابلس، قد أصبحت بأيدي الإسرائيليين. وهكذا حُرم العديد من العمال من فرص العمل في هذا المجال. وكانت سائر أنحاء الضفة الغربية في ذلك الوقت تحت حكم القوات الأردنية تعاني من حالة اقتصادية مزرية، ومن بينها المدن الكبيرة، مثل القدس، ورام الله، وبيت لحم وبيت جالا، الأمر الذي دفع بالعديد من أبنائها إلى الهجرة. وقد توقف العديد منهم في شرق الأردن واستقروا هناك. فلاقوا نجاحا باهرا في مجال أعمالهم، خاصة للمهارات التي يمتلكونها، وخاصة في مدينتي عمان والزرقاء، التي تطورت بفضل هؤلاء المهاجرين.

ومع العام 1948 كان الأب أنطون بوزو الذي وصل إلى بيرزيت عام 1943، قد تعرّف على احتياجات رعيته، بما فيها الاقتصادية. فنال ثقة أبناء بيرزيت. وبما أنه كان يملك حساً اجتماعياً مرهفاً، وقد رأى الظروف الصعبة التي يمرّ بها العمال، خاصة قُطّاع الحجارة، وعدد تلاميذ المدرسة الذي يزداد كل يوم، فقرر أن يدخل في مشروع لتلبية احتياجات العمال والطلاب في آن واحد.

وكانت المدرسة ولغاية ذلك الوقت عبارة عن غرفتين فقط، تقعان في الطابق السفلي من دير الكاهن، وإضاءتها سيئة. وهنالك غرفتان أخريان للبنات في دير الراهبات، في الجانب الآخر من الكنيسة القديمة.

ومع غزو اللاجئين للبلدة ولديره في شهر تموز، كان لدى الأب أنطون شهران فقط خلال العطلة الصيفية، لكي يخطط لهذا المشروع. فابتدأ بشكل بسيط وبموارد متواضعة، وذلك في 1 تشرين أول 1948، إذ قام ببناء غرفتين في الطابق الأرضي بين الدير والشارع. وقد وفّر هذا المشروع العمل لقطّاع الحجر العاطلين عن العمل، وكانت الأجرة متواضعة في ذلك الوقت، إلا أنها كانت ثابتة ومستمرة لفترة معينة.

وأمام التطوّر المستمر لمدرسته، فكّر الأب أنطون ببناء طابق آخر، تكون الإضاءة فيه أفضل. فلجأ إلى مهندس معماري فذ، ليس له مصالح مادية وتتماشى أفكاره مع الأب أنطون، وهو رئيس رهبان اللطرون. فكان الأب بول كوفرور (1877-1957) قد وصل إلى دير اللطرون عام 1895، أي بعد خمس سنوات من تأسيس هذا الدير، فكان وكيلا فيه عام 1900، ومن ثم مرشداً روحيا عام 1925، وأخيرا أصبح أول أباتي (رئيس) له عام 1937. وكان أيضاً ومنذ العام 1926، المهندس الذي بنى الدير الجديد للرهبان، والكنيسة الجميلة التي كُرّست عام 1955. فالتجأ إليه الأب أنطون بوزو بكل ثقة لكي يبني له مدرسته، ومن ثم، كما سنرى لاحقا، وضع المخططات الهندسية للكنيسة الجديدة في بيرزيت.

وكان سير البناء في المدرسة الجديدة بطيئاً، ويتماشى مع وصول الموارد المالية، إلى أن انتهى العمل به بعد خمس سنوات. فكانت المدرسة الجديدة مع حجارتها الجميلة المقتطعة من جبال بيرزيت، تطلّ علينا مع بداية العام 1953 بطابقها الجديد. ومع الشرفة ذات الأقواس، والممشى المغطى بالزجاج. ومع هذا الطابق أصبح لدى الأب أنطون خمس غرف صفية تتسع للمائتين وواحد وثمانين طالبا في مدرسته.

في 18 شباط عام 1950، تم تنصيب البطريرك الجديد على القدس، المونسينيور ألبرتو غوري، الذي قام في تلك السنة، والسنة اللاحقة لها، بزيارة جميع رعايا أبرشيته. ولكن الأب أنطون بوزو لم يكن على عجلة من أمره لاستقبال البطريرك الجديد في رعيته، فكان ينتظر لكي ينتهي العمل من بناء مدرسته الجديدة، حتى يباركها البطريرك. وفي 17 حزيران 1953 تم استقبال البطريرك باحتفال مهيب من قبل أهالي بيرزيت، وكانت هنالك مجموعات غفيرة من الناس بالإضافة إلى الـ 281 تلميذا والـ 156 تلميذة في مدرسة الراهبات، ومن حوله راهبات الوردية مع رئيستهم العامة الأم إميلي إسحق. وكان في الاحتفال الفرقة الموسيقية النحاسية التابعة لمدرسة السالزيان في بيت لحم، والتي كانت يومئذ في نزهة في الطيبة، فقرر قائدها المجيء إلى بيرزيت للمشاركة في استقبال البطريرك. ولم يغب عن هذا الاحتفال أي من المسؤولين المدنيين مع القائم مقام لمنطقة رام الله. ولكن لم يستطع الجميع الدخول مع غبطته إلى الكنيسة الصغيرة للسجود للقربان الأقدس. ووسط هذه الجموع قام البطريرك بقص الشريط الرمزي الذي افتتح به المدرسة الجديدة وبارك الغرف الصفية فيها، ثم تلى ذلك خطابات الترحيب من قِبل ممثلين من أعيان البلد.

ومن خلال الكلمات برزت المطالبات لبناء كنيسة جديدة في البلدة، خاصة أنه رأى بأم عينيه ضيق المساحة في الكنيسة القديمة. وللمرة الثانية اختبر البطريرك بنفسه مدى ضيق هذه الكنيسة في اليوم التالي، في 18 حزيران، حيث احتفل بقداس حبري لمنح المناولة الأولى وسر التثبيت المقدس لأطفال الرعية، وكان عددهم 128 طفلا وطفلة. فكان هنالك العديد من الناس ينتظرون في الخارج بسبب ضيق المكان، بالرغم من إضافة الشرفة الداخلية (الجلاجل) في عهد كاهن بيرزيت الأسبق المونسينيور جيرارد، والذي كان حاضرا هو أيضاً في هذا الاحتفال. وبالتالي لم يكن كاهن الرعية بحاجة لأن يقنع البطريرك بمدى الحاجة لكنيسة جديدة. ولكن من أين له بالمال؟ فكان عليه الانتظار 20 سنة إضافية حتى يبارك البطريرك الجديد الكنيسة الجديدة. وقد توفي البطريرك ألبرتوغوري عام 1970، أي خمس سنوات قبل تدشين الكنيسة الجديدة. أما خليفته المونسينيور بلترتي، والذي كان حاضراً في هذا الاحتفال، فكان هو الذي بارك الكنيسة الجديدة في 27 أيلول 1975. وكما سنرى في الفصل اللاحق، غامر الأب أنطون وابتدأ مشروعه الكبير في بناء الكنيسة حتى أنهاه بالتمام.

 

 

خبر في جريدة الدفاع بمناسبة تدشين المدرسة الجديدة

 

حَفاوة بالغة بغبطة المونسنيور غوري في بيرزيت

موكب حافل تشترك فيه الجماهير الغفيرة ترحيباً بالضيف

 

رام الله – كان يوم أمس الأول يوماً مشهوداً في قرية بيرزيت بمناسبة زيارة غبطة المونسنيور البرتو غوري بطريرك الكرسي الأورشليمي للطائفة اللاتينية لأول مرة لها، وكانت البلدة قد استعدّت لهذه المناسبة استعداداً كبيراً فزينت مداخلها وشوارعها الرئيسية بالأعلام العربية والبابوية وازدانت ساحة كنيسة اللاتين الخارجية بمختلف الزينات والأعلام ووضع برنامج حافل لهذه الزيارة. وعندما وصل موكب غبطته إلى المعلوفية جنوب رام الله كانَ في استقبالهِ قائمقام القضاء والأب ميشيل كرم رئيس دير اللاتين برام الله ثم تابع الموكب سيرهُ إلى بئر زيت عن طريق الجلزون، وعند البالوع شمال البيرة استقبلَ غبطته وُجهاء الطائفة اللاتينية في رام الله وبئر زيت وكهنة الطائفة الأرثوذكسية في المنطقة، وقد ترجّلَ غبطته وصافحَ مُستقبليه ثم تابعَ الموكبُ سيرهُ وكان في استقبالهِ في مدخل بئر زيت وُجوه البلدة وشخصيات من مختلف الطوائف ورجال مخفر الشرطة في البلدة، وبعد أن ارتدى غبطته الثياب الكهنوتية تألف الموكب الديني على النحو التالي:

حملة الأعلام الأردنية، كاهن الطائفة في البلدة،العلم الديني، طالبات مدرسة راهبات الوردية في بئر زيت، فأهالي بئر زيت وجفنا والطيبة، وطلاب مدرسة السالزيان في بيت لحم وفرقتها الموسيقية يتقدمها العلم الأردني، وعلم المدرسة، فراهبات الوردية في بئر زيت وبيت لحم، ولفيف من فتيات البلدة، فسرية رام الله الأولى، فوجوه وأعيان الطائفة الإسلامية في بئر زيت، فموكب غبطته يحفُّ بهِ قائمقام القضاء وكهنة الحاشية البطريركية، يتبعها رجال الإكليروس لمختلف الطوائف.

وقد تابع الموكب سيره إلى دير اللاتين وفي مدخل الكنيسة منح غبطته البركة لمستقبليهِ ثم أقامَ صلاة خاصة بارك في نهايتها المصلين. ثم ألقى الأب أنطون بوزو كاهن الطائفة عظة رحب بها بغبطته وعدّها زيارة مُباركة وذكر أن أهالي هذه البلدة يسيرون على تعاليم الإنجيل المقدّس والقرآن الكريم، وأشارَ إلى تآخيهم ووحدة كلمتهم، وقد وقف غبطته على الأثر وارتجلَ كلمة بالإيطالية ترجمها إلى العربية الأب القانوني سليم حذوة ترجمان غبطته الخاص، جاء فيها ما يلي:

أيها الأبناء الأعزاء، إنَّ زيارتي هذه التي أقوم بها اليوم لهذا البلد الطيّب قد أثــّرت في نفسي وكان لها مَظهراً كبيراً من مَظاهر الإعتزاز والمحبة وقد ظهر ذلك بجلاء أثناء استقبالكم، ولهذا فإني أتقدّمُ إليكم بخالص الشكر والمحبة، كما اشكرُ رئيس الطائفة الذي رحّبَ بنا باسمهِ واسم أهل البلدة على اختلافِ نحلهم. واخص بالشكر قائمقام القضاء وقائد المقاطعة ورجال الشرطة والذين جاؤوا من الخارج للإشتراكِ في استقبالي، لا سيّما مدرسة السالزيان والمدارس الأخرى. ثم أعربَ غبطته عن عظيمِ شكره لصاحب الجلالة الملك المعظم وحكومته الرشيدة، ورجا من الله أن يوفق جلالته ليقود شعبه الوفي إلى مَعارج الرقي والتقدم، واستمطرَ البركات السماوية على الجميع وخصَّ الأطفال وابتهلَ إلى الله أن يكونوا عُدة صالحة لهذا الوطن. ثم انتقلَ غبطته وصحبه إلى عمارة المدرسة الجديدة ودشّنها وأقامَ في مَدخلها صلاة قصيرة وباركها وتلت ذلك حفلة استقبال في قاعة المدرسة الكبرى قدمت خلالها المرطبات ثم ألقى السيد جميل فاخوري قصيدة عامرة، وانتهى الإحتفال في السادسة والنصف مساء، وفي الساعة الثامنة من صباح أمس أقام غبطته قداساً حبرياً حضره عدد كبير من المصلين، وفي نهايته ناول القربان لعدد كبير من الأطفال والفتيان وثبّتَ آخرين، وأعقبت ذلك حفلة استقبال أخرى في قاعة المدرسة تكلم فيها السادة: يعقوب حلوة، فريد سعادة. وقد القى كلمته بالإيطالية أولاً ثم بالعربية، سامي مصيص وإبراهيم قسيسة، فردَّ عليهم غبطته بما يُناسبُ المقام مُكرراً نصائحه وإرشاداته. وفي الساعة الرابعة من بعد ظهر امس أقامت المدرسة الأهلية اللاتينية في البلدة حفلة على شرفِ غبطته مُثــِّلت فيها رواية الأميرة الهندية.

 

جريدة الدفاع تاريخ 19/6/1953

 

 

خبر في جريدة فلسطين بمناسبة تدشين المدرسة الجديدة

 

بطريرك اللاتين في بيرزيت

غبطته يحتفل بتدشين المدرسة الجديدة فيها

 

رام الله – أقامت الطائفة اللاتينية في بيرزيت احتفالاً رائعاً في الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم الأربعاء الماضي لتدشين المدرسة الجديدة في البلدة من قِبل غبطة البطريرك اللاتيني في المملكة، فقد كان في استقباله قائمقام رام الله والأب ميشيل كرم وعدد من كهنة الطائفة العربية الأرثوذكسية ومخاتير القرى المجاورة، وبعد أن ترجّلَ غبطته سلّم على مستقبليه وسار الموكب بعد أن ارتدى غبطته الألبسة الدينية التقليدية يحفُّ بهِ رجال الإكليروس ووجهاء الطائفة اللاتينية في بيرزيت ورام الله وجفنا والطيبة وعين عريك وتابع الموكبُ سيره باتجاه الشارع الرئيسي المؤدي لدير اللاتين حتى وصل إلى كنيسة اللاتين، وقبل دُخول غبطته قاعة الكنيسة باركَ الحاضرين ثم ألقى الأب أنطون بوزو كاهن الطائفة كلمة ترحيبية مُناسبة نقلها إلى العربية الأب سليم حذوة، وقد قُوبلت كلمة غبطته بالإستحسان التام من الجميع ثم انتقلَ غبطته وحاشيته وجماهير المصلين إلى بنايةِ مدرسة اللاتين الجديدة فاستقبلهُ عند مَدخلها لفيفٌ من رجالِ الشرطة والكشافة، وبعد أن باركَ أروقة المدرسة دخلَ إلى القاعة الكبرى وجلس مع كبار المدعوين.

ثم ألقى السيد جميل الفاخوري قصيدة حيّا فيها غبطته وتناول الحاضرونَ المرطبات والقهوة وانتهت الحفلة في الساعة السادسة والنصف مساء، وفي تمام الساعة الثامنة من صباح يوم أمس - الخميس - أقيم قداس قام بخدمتهِ غبطة البطريرك يُساعدهُ رجال الحاشية وانتهى القداس في الساعة العاشرة وانتقلَ غبطته وصحبه إلى قاعة المدرسة الكبرى حيثُ القى السادة: يعقوب حلوة وفريد سعادة وسامي مصيص وإبراهيم قسيسية كلمات عددوا فيها مناقب غبطة البطريرك اللاتيني وطالبوا بفتح عدد من المدارس وتوسيع الأخرى، ثم وقف غبطته وارتجل كلمة شكر حيّا فيها الخُطباء وأهالي بيرزيت وطلب إليهم العمل لصالح البلدة ثم تلا دُعاءً خاصاً ابتهلَ فيه أن يحفظ الله مولانا الملك المعظم ورجال حكومته، وبعدها شرّفَ غبطته مأدبة الغداء التي أقامتها الطائفة اللاتينية في بيرزيت تكريماً له, إنتهى الإحتفال في الساعة الثانية عشرة ظهراً وخرج الجميع وهم يتمنونَ للمدرسة والقائمين عليها كل تقدّم ونجاح.

 

جريدة فلسطين تاريخ 19/6/1953

 

هموم ومشاكل إدارية

 

في 14 نيسان 1950 يوم إعلان استقلال الأردن كمملكة هاشمية تحت رعاية الملك عبدالله بن الحسين. كانت تشمل ضفتي الأردن. وكانت وزارة المعارف التابعة لحكومة المملكة الأردنية تتابع من بعيد أمور المدارس في ضفتي الأردن، ومن بينها المدارس الخاصة. وكانت الوزارة ومجلسها الأعلى تتكون من موظفين سابقين من عهد الانتداب البريطاني، خاصة مديرها العام، مصطفى دبّاغ، الذي كان مفتشاً للمدارس في فلسطين في عهد الإنجليز. وكان العديد من موظفيها الماسونيين معادين للمدارس المسيحية الخاصة، وبالذات المدارس الأكثر تقدماً في العدد والنوعية في ذلك الوقت وهي مدارس البطريركية اللاتينية.

وقد تجلى عداء هؤلاء الموظفين في تحرير القرارات الجائرة ضد هذه المدارس. ففي العام 1955 أصدر البرلمان الأردني قانوناً خاصاً بالمدارس، وكان هذا القانون يمسّ المدارس الخاصة المسيحية. خاصة فيما يتعلق بالمناهج التعليمية والعطل المدرسية المفروضة، والأيام الدراسية، والتي اشتملت على يوم الأحد أيضاً. فزاد هذا الأمر من حفيظة المسؤولين عن هذه المدارس، وأحبط من عزيمتهم.

ومع بدء العام الدراسي الجديد، قام المفتشون بجولات في المدارس في منطقة القدس وما حولها، لكي يفرضوا هذا القانون الجائر بدون رحمة أو مراعاة لخصوصية بعض المدارس. وقد استدعى الأمر تدخل السلطات الدينية، وخاصة الكاثوليكية لدى القاصد الرسولي في القدس، المونسينيور أودّي، الذي طلب من حاكم القدس فترة من الهدنة لتسوية الأمور. وبنفس الوقت، قام البطريرك ألبرتوغوري ونائبه في الأردن، المونسينيور نعمة سمعان، بالاتصال مع السلطات في عمان، خاصة مع رئيس الوزراء، سعيد المفتي، وكان شخصية متحررة. فطلب منه البطريرك مزيدا من الحرية في اختيار المناهج وتفهماُ أكبر في موضوع العطل خاصة في الأعياد المسيحية.

ولكن وبالرغم من وعود رئيس الوزراء وتساهل حاكم القدس، لم يتساهل المفتشون ولم يلينوا، بل استمروا بتصرفهم المتعنت مع هذه المدارس. وفي 19 تشرين أول تمت الدعوة إلى اجتماع طارئ في القدس حضره جميع مسؤولي المدارس الخاصة، وبحضور حاكم القدس والمفتشين في التربية. وكان القس الأنجليكاني ايفيريEvery المتحدث الرسمي باسم وفد المدارس الخاصة، أما المونسينيور ميرلو، مدير عام مدارس البطريركية اللاتينية، فقدم تقريرا لرئيس المفتشين في عمان حول عطلة يوم الجمعة والأحد وحول حرية اختيار المناهج، وإمكانية التعليم المسيحي للأولاد المسيحيين في المدارس الحكومية.

لكن انفتاح رئيس الوزراء وتساهل الحاكم لم يجديا نفعاً للمرة الثانية، أمام تعنّت المفتشين وتعصّبهم الديني، حيث كان عداءهم للمدارس الخاصة واضحاً وقوياً.

في السنوات اللاحقة، وبعد غياب جيل المفتشين من عهد الانتداب، جاء من بعدهم المفتشون الذين ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين، الذين لم يكونوا أقل تعصباًً من هؤلاء، وكانوا شديدي العداء للمدارس المسيحية الخاصة.

وكان لهذا الوضع الصعب، الذي مرّت به المدارس الخاصة، تأثيراً على مدرسة الأب أنطون في بيرزيت، الأمر الذي جعله يضاعف الجهود للنهوض بمدرسته ولتطويرها، وقد سانده في معركته هذه مع المفتشين أخوته الكهنة من شرق الأردن.

 

مشاكل المنافسات مع المدارس الأخرى

 

كما رأينا سابقاً، كان قدوم اللاجئين من الساحل الفلسطيني، واستقرارهم في بيرزيت سبباً في مضاعفة عدد سكانها.

وكان طبيعياً أن نشاهد المدرسة الحكومية في بيرزيت تكبر مع ازدياد عدد طلابها. وقد استفادت هذه المدرسة من كافة التسهيلات التي منحها إياها مسؤولو وزارة المعارف، مع ميزانية جيدة خصصتها الوزارة في الأردن، وبدعم كبير من هيئة اليونسكو الدولية، وعرّابَيْ المملكة الحديثة العهد، أمريكا وبريطانيا. فكان المعلّمون يتقاضون رواتب جيدة، وصار التعليم مجانياً بالإضافة إلى الكتب والقرطاسية.

هذه المدرسة الحكومية، وهي اليوم تدعى بـ «مدرسة الأمير حسن»، كانت إبتدائية في العام 1919 سنة تأسيسها، ثم تطوّرت إلى إعدادية سنة 1959، وإلى ثانوية سنة 1967. وبلغ عدد طلابها 478 طالباً في العام  1976، من بينهم 49 طالباً مسيحياً، و22 معلماً، منهم معلمان مسيحيان من بيرزيت.

ثم جاءت الأونروا، الوكالة الدولية لإغاثة اللاجئين، وافتتحت مدرسة مجانية متواضعة في بيرزيت، لأطفال اللاجئين الذين فقدوا كل شيء. وكانت الوكالة توزع وجبات غذائية على الطلاب في المدرسة.

افتُتحت مدرسة الوكالة هذه سنة 1953، وكانت في بادئ الأمر مختلطة، ثم خُصصت للبنات فقط سنة 1957. ووصلت إلى المرحلة الإعدادية سنة 1967. وفي سنة 1976 بلغ عدد الطالبات 246 طالبة، من بيرزيت ومن القرى المجاورة، ومن بينهنّ 20 طالبة مسيحية، ولم يتجاوز عدد الطالبات من عائلات اللاجئين المائة طالبة.

أما مدرسة البروتستنت، والتي كانت في الأساس تعتمد على عائلة دار ناصر، فقد وجدت هي الأخرى نفسها تخضع لهذه المعايير الحكومية، ولكن دعم المؤسسات البروتستنتية المختلفة لها ساعد على تخطي الأزمة وتقوية هذه المدرسة. وكان التعليم فيها مجاناً أيضاً، بالإضافة إلى تلقي الطلاب مساعدات كثيرة ومتنوعة.

تم افتتاح هذه المدرسة سنة 1924 على يد نبيهة ناصر، واصبحت عام 1930 «مدرسة وطنية» للبنات، وكانت ثلاث من أخوات نبيهة يعلّمن فيها، وأصبحت عام 1936 مدرسة خاصة للبنات. وفي العام 1942 حصلت على اسم «كلية بيرزيت» واصبحت مدرسة عليا High School عام 1951. تحوّلت عام 1953 من مدرسة إلى كلية جامعية مع سنة جامعية أولى، وارتبطت لذلك بالجامعة الأمريكية في بيروت. وفي العام 1961 اضيف إليها سنة جامعية أخرى. ومع بلوغ العام 1967 تم إلغاء الصفوف الابتدائية والإعدادية والثانوية فيها. ثم اضيف على برنامجها سنتان جامعيتان، وكان ذلك في العام الدراسي 1974-1975، الأمر الذي جعل منها جامعة متكاملة، تشمل كليات الآداب العربية والإنجليزية (وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد وإدارة الأعمال) وكلية العلوم (وتشمل مواضيع الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والبيولوجيا والجيولوجيا). وكانت الجامعة تعد 550 طالباً وطالبة في العام 1976 يدرس فيها 58 أستاذاً جامعياً. وبسبب ضيق المكان في وسط البلد، بدأت في العام 1976 الحفريات من أجل بناء الصرح الجامعي الجديد، وذلك على قمة تلة صخرية، تبعد مسافة 3 كيلومترات إلى الجنوب الغربي من البلدة، على الطريق المؤدية إلى رام الله.

ولحسن الحظ كان الأب أنطون يملك شخصية وطبعاً هادئاً، يقدر بها أن يواجه أقسى الأمور والأحوال. ولم يكن بالسهولة أن تهبط عزائمه، فقد كانت غيرته الرسولية على مصلحة أبنائه خير حافز له، أما طبعه العنيد، فكان مفيداُ في الكثير من المرات في تجاوز بعض الصعاب، وإتمام المشاريع. وقد كانت مشاريع البناء التي اتمها بين الأعوام 1948-1953 خير مساعد لإعالة العديد من أسَر الحجّارين في بيرزيت، كما وفّرت هذه البنايات مكاناً كافياً لطلاب مدرسته.

ثم تحولت جهوده فيما بعد نحو مدرسة البنات،التي كانت تديرها بالكثير من العناية والنظام الأخوات راهبات الوردية. وقد لاحظ ضيق المكان وصعوبة إضافة صفوف مدرسية في نفس دير الراهبات، وبسبب خبرته في مدرسة الأولاد، قرر أن يبني مدرسة جديدة للبنات في الطابق الثاني، فوق بناية دير الراهبات المتينة، في الجهة الغربية منها. في ذلك الوقت كانت أعمال البناء في الكنيسة الجديدة قد بدأت، فقام الأب أنطون ببناء مبنى لروضة حديثة سنة 1963، وذلـــك بفضــــل كرم سيدات القبر المقدس السويسريات، اللواتي قمن بتأثيثها فيما بعد.

ولكن عملية بناء مدرسة البنات الجديدة تمت ببطء، لأنها كانت متزامنة مع بناء الكنيسة الجديدة، فامتدت الأعمال من السنة 1967 ولغاية السنة 1976، وكانت تعتمد على الدعم والمساعدات المالية، وتماشياً مع طبع الأب أنطون الهادئ والمتمهّل. ولكن يمكننا أن نلاحظ أن ما أنجزه الأب أنطون من أعمال بناء كانت متينة وواسعة ومضاءة بشكل جيد، ولها شرفات وممرات واسعة، ندر وجودها في ذلك الوقت.

وبهذه الطريقة، وبفضل المساعدات الخارجية، وإن كانت بطيئة، استطاع الأب أنطون أن يكمل عمله ويواجه التحديات الكثيرة التي أحاطت به وحاربت مدرستيه. وكان في السنين الأولى مشغولاً باللاجئين الذين تدفقوا عليه، وكانوا في غالبيتهم مسلمين، وقد وصل عدد الطلاب لديه سنة 1966-1967 ما يزيد على 518 طالباً، و530 طالبا سنة 1968-1969. وقد أبدى ارتياحاً عندما قامت مدارس الحكومة والوكالة بالتخفيف من عدد الطلاب في مدرسته، وباستيعابهم في مدارسها. فأصبح لديه مدرسة مسيحية كاملة متكاملة، ضمت بين جدرانها جميع أبناء رعيته ومعظم الطلاب الأرثوذكس بالإضافة إلى 20 طالباً مسلماً.

هكذا نال الأب أنطون ومدرسته نصيباً من الصعوبات الإدارية التي عانت منها مدارس فلسطين في ذلك الوقت. وقد كان مصير مدرسته مثل مصير باقي المدارس، ولكن هدوء طبع الكاهن، ومستوى مدرستيه، كانتا السبب في تخفيف الاضطهادات ضدها، إلى حين بدأت حرب 1967 والاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، والتي جاءت لتقلب الأمور.

في تلك الأثناء مرّت مدرسة الأب أنطون في ظروف صعبة جداً، نرويها الآن، وقد تمّ في النهاية تجاوزها بعد تدخل العناية الإلهية في ذلك.

 

رسالة من وجهاء بيرزيت إلى غبطة البطريرك ألبرتوغوري

 

صاحب الغبطة البطريرك اللاتيني الأورشليمي الجزيل الإحترام

بيرزيت في 25/12/1952

 

بكل احترام نتقدم إليكم نحن الموقعين أدناه بالأصالة عن نفوسنا وبالنيابة عن جميع أفراد طائفة اللاتين في بيرزيت، راجين أن تقبلوا تهانينا البنوية الخالصة في هذه الأعياد الميلادية المُباركة.

كما وأننا نظراً لما يُحتمه علينا الواجب نرفعُ إلى غبطتكم آيات شُكرنا لما بذلتموه في إنشاء العمارة الجديدة التي جاءت آية في الجمال والإتقان لتضم بين جُدرانها جيلاً يحملُ لأبوتكم أسمى الولاء وعرفان الجميل وتتداولها الأجيال المقبلة.

إننا يا صاحب الغبطة نعدُّ أيامنا ذهبية في تاريخ الطائفة. وما ذلك إلا بفضلكم وعنايتكم بنا في توكيل إدارة شؤوننا لإبنكم البار الأب أنطون بوزو الذي يتّقدُ غيرة على مَصالحنا ويتفانى لإنماء الطائفة وتدريب النشىء على المثل العليا.

لذلك لا يسعنا إلا أن نتكل على العناية الإلهية مُدبرة الجميع مُبتهلين إلى صاحبِ هذا العيد لكي يمد عليكم بالقوة الروحية والمادية لتواصلوا عملكم الرسولي، إنه سميعٌ مُجيب.

ونختم شكرنا هذا راجين أن تمدونا ببركتكم الرسولية.

 

من هيئة الطائفة

عيسى يعقوب ناصر، جريس عودة شحادة، جميل عيسى شحادة، فريد سعادة،جريس حنا شحادة، سليمان عازر، حنا شحادة، سليمان سلامة مسلم،

موسى إبراهيم مسلم، يوسف جريس عبيد، داؤد صالح نصر، سلامة يعقوب زيادة، عيسى يعقوب حلوة، جريس سليمان ربيع، عزيز بطرس عابد، يوسف سمندر،

سلامة جريس عابد، يوسف حنا زيادة، سعادة عبد الله، إبراهيم سالم صايج، سلامة جريس عابد، إبراهيم صالح ربيع، يعقوب ميخائيل سعد، سليم عيسى شحادة،

سليم نقولا كبّوش، عيد عيسى عيد، بطرس عابد، عيسى حنا صايج، موسى إبراهيم ربيع، حنا شحادة سليمان، إبراهيم خليل سعادة، جميل سعادة.

 

 

رسالة من وجهاء بيرزيت إلى البطريركية بخصوص نقل المعلم جميل الفاخوري من بيرزيت

 

سيدنا الحبر الجليل المطران منصور الجلاد الكليّ الوقار والإحترام طال بقاؤه

 

بعد التبرّ ك بلثم الأنامل الطاهرة نعرض لدى سيادتكم ما يلي:

 

لقد سمعنا خبراً إن يصّح نأسف له اسفاً شديداً وهو أنَّ إدارة المدارس المحترمة مما تنويه نقل المعلم جميل الفاخوري من مدرسة بيرزيت إلى غيرها، وبما أنَّ هذا المربّي قضى عشر سنين في تعليم أولادنا اللغة العربية وفي تهذيبهم تهذيباً مسيحياً مشكوراً وما كان في هذه المدة كلها إلاّ أستاذاً قديراً غيوراً، نرى أن أولادنا أولى بهِ من غيرهم وأنهُ بوجودِ مثله كرامة لمدرستنا بين المدراس المحدقة بها، فنحنُ أبناءكم في بيرزيت نطلب عدم نقله وإن يكن النقل مَطلوباً منه نفسه، فرجاؤنا أن تصرف الإدارة الكريمة نظرها عن إجابةِ طلبهِ كما جرى ذلك في السنة الماضية وبوساطة سيادتكم بيننا وبين الإدارة العامة المحترمة، نأملُ كل الأمل أن لا يُحرم أولادنا تدريس هذا الأستاذ وأن يستمتعوا بتربيته المسيحية المثالية ولسيادتكم الجليلة ولإدارة المدارس الكريمة فائق شكرنا واحترامنا.

 

الموقعون

خليل شقير، إبراهيم علوش، باسيل سمندر، سعد عيسى فضل الله، جميل سعادة، يعقوب حلوة، أمين جميل شحادة، سليم يعقوب زيادة،

بطرس عيد، سلامة زيادة، يوسف سمندر، عيد عيسى عيد،بطرس سليم القرع، سليمان سلامة مسلم، يوسف بطرس عابد،

فايق القرع، يعقوب عودة. 

بيرزيت 5-7-1959

  

هموم مالية ومعونات سويسرية

 

في الوقت الذي بدأ فيه الأب أنطون التفكير ببناء الكنيسة الجديدة، كانت هناك ضائقة مالية، ثم الحرب العربية اليهودية، والتي أدت إلى نزوح أكثر من نصف سكان فلسطين، وكان منهم كثير من أبناء الطائفة اللاتينية في القدس والرملة واللد. وقد استقرّ هؤلاء في مناطق شرق الأردن، في عمان، والزرقاء، وإربد، حيث العمل متوفر، وقد برزوا في مجالات عملهم وكانوا سباقين في نهضة الاقتصاد الأردني، مثل الفلسطينيين الذين هاجروا إلى الأمريكيتين. كما عملوا على خلق رعايا جديدة في الأردن، لذلك طوال العشرين سنة من حبريته، كرّس البطريرك ألبرتو غوري معظم جهوده وإمكاناته المالية في خدمة هؤلاء اللاجئين في الأردن، فقام ببناء 11 كنيسة و9 أديرة و9 بيوت للراهبات و14 مدرسة جديدة، وكان ذلك عبئاً ثقيلاً على الميزانية التي كانت تأتي على شكل تبرعات من الخارج.

خلق هذا الوضع صعوبات جمّة أمام الأب أنطون لتكملة العمل الذي بدأه في بيرزيت، ولكن التصميم والحزم جعلاه يستمر بدون كلل.

ففي العام 1956 شعر بمدى المنافسة القوية التي تحيط بمدرسته من قبل المدارس الأخرى في بيرزيت. ولم تكن مدرسته في ذلك الوقت إلا في مستوى المرحلة الابتدائية، أضاف إليها لاحقا الصف الأول من المرحلة الإعدادية. وفي العام 1956 اضاف الصف الثاني من المرحلة الإعدادية، وكان قد وعد بذلك أهالي الطلاب الذين كانون قلقين على مصير أبنائهم، وذلك بسبب السياسة المعادية للمدارس المسيحية الخاصة، من قبل المفتشين القادمين من عمان، ذلك لأن قوانين وزارة التربية والتعليم الجائرة، كانت تفرض على الطالب إعادة السنة الدراسية لدى انتقاله من مدرسة أهلية إلى مدرسة حكومية. ففكر الأب أنطون بإضافة المرحلة الإعدادية، كي يتمكن الأهل من إرسال أولادهم مباشرة إلى مدرسة اللاتين في رام الله (الكلية الأهلية) من دون الحاجة إلى الذهاب إلى المدارس الحكومية.

لكن البطريرك ألبرتوغوري، المنهك مالياً من الرعايا والمؤسسات التي أسسها في شرق الأردن، رفض طلب الأب أنطون تحت وطأة حاجاته الملحة الأخرى. فشعر الأب أنطون بوجود خطر قريب يهدد بقطع المعونة عنه، وبإفشال مشروعه المهم هذا، فقام بزيارة لإيطاليا في صيف عام 1957، وهناك حاول الحصول على مساعدات تسمح له بالاستمرار في عمله، وفي ضمان تكملة الصفوف الإعدادية. لكنه فوجئ في إيطاليا برسالة من البطريرك تفيد بأنه لن يسمح بإضافة الصف الثالث الإعدادي، لا بل سيقوم بإلغاء الصف الثاني الإعدادي أيضاً. فحاول الأب أنطون إقناع البطريرك بالعدول عن قراره، وفي نفس الوقت عمل جهده للحصول على موارد إضافية لدعم المدرسة، التي كان يشعر أنها تشكل عنصراً حاسماً في تطوّر رعية بيرزيت.

كان الأب أنطون قد أخبر أصدقاءه بالضائقة التي يعيشها، وكان من هؤلاء الأب بطرس مدابييل، الذي كان زميلاً له في السمينير. فكان أنه في عام 1960 وُجّهت دعوة إلى الأب مدِابييل أثناء مروره بسويسرا لإلقاء محاضرة حول الأرض المقدسة في اجتماع سنوي لفرسان القبر المقدس التي كان يرأسها الكاردينال فاليرو فاليري، وكان الأب مدابييل آنذاك متأثراً بالوضع السيء الذي يعاني منه الأب أنطون. فقرّر عمل خطة وبرنامج عملي لإنقاذ مدرسة بيرزيت. ففي المحاضرة التي ألقاها الأب مدابييل تعرّف على الكاردينال فاليري، وشرح له معاناة الأب أنطون بخصوص المدرسة، فما كان من الكاردينال إلا أن تعاطف معه، ولم يتوقف عن دعمه فيما بعد. وفي نهاية الاجتماع عرض الأب مدِابييل فكرته بخصوص مدرسة بيرزيت على جميع فرسان القبر المقدس.

في تلك الأثناء حضر اللفتينانت هانز شنايدر، قائد الحرس البابوي السويسري في الفاتيكان، هذا اللقاء، فوافق بكل حماس على مشروع الأب أنطون، وطلب من الفرسان الموجودين تبنّي الموضوع. وفي اليوم التالي في حفلة الغذاء وبدعم من الكاردينال وتصميم اللفتينانت السويسري، وبطلب من الأب مدابييل قدم المدعوون للكاهن مبلغ 500 فرنك للمحاضرة التي قدمها لهم، فأُعلن بذلك عن افتتاح عملية التبرّعات لبيرزيت، فكان أن قدّم السويسريون كل الدعم للمدرسة، مما أتاح الحفاظ على الصفوف الإعدادية الثلاثة، فأثلج هذا الخبر صدر الأب أنطون، وكذلك البطريرك نفسه، الذي تألم كثيراً لأنه لم يستطع أن يقدم له المساعدة. واستمرت المساعدات السويسرية لغاية العام 1976. وقد أتى السيد جوزيف شميدلين، المسؤول المالي للفرسان السويسريين، لزيارة فلسطين وبيرزيت في العام 1961، وشاهد كم كان للمساعدات السويسرية الأثر الكبير في إنقاذ وضع المدرسة في بيرزيت. وفي العام 1967، قبل بدء حرب الستة أيام بقليل، قدِم لزيارة بيرزيت وفد من الأصدقاء السويسريين، ومن بينهم فرسان القبر المقدس وعلى رأسهم المونسينيور هالّر، رئيس دير سان موريس في لوزان (سويسرا). فاستقبلهم الأب أنطون ومعه رئيس البلدية السيد فريد سعادة، وشكرهم على دعمهم المستمر، ثم عرض عليهم وضع المدرسة، وقدّم لهم مخططات مدرسة البنات الجديدة فوق مبنى دير الراهبات. وقد أكمل هذا المشروع في العام 1976.

وكانت سيدات القبر المقدس السويسريات بدورهن قد تبنّين مدرسة بيرزيت، فقدمن المساعدات بطيبة خاطر وبسخاء، وقمن أولاً بتأثيث مبنى الروضة، ثم بعد ذلك ببناء مدرسة البنات الجديدة. هكذا يمكننا أن نفهم مدى تقدير الأب أنطون لهؤلاء الفرسان والأصدقاءالسويسريين لما قدموه لبيرزيت ومدرستها.

بالإضافة إلى هذا الدعم السخي من السويسريين، كان هنالك أيضاً مساعدة من المونسينيور ميرلو، المدير العام السابق لمدارس البطريركية، والذي كان على اطلاع على هموم الأب أنطون. فقدم له مبالغ من المال كان قد حصل عليها من إرث عائلي.