مدينة بيرزيت
رعية اللاتين
عذراء غوادالوبة
مواضيع روحية ومتنوعة
روابط
تاريخ رعية اللاتين في بيرزيت

 

تاريخ رعية اللاتين في بيرزيت

 

 

افتتاح إرسالية اللاتين في بيرزيت

البطريرك فاليرغا والخطوات الأولى

ارتبط تاريخ رعية اللاتين في بيرزيت خاصة وفي فلسطين عامة بالتطورات التاريخية التي شهدتها المنطقة، إذ من المعروف أن البطريركية اللاتينية في القدس قد تم إغلاقها مع انتهاء الحروب الصليبية ورحيل الصليبيين عن فلسطين في نهاية القرن الثالث عشر، وقد بقي كرسي بطريرك القدس في روما إلى العام 1847 عندما أعيد تأسيسه في القدس على عهد قداسة البابا بيوس التاسع، وذلك لمواجهة تغلغل البروتستنت في الأماكن المقدسة في فلسطين، والذي كان قد بدء في العام 1842.

كان البطريرك يوسف فاليرغا أول بطريرك يتم اختياره ليقوم بهذه الخطوة التاريخية والصعبة. فوصل فاليرغا إلى القدس في 17/1/1848، وكان شابا لم يتجاوز الرابعة والثلاثين من العمر. وقد تحلى بصفات ومزايا كثيرة ساعدته في مهامه، من بينها اتقانه لعدة لغات وهي العربية والعبرية واليونانية والكلدانية والتركية والكردية بالإضافة إلى الفرنسية واللاتينية والإيطالية لغته الأم. كان متقد الذكاء، وغنياً بخبرة في العمل الإرسالي كان قد كسبها بعمله في كل من سوريا والعراق في أحلك الظروف.

وباطلاعه على وضع الرهبان الفرنسيسكان، حيث أقام عندهم في القدس، والذين كانوا يخدمون الأماكن المقدسة في المدن الرئيسة الكبرى، حيث كانوا يعتنون بالمزارت المقدسة، بالإضافة إلى خدمة بعض الرعايا المحيطة بهذه الأماكن المقدسة، وصل إلى قناعة أنه بحاجة إلى إكليروس محلي، أي من أهل البلاد، لكي يعملوا معه في الحقل الإرسالي.

فكانت أول خطوة يقوم بها أن أرسل أول عشرة طلاب صغار لدراسة اللاهوت إلى سمينير (اكليريكية) للرهبان اليسوعيين في غزير في لبنان، وذلك لعدم وجود سمينير خاص به بعد. وأخذ بنفس الوقت يبحث عن كهنة مرسلين من أوروبا. وفي 25 تشرين أول من العام 1853، وبدعوة من مجموعة من المسيحيين، افتتح أول رعية للاتين في بيت جالا. وقد لقي في ذلك معارضة شديدة من قبل الأرثوذكس والجنود الأتراك، وبقي هناك مدة أربعة أشهر يساعد الكاهن على حل المشاكل. وبمساعدة صديقه الأب بوتّا، مكتشف نينوى في العراق، والذي أنقذ حياته في الموصل، وبعد عدة أشهر من النفي الإرادي في يافا، حصل له نابليون الثالث في العام 1854، من السلطان العثماني، على فرمان الموافقة على تأسيس إرسالية اللاتين في بيت جالا. وكان هذا هو الانتصار الأول، والذي توّج ببناء أول سمينير في بيت جالا، ومن بعد ذلك انطلق العمل الإرسالي، وكان ذلك فاتحة خير لحرية العمل في إنشاء رعايا أخرى في المنطقة.

ومن بعد بيت جالا، تم افتتاح الإرسالية الثانية في العام 1855 وهي جفنا ومن ثم رام الله في العام التالي. وكان من الطبيعي أن يتبع تأسيس رعية جفنا الرعية القريبة منها وهي بيرزيت.

في ذلك الوقت برزت شخصية ميخائيل ياسمينة من القدس الذي كان يقوم بمهمة التبشير ودعوة المسيحيين إلى الانضمام إلى الكنيسة الكاثوليكية، فسمع به بعض أهالي بيرزيت، فأخذوا يذهبون إلى جفنا للصلاة هناك عند اللاتين، وكان من أبرز المتحمسين من أهالي بيرزيت للانضمام إلى الكنيسة الكاثوليكية شخص يدعى إبراهيم ياسر. وهكذا بدأت أول خطوات الانضمام إلى الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية في بيرزيت.

 

الأب يوسف كوديرك، مؤسس رعية اللاتين في بيرزيت

 

الأب يوسف كوديرك (1831-1899)، كاهن مُرسل فرنسي الأصل، من مدينة كليرمونت في فرنسا، وصل فلسطين في العام 1856 وهو لم يزل شماساً، فسيم كاهناً في كنيسة الجلجثة في القبر المقدس في العام 1858. وبعد تعيينه كأول كاهن رعية في جفنا، ابتدأ في العام 1858، بإنشاء علاقات عن قرب مع البعض من أهالي بيرزيت، الذين كانوا يرغبون في الانضمام إلى الكنيسة اللاتينية. وبعد انتظار وطول تفكير طال عدة أشهر لكي يتحقق من نوايا هؤلاء الناس، ومن رغبتهم الأكيدة في الانضمام إلى الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية، قرر الأب كوديرك وبعد الحصول على موافقة البطريرك فاليرغا أن يقبل هؤلاء في الكنيسة اللاتينية وأن يفتح لهم أول إرسالية للاتين في بيرزيت. وفي جفنا كان يعاونه ثلاثة كهنة آخرين أرسلهم البطريرك لكي يتعلموا منه اللغة العربية ويتدربوا على العمل الرعوي الإرسالي، وهم الألماني الأب فيليب أوبلينبروك والفرنسيان اسطفان جولي ولويس كورتيه. ما اتاح له التفرغ لمتابعة إرسالية بيرزيت الجديدة والقريبة جدا من جفنا. وكما توقع، ومثلما جرى من قبل في بيت جالا، فقد لقي معارضة من الأرثوذكس، التي لم تكن في البداية سوى عبارة عن تهديدات.

وفي تاريخ 27 شباط من العام 1859، أحضر الأب كوديرك معه طاقم من الكهنة من جفنا لكي يفتتح بشكل رسمي الرعية الجديدة للاتين في بيرزيت. وقد أرسل في ذلك تقريراً للبطريرك فاليرغا في رسالة مؤرخة في 8 أذار 1859، يقول فيها:

«إنني سعيد بأن أبشركم بافتتاح إرسالية بيرزيت بعد عناء. وقد تعرّضنا في هذا  الشأن لتهديدات مستمرة ولكن دون أن ينتج عنها أي أمر خطير.

في مساء الأحد 27 شباط، انطلقتُ أنا والأب كورتيه والأب فيليب والأب جولي إلى بيرزيت، وهناك جمعنا اللاتين في البيت الذي هيأناه ليكون أول مكان للصلاة (مصلّى)، فافتتحنا الصلوات بترانيم تسبيح تبعها عظة صغيرة لنهنئ الحاضرين على هذا الانجاز ولنشجعهم على الاستمرار والاستفادة من هذا الانتماء للكنيسة اللاتينية. وقد حضر جميع الذين أصبحوا من أتباع الكنيسة اللاتينية، وكان عددهم يتراوح بين 10 إلى 12 شخصاً، بالإضافة إلى النساء والأطفال. وكذلك تواجد بعض الفضوليين، الذين انشدُّوا إلى صوت الترانيم وشرّفونا بحضورهم.

 

في مساء 6 أذار، انطلق الأب فيليب، بالرغم من الأمطار العاصفة، ليحتفل بالذبيحة الإلهية ولأول مرة حسب الطقس اللاتيني في بيرزيت. ولن أخفيكم الأمر بأني كنت قلقاً إلى حد ما، إلا أن مخاوفي هذه لم تكن في مكانها، فلم يحصل أي أمر يُذكر، وكان كل شيء هادئاً، عدا تصرّف بعض الأشخاص مع زعيمهم الذين أتوا ليلتقوا مع الكاهن بهدف إهانته طبعاً، ولكن عندما رأوا أنه لا يفهم شتائمهم باللغة العربية، عادوا غاضبين، وقد هددوا أنهم سوف يأتون إلى جفنا لكي يقتلعوا قلبه. ولكني لم أرهم بعد ذلك بتاتاً».

 إلا أن الزيارة الثالثة للأب فيليب لم تنتهي بهدوء مثل سابقاتها. فقد تحولت المعارضة لوجود اللاتين في بيرزيت إلى أعمال عنف. وهذه حادثة تصف الوضع استشهد بها البطريرك في رسالة بعثها إلى مجمع نشر الإيمان في 10 شباط 1860:

«في المرة الثالثة التي توجه فيها الكاهن المُرسَل إلى القرية، لقي معارضة شرسة، كان سببها تحريض الرهبان اليونان الذين أتوا من القدس خصيصا لكي يتحالفوا مع شيوخ المسلمين بهدف أن يزعزعوا استقرار الكنيسة الكاثوليكية وازدهارها في بيرزيت. وهكذا قام بعض الفلاحين المتمردين ومعهم حجارة وعصي بمواجهة الكاهن وهم يصرخون، وذلك لكي يمنعوه من دخول القرية. وهكذا أُجبر الأب فيليب وتحت تهديد العنف أن يعود أدراجه إلى جفنا، وقد أمطره المتمردون بالشتائم وأصابوه ببعض الجروح من جراء إلقاء الحجارة عليه».

Rapport de Mgr Valerga au Conseil de la Propagation de la Foi de Lyon, le 10 fevrier  1860.

 وحسب تقرير البطريرك فاليرغا نفسه، فقد قام الأب فيليب وكاهن آخر معه بالعودة إلى بيرزيت مرة أخرى منطلقين من جفنا. وقد التقوا بنفس المجموعة الأولى وعاملوهم معاملة قاسية كما في المرة السابقة، وقد أجبروهم على العودة. إلا أن البطريرك فاليرغا لم يكن ليترك مرسليه يهانون بهذه الطريقة، وقد انبرى للدفاع عنهم كما حصل في بيت جالا في السابق. فتدخّل لدى الباشا التركي، وطلب الحماية لهم، فأجاب الباشا على طلبه وأرسل جنوداً لحمايتهم، إلا أنه وكما وصف الأب يوسف كوديرك مجريات الأحداث، ومثلما حصل في بيت جالا عام 1853، كان تصرف هؤلاء الجنود وأداءهم ينم عن تهاون وتواطؤ مع المعتدين، سواء بسبب اتفاق ضمني مع السلطات في القدس، أو بسبب ضعفهم، أو بعد رشوة بقارورة نبيذ. وقد أخبر الأب كوديرك البطريرك بهذا في رسالة مؤرخة في 18 أيار 1860:

«وصل إلى بيرزيت عشرون فارساً من الجنود وكان ذلك يوم سبت، فاعتقلوا اثنين أو ثلاثة من المشتكى عليهم، أما الباقي، والأكثرهم ذنباً، فما زالوا يهددوا وباستمرار بطردنا من بيرزيت، وحرق بيتنا وقتل الذين انضموا إلى الكنيسة اللاتينية، والذين رفضوا العودة إلى ما كانوا عليه في الماضي. ثم بدأوا بلعب دور سيء مع أحد أصدقائنا، وهو حامل هذه الرسالة. فقد أخذوا ابنه وسجنوه في دار عواد عطا، وها أنا اكتب إلى غبطتكم لكي تساعدوا على إطلاق سراحه، واسمه داوود ابن عودة عواد (عوض).

وقد طلبت جنودا حراسا لحمايتنا، وأنا لا أدري إن كان السيد القنصل قد عمل شيئاً في هذا الخصوص. غير أنني انتظر يوماً بيوم حدوث كارثة، فالأجواء مشحونة، والنفوس ثائرة إلى درجة كبيرة، والحل الذي أتى به الجنود، وهو حل ناقص، لم يكن في الواقع إلا فشلاً وانهزاما. فعواد عطا وخضر ومحمد الحاج، وهم الأكثر عداء لنا، قد أتاهم 26 فارسا لكي يجروهم إلى السجن، إلا أنهم لا يزالون هنا، منتصرين، ويمكنك أن تتصوّر أن مثل هذا الأمر قد جعلهم أكثر عنوة وصلابة من قبل. لذلك أجد أنه من الضروري أن يوضع هؤلاء الأشخاص في السجن، وأن يتم وضع جنود للحراسة في قرية بيرزيت، وإلا فإن الامور ستتفاقم».

 Lettre de D. Coderc à Mgr Valerga, le 18 mai 1859.

وكان لتدخلات البطريرك والقنصل الفرنسي لدى الباشا أن اتخذ الأخير موقفا أكثر حزما تجاه المعتدين والمعترضن على وجود اللاتين في بيرزيت. وقد قام الأب فيليب، الذي لم يستسلم أبدا لهذه التهديدات والاضطهادات، باختراق معسكر التحالف المعارض لهم، وقد سجل هذا البطريرك فاليركا في تقرير له إلى مجمع نشر الإيمان في ليون ما يلي:

«عاد المرسل إلى عمله. فصعد في أحد أيام الآحاد، من جفنا إلى بيرزيت، وكتاب صلاة الساعات تحت ابطه، وكان يمشي وهو غير مكترث لما كان قد حدث من قبل. ولما رأى المعارضون هدوءه وتصميمه تركوه يعمل، مقتنعين بعدم فائدة إضاعة جهدهم، مع هذا الكاهن الذي لم يكن ليخاف لا من تهديداتهم ولا من ضرباتهم، مستعيناً بالعناية الإلهية، فأكمل الأب فيليب عمله الرسولي من دون أي خوف أو تردد.

وقد قام بعد ذلك بشراء قطعة صغيرة من الأرض، وذلك من أجل بناء مصلى صغير وغرفة لتأوي المرسل حين يأتي إلى بيرزيت للصلاة، ذلك مع رغبته بالبقاء في جفنا بصحبة اخوته الكهنة وذلك لدوافع اقتصادية ولكي ينعم بصحبتهم».

 

ومع شراء قطعة الأرض وبدء العمل في بناء المصلى والغرفة، ومع ذبول عنفوان المعارضة وأعمال العنف التي مارستها، تم الإعلان وبشكل نهائي عن تأسيس رعية اللاتين في بيرزيت. ولم تمنع الاضطهادات في البداية من نمو البذار التي تم زرعها في ذلك الوقت. ويبين التقرير من السنة 1860 انضمام ما يقرب من الأربعين من أهالي بيرزيت إلى طائفة اللاتين.

 مع نهاية العام 1859 عُهد إلى الأب فيليب أولينبروك تأسيس رعية اللاتين في الطيبة، والتي كانت في مرحلة التأسيس انطلاقاً من جفنا القريبة منها أيضاً. ففي شهر كانون ثاني قدِم إلى جفنا من الطيبة بعض الناس يطلبون من الأب فيليب أن يُذكّر غبطة البطريرك برغبتهم في إرسال كاهن ليخدم بينهم. فما كان من الأب فيليب الملتهب غيرة رسولية إلا أن عرض نفسه على البطريرك لكي يكون أول مُرسَل للطيبة. وكانت لدى هذا الكاهن رؤية أوسع للمستقبل، تشتمل على فتح كإرسالية الطيبة إرساليات أخرى في شرق الأردن، وكتب في شأن ذلك لغبطة البطريرك قائلاً:

«تقع الطيبة في مكان مناسب جداً للبدء وللتحضير للرسالة في مناطق شرق الأردن، وهي مكان ملائم للتعرف على أهل الصحراء، وهم أناس طيعون أكثر من غيرهم لقبول الرسالة... ولأنهم أكثر استقلالية عن مركزية الحكومة، وأكثر بساطة في أخلاقهم، بالإضافة إلا أنهم اليوم أكثر تعباً من حياتهم البدوية المعتمدة على التنقل والرحيل المستمر. كما نجد أن الطيبة هي في علاقة صداقة مع هؤلاء الناس، حيث نراهم كل يوم يدخلون إليها ويخرجون منها مع جمالهم ونعاجهم.

لذلك فإني أتوسل إلى غبطتكم لكي تُرسلونني إلى الطيبة من أجل مصلحة هؤلاء المسيحيين، ولكي نحضر هناك لافتتاح المرسلية الجديدة».

 

وهكذا ذهب الأب فيليب في العام 1860، واستقرَّ في قرية الطيبة، وهي أفرائيم الإنجيلية حسب إنجيل القديس يوحنا (11: 54) حيث أتى الرب يسوع إليها باحثاً عن ملجأ له مع تلاميذه قبل أسبوع من آلامه. إلا أن طرق الرب كانت أيضاً مختلفة. فحين استقرَّ الأب فيليب فيها، وقد كان يفكر دائماً في شرق الأردن، نزل إلى أريحا ليبدأ اتصالاته، ولكنه التقط هناك عدوى التيفوس، وسرعان ما توفي في بيت جالا، عندما كان يشارك  في الرياضة الروحية السنوية للكهنة، وكان ذلك في 28 أيلول 1860، وله من العمر 27 عاماً فقط.

 

أما بيرزيت فقد أكمل الأب كوديرك الخدمة فيها انطلاقا من جفنا في بادئ الأمر، ثم أكمل الأب جوليان بوست عام 1861 العمل مكانه، وقد كان أحد مساعديه في جفنا. وكان الأب بوست قد وصل وهو لا يزال طالب كهنوت إلى البطريركية عام 1856، ثم سيم كاهنا في 17 كانون أول عام 1859، فذهب ليقيم في جفنا وليخدم منها بيرزيت مكان الأب فيليب، قبل أن يصبح بعد ذلك الكاهن المسؤول عن هاتين الرعيتين.

بعد كل هذا لربما نتساءل حول كيفية تحوّل الناس إلى الكنيسة اللاتينية في المدن والقرى الفلسطينية. هل كان السبب، كما يقال، الإغراءات المادية والعينية (من غذاء وكساء وغيرها)؟ أم هنالك أسباب أخرى أكثر دقة ؟

للإجابة على هذا السؤال الهام، نستعين بأحد شخصيات بيرزيت الذي كان من أوائل الذين تحولوا إلى الكنيسة اللاتينية، وهو موسى بن ناصر.

 

 تحوّل موسى بن ناصر إلى الكنيسة اللاتينية ومن ثم إلى الكنيسة الأنجليكانية

 

كتب الشيخ موسى بن ناصر مذكرات بين الأعوام 1894-1904، وذلك عندما بلغ من العمر الثمانين عامأً، وقد توفي عام 1908 عن عمر يناهز التسعين عاماً. وقد راجع الاستاذ موسى علوش والدكتور منير ناصر هذه المذكرات ونقّحاها ومن ثم طُبعت في كتاب بعنوان «تاريخ قرية بيرزيت منذ خروج الرجل الأول».

كان موسى بن ناصر، وهو من مواليد 1818، أحد مشايخ (وجهاء) المسيحيين في بيرزيت، وعُرف بطبعه المتسامح وقوة شخصيته وغيرته على مصلحة قريته وأبناء عائلته، هذا بالإضافة إلى أنه كان من الرجال القلائل المثقفين، وقد كتب مؤلَّفاً في الطب، وكتاباً آخر في قصص العرب ووقائع حياتهم اليومية. ومن مزاياه أيضاً أنه كان مسيحيا مؤمناً ولكن من غير تزمُّت، تدل على ذلك عدة حوادث حصلت معه. ومن أهمها دوره الرئيسي في تأسيس رعية اللاتين في بيرزيت ومن ثم تحوّله السريع إلى الطائفة الأنجليكانية، وقد سيم اثنان من أبنائه قساوسة لدى هذه الطائفة.

يذكر في الفصل الأخير من مذكراته (وهو الفصل الخامس بعنوان «الحالة الدينية ودخول اللاتينية على بيرزيت») كيف تحوّل من الكنيسة الأرثوذكسية إلى الكنيسة اللاتينية ومن ثم إلى الكنيسة الأنجليكانية، ساردا الأحداث والأسباب بكل بساطة وبدون أي تكلّف أو تزمّت.

وهنا يمكننا من خلال هذا الفصل أن نتعرّف على بعض الأسباب التي سهّلت تحوّل الناس من الأرثوذكسية إلى الكاثوليكية (اللاتينية). والسبب الرئيسي في ذلك، حسب ما يذكره موسى بن ناصر وأيضاً الأب مديبييل في الكتاب الذي تُرجم عنه هذا المؤلف، هو النزاعات التي كانت تجري داخل بطريركية الروم الأرثوذكس بسبب سيطرة اليونان عليها في عهد الأتراك، وقد أدى ذلك إلى انقسام البطريركية إلى حزبين، حزب يتزعمه الخوري داؤود وشخصان اشتهرا في ذلك الوقت وهما ميخائيل ياسمينه وحنا ناصر قرط، وأهمهم ميخائيل ياسمينه، حيث يذكره الأب مدابييل في كتابه السالف الذكر. والحزب الآخر فكان بقيادة حنا تقلة ومعه بعض الكهنة. وآخر مشكلة حصلت بين الفريقين كانت تلك المشادة حول أولوية القراءة في الكنيسة، مما حدا بالبطريرك إلى تعنيف الخوري داؤود بشدة وبعنف، أدت إلى حزن الخوري وانعزاله، ومن ثم وفاته بعد يومين. أغضب هذا الأمر ميخائيل ياسمينه جدا، مما حدا به إلى الذهاب إلى بطريرك اللاتين طالباً منه أن ينضم إلى الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية. وقد قام ميخائيل هذا بعد ذلك بجولات في المدن والقرى يدعو الناس للإنضمام إلى الكنيسة اللاتينية. فصار من أهم دعاة اعتناق الكثلكة في فلسطين. وكانت رام الله وجفنا أولى الأماكن التي دعا فيها الناس إلى ذلك.

وفي جفنا التي أُسست فيها أول إرسالية للاتين سنة 1855، بعد بيت جالا، صار الناس يذهبون إليها من بيرزيت، ليلتقوا مع كاهن اللاتين هناك، وكان من بينهم إبراهيم أبو ياسر. وبعد مدة قليلة صعد ميخائيل ياسمينه السالف الذكر إلى بيرزيت، وصارت مواجهة بينه وبين الشيخ موسى بن ناصر، الذي تصدّى له، وكان لا يزال أرثوذكسياً. وبما أن حكومة فرنسا كانت حامية الكنيسة الكاثوليكية في الأرض المقدسة، مثلما كانت روسيا واليونان حاميتان لكنيسة الروم الأرثوذكس، وانجلترا للأنجليكان، وألمانيا للوثريين، فكانت الدولة التركية في آخر عهودها تهاب فرنسا، لذا كان القنصل الفرنسي، وبطلب من بطريرك اللاتين، يتدخل لدى الباب العالي التركي ومن بعده الباشا لكي يرسلوا جنودا لحماية إرساليات اللاتين، كما حصل في بيت جالا وبيرزيت.

جرى ذلك في حادثة حصلت مع إبراهيم ابو ياسر، تدخل فيها الشيخ موسى بن ناصر بنفسه، وأدّت في النهاية إلى اتّباعه الكنيسة اللاتينية.وكما ذكرنا سابقاً، حصل هجوم من قبل بعض الأهالي، من مسيحيين ومسلمين، على الكهنة اللاتين، الذين كانوا يصعدون من جفنا إلى بيرزيت للصلاة في بيت إبراهيم أبو ياسر، وكان الشيخ موسى آنذاك طريح الفراش نتيجة إصابته بحجر في رجله، بعد أن كان يفصل بين متخاصمين من أهل البلد في نزاع آخر.

بعد حادثة الهجوم هذه على الكهنة المرسلين اللاتين، وقد اصيبوا هذه المرة بجراح، رُفعت شكوى إلى قنصل فرنسا، الذي تدخل بدوره لدى الباشا لكي يرسل كتيبة من الجنود ليعتقلوا المعتدين من أهالي بيرزيت، من مسيحيين ومسلمين. وقد أرسل الباشا بجنوده عدة مرات إلى بيرزيت لكي يعتقلوا المذنبين، ولكنهم كانوا في كل مرة يعودون على أعقابهم دون أن ينجحوا في تنفيذ أوامر الباشا. في المرة الأخيرة حضر الباشا بنفسه إلى بيرزيت وطلب مقابلة الشيخ موسى بن ناصر، وهدده بمحاصرة البلد بمائتي جندي ومدفعين، إذا ما لم يسلّم المطلوبين، فأذعن للأمر وسلّمه المذنبين. بعد ذلك طلب الشيخ موسى من البطريرك اللاتيني التدخل لإطلاق سراحهم. وعندما اقترب عيد الفصح، وقد صَعُب على أهالي المعتقلين أن يحتفلوا بالعيد من دون أبنائهم، فطلبوا من الشيخ موسى أن يذهب إلى كاهن اللاتين في جفنا، وكان آنذاك الأب يوسف كوديرك، ليعرض عليه الانضمام إلى الكنيسة اللاتينية، مقابل أن يتدخّل الكاهن في إطلاق سراح المعتقلين. ونورد هنا النص الحرفي لما كتبه الشيخ موسى في مذكراته، والذي يثبت مدى صدق كلامه، وكيف أن الرجال في ذلك الوقت كانوا عند كلامهم ووعودهم:

 «... فقالوا لي أهالي البلد انزل عند الخوري يوسف كودير وصير من أتباعه فقلت لهم تلوموني ان لم أرجع لدير الروم لأني لا اكسر كلامي مع الخوري فكان جواب الجميع لا نلومك فلما اتفقوا على هذا الرأي نزلت لعند الخوري يوسف كوديرو فقال انت يا موسى شيخ بيرزيت اتيت لتفك المحابيس فقلت له عند ظنك فكتب لي ورقة الى قنصل فرنسا باخراج المحابيس فقلت له بولس الرسول كان يضطهد الكنيسة وتوجهت واعطيت الورقة للقنصل فبعت قواسه الى السرايا وفك المحابيس وانا كنت متعاطي الديانة اللاتينية...».

 

تحوله إلى الكنيسة الأنجليكانية

 

غير أن الشيخ موسى يورد بعد ذلك سبب تحوله عن الكنيسة اللاتينية وانضمامه إلى الكنيسة الأنجليكانية، قائلا أن السبب يعود إلى كثرة تعبّد الكنيسة اللاتينية للعذراء مريم، ومار بطرس، ومنعه من قراءة التوراة، إلا مقاطع محددة منها، وباذن من البطريرك. وقد زاد الطين بلّة عندما قرأ إحدى القصص الروحية عن راهبة، لربما تكون سيرة حياة القديسة مريم المجدلية التي اشتهرت بالاثم مدة طويلة، ثم تابت وصارت من أتباع الرب يسوع المخلصين. فتشوشت أفكاره، خاصة وأنه كان يستخفّ بالممارسات وبشعائر العبادة الدينية لدى الكنيسة اللاتينية، إلى أن تعرّف على مبشر انجيلي، فأطلعه على وضعه. فما كان من هذا المبشر إلا أن اعطاه كافة أسفار العهد القديم وقال له اقرأ ما شئت منه. ويقول في مذكراته أيضاً أنه كان يستخفّ بمبدأ سر الاعتراف وكذلك سر القربان الأقدس واستحالة الخبز والنبيذ إلى جسد الرب ودمه الكريمين، قائلاً أن هذا الاعتقاد مُتَفق عليه لدى اللاتين والروم. وقد أبدى تشككه أيضاً من قضية خروج النور من القبر المقدس عشية الفصح المجيد لدى الروم الأرثوذكس، مستنتجاً أن ذلك ما هو إلا خرافات. وهكذا أصبح من أتباع المذهب الإنجيلي، تاركا الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية بعد أن ترك من قبلها الكنيسة الأرثوكسية.

في ذلك الوقت كان إبنه حنا ملتزما لدى الكنيسة اللاتينية ومعلماً في مدرستها، وقد حاول والده أن يقنعه بترك تلك الكنيسة والاقتداء به في اتّباع الأنجليكان، ولكنه كان مصراً على التزامه مع اللاتين، فكان مبعث قلق لدى والده موسى، إلا أنه وفي النهاية، وبمساعدة أحد القساوسة في القدس، استطاع أن يقنعه في الانضمام إلى الكنيسة الأنجليكانية، واصبح فيما بعد قسيساً لديها.

 

 

الخطوات الأولى لرعية اللاتين في بيرزيت

(1859-1889)

 

مؤسس رعية اللاتين في بيرزيت هو الأب يوسف كوديرك، والذي كان بنفس الوقت كاهن رعية جفنا بين السنوات 1859-1868. ولكن وبسبب العبء الذي كان يرزح تحته نتيجة الصعوبات التي كان يواجهها في رعية جفنا، والتي تم افتتاحها عام 1855، فقد كان يساعده في رعية بيرزيت كهنة شباب آخرون. هكذا كان الألماني الأب فيليب أوبلينبروك والفرنسي الأب اسطفان جولي من الأوائل الذين افتتحوا إرسالية بيرزيت، وكان ذلك بتاريخ 27 شباط 1859. وفي العام 1862 أثناء غياب الأب كوديرك ولمدة عام عن جفنا وبيرزيت، حل مكانه الفرنسي الأب جوليان بوست (1826-1888). وكان هذا الكاهن الاجتماعي في طبعه وقد عرف أن أهل جفنا يعتاشون من زيتونهم، دعا شقيقيه من فرنسا، وهما خبيران في موضوع الزيتون، وذلك لكي يعلموا الفلاحين أهل القرية الطرق الأكثر تقدماً في زراعة وقطف الزيتون.

 

الكهنة المرسلون إلى بيرزيت

 

في نهاية العام 1862 ومع وفاة الأب الفرنسي الأصل بيير كوتّا المفاجئ، وقد كان كاهن رعية رام الله الأول والمؤسس لها، اضطر الأب جوليان بوست أن يأخذ مكانه في رام الله، فأرسل البطريرك إلى جفنا كاهنا فرنسيا آخر ليأخذ مكانه، وهو الأب اسطفان جولي، والذي كان قد مرّ في هاتين الرعيتين من قبل.

ينتمي الأب اسطفان جولي إلى مجموعة من المرسلين الفرنسيين، الذين، حالا وبعد إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية في القدس، عام 1847، ومع وصول البطريرك فاليرغا إلى القدس في العام 1848، قد كان لهم الأثر الأكبر في البدايات الصعبة لتأسيس البطريركية اللاتينية في البلاد. وهنا من الواجب أن نذكر شيئاً عن كيفية قدوم هؤلاء المرسلين الأوائل إلى الأرض المقدسة.

قام البطريرك فاليرغا بجولة في أوروبا بين العام 1849 والعام 1851، وذلك من أجل طرح مسألة الأماكن المقدسة، وقد انطلقت بعد هذه الجولة سلسلة رحلات حج من أوروبا إلى الأرض المقدسة، وكان أول منظميها المونسينيور لويس بوييه (1815-1893)، وكان حينها أستاذ اللاهوت ووكيل سمينير ليون. وقد عرض عليه البطريرك في القدس حين زاره سنة 1852 حاجته الملحة والمستعجلة لكهنة مرسلين لكي يلبي الحاجات الضرورية التي تنتظره في أماكن عديدة. وكان البطريرك حين وصوله قد باشر بالتفكير في إقامة سمينير لتنشئة الكهنة، وقد بحث عن دعوات بين الشبان في الرعايا التي يديرها الرهبان الفرنسيسكان، فأرسل عشرة من هؤلاء الشباب إلى أغازير في لبنان عند الرهبان اليسوعيين، وكان ذلك في العام 1849. ولكنه كان عليه أن ينتظر 10 سنوات كي يعود إليه هؤلاء الطلاب كهنة، بينما الحاجة ملحة وآنية لكهنة مرسلين.

وكان للمونسينيور بوييه صديق كاهن شاب، من نفس بلدته في ليون، وهو الأب جان موريتان، وكان على علم برغبته في أن يصبح مرسلاً. وهكذا تعرّف الأب موريتان على البطريرك فاليرغا، وبه بدأت حركة إمداد مرسلين فرنسيين للأرض المقدسة منذ الأيام الأولى لإعادة تأسيس البطريركية اللاتينية في القدس. فانطلق وإياه إلى الأرض المقدسة من ميناء مارسيلا، ووصلاها بتاريخ 9 تشرين ثاني 1852.

وقد تبعهم إلى فلسطين بعد ذلك أربعة مرسلين وصلوا القدس بتاريخ 27 شباط 1856، وهم: جان رايت من مدينة سان فلور وجوزيف (يوسف) كوديرك من كليرمونت، وكانا برتبة شماسين حينما وصلا، ثم رسما كاهنين على يد البطريرك فاليرغا، عند هيكل الجلجلة في كنيسة القيامة، ثم تبعهما في 20 أيلول من نفس العام كل من: جوليان بوست واسطفان جولي، وهذان الاثنان من مدينة ليون نفسها، وكانا لا يزالان طالبا لاهوت فس ذلك الوقت. وعندما افتُتِحَ السمينير في بيت جالا بتاريخ 7 أيلول 1857 وقد بناه الأب موريتان، أكمل الاثنان دراستهما في البطريركية في القدس تحت رعاية المونسينيور بوييه نفسه. ثم سيما كاهنين على يد البطريرك فاليرغا بتاريخ 17 كانون أول 1859عند هيكل الجلجلة في كنيسة القيامة.

كان الأب اسطفان جولي، وهو كاهن شاب من ليون وعمره 32 سنة، قد وصل إلى جفنا في العام 1862 لكي يهتم من هناك برعية بيرزيت، وكان ذا شخصية مرحة، وقد جعل منه البطريرك مديراً للاحتفالات الدينية ولمدة خمسة سنوات، حتى قبل أن تتم سيامته كاهنا. وقد أخذه معه في زيارته الرعوية لجزيرة قبرص عام 1857. وفي العام 1862، عندما أوكل البطريرك للأب جوليان بوست رعية رام الله، بعد وفاة كاهنها الأول الأب كوتّا، عيّن مكانه الأب اسطفان جولي في جفنا، وقد وجد في بيرزيت حين وصوله مكانا للسكن، كان البطريرك فاليرغا قد أمر ببنائه بعد حصوله على مساعدة مالية أتته من حيث لا يدري. إلا أن الأب جولي لم يشأ أن يسكن إلا في جفنا مع الأب يوسف كوديرك الذي كان يُعتبر المسؤول الأول عن رعية بيرزيت والذي كان قد أسسها بنفسه في العام 1859.

في 8 تموز 1863 وصل إلى بيرزيت الجغرافيّ والرحالة غويران، وقد كان في رحلة استكشافية لربوع فلسطين وأماكنها الأثرية، فزار بيرزيت ووجد فيها الأب اسطفان جولي، ووصف بيرزيت كالآتي:

بيرزيت قرية مهمة تقع ضمن سلسلة هضاب ووديان. عدد سكانها 1800 نسمة، وبينهم فقط 140 كاثوليكي، أما الباقي فهم من الروم الأرثوذكس. أما رعية اللاتين فيديرها كاهن مُرسَل شاب، وهو الأب اسطفان جولي، والذي قد عينه فيها منذ عدة سنوات البطريرك فاليرغا. وقد أراني هذا الكاهن بيت الرعية الصغير المتواضع وكذلك الكنيسة الصغيرة التي يقوم ببنائها، وهو نفسه مهندسها. وفي انتظار الانتهاء من بناء الكنيسة كان يجمع في صالة، وقد كان يستخدمها أيضاً ككنيسة صغيرة مؤقتة، قطيعه الضعيف الصغير الذي وُكل إليه رعايته. وقام معي بجولة في القرية وقد أراني آثار كنيسة بيزنطية قديمة مكرّسة للقديس جورجيوس. إلا أن آثارها اليوم غير واضحة. وقد شاهدت جزءا من أحد أعمدة الكنيسة مدفونا بين الأنقاض.

GUERIN, Description géographique, historique et archéologique de la Palestine, (1869), t. III, 33.

إن نسبة عدد السكان التي ذكرها غويران أكثر مما هي في الواقع. فالإحصاء الذي جرى عام 1931، أي بعد 74 سنة ما بعد غويران، وقبل نزوح اللاجئين من بعد حرب 1948، يذكر أن هناك فقط 1223 نسمة ضمن الـ 251 بيت في القرية. أما الأب جولي، فلم يذكر أن هنالك 140 شخصا من اللاتين في تقريره السنوي للبطريرك عام 1864، بل ذكر فقط 78 شخصاً. وفي الوقت الذي كان فيه الأب جولي مشرفا على أعمال بناء الكنيسة الأولى، فإن مسؤولية هذا العمل أوكلت إلى الأب يوسف كوديرك، كما نقرأ في رسائله للبطريرك فاليرغا.

 

ونعود إلى بيرزيت حيث كان قد حلّ مكان الأب جولي فيها أولا كاهن رعية جفنا، أي الأب يوسف كوديرك، ومن ثم الأب جوليان بوست وحتى شهر تشرين ثاني 1869، إذ ذهب بعدها ليتسلّم مهام رعية نابلس.

 

كارثة الجراد في العام 1866

 

أصاب الجراد بلدة بيرزيت كما أصاب بقية أنحاء البلاد بشكل كبير في أيار 1866. وكان ذلك يشكّل كارثة على البلاد التي تعتمد بشكل أساسي على الزراعة، وكان الأب جولي لا يزال في بيت جالا. ولأن الأمر حصل بغتةً، والمنظومات التقنية العالمية التي يمكنها أن تقضي على مثل هذه الحيوانات كانت معدومة في ذلك الوقت، وكان الناس غير محصنين لمقاومة هذا الوباء، وخاصة في فلسطين، حيث لم يهتم المسؤولون الأتراك إلا بالحصول على المال، فلم يقدموا أية معونة، بل بالعكس كانوا يشكلون عبئاً على السكان بمتطلباتهم واستبدادهم.

في بداية سنة 1867 كتب البطريرك فاليرغا تقريراً بعثه إلى ليون وباريس، يصف فيه هول الكارثة والمآسي التي تعرّض لها السكان قائلاً:

«منذ أكثر من عشرين سنة وأنا مسؤول عن كنيسة القدس، لم أشعر بالمرارة التي شعرت بها هذه المرة. فمنذ وجودي في الشرق، لم أرى خرابا وشقاء مثل هذا الذي شهدته في جولتي الأخيرة بين الرعايا. فمن الخليل وحتى نابلس يمكننا أن نقول أن ناراً قد التهمت كل الحقول. وقد بقي الجراد في البلاد لمدة عامين، افترس فيها كل شيء، وأصبح من المحال أن تجد شجرة واحدة احتفظت بورقها، أو قطعة من الأرض نبت عليها العشب. وفي رام الله وجفنا وبيرزيت والطيبة كان الأهالي في حالة لا توصف، من غير موارد إلى يومنا هذا، ومن غير أمل للمستقبل، إذ إنهم قد يئسوا واحبطوا، وزالت عنهم الهمة للعمل والنشاط، ينتظرون الموت من الجوع، غير قادرين على أخذ قرار ولو كان بسيطاً. أما السكان المسلمين في القرى المجاورة، فقد تركوا في نهاية الأمر قُراهم وهربوا بجماعات كثيرة.

Mgr Valerga, Rapport du 3 fevrier, 1867.

وقد وصف موريتان، كاهن رعية بيت ساحور آنذاك، في مذكراته، هجوم الجراد والمحاولات غير المجدية التي قام بها للدفاع عن ممتلكاته، وكذلك محاولات صديقه الأب جولي، كاهن بيت جالا، والتي ذهبت سدىً، الذي قدم عنده لمساعدته مع بدء زحف الجراد.

«كان الجراد في بداية الأمر صغيراً جداً ولا يستطيع أن يطير، فكان يزحف نحو نفس الاتجاه، ويطيع رئيساً له. وقد قدم من الطريق التي تأتي من مار سابا، وكانت جحافلها تملأ عرض الطريق، وفي الحقول المجاورة، وكانت بالملايين. وقد ظهر هذا الجراد الزحّاف (الذي كان شغله الشاغل أن يمشي ويأكل فقط) في عيد الصعود في 10 أيار 1866، وكنت قد دعوت للعشاء عندي الأب جولي، كاهن بيت جالا، وكاهناً مُرسَلاً آخر.

وعندما أُخبرنا بوصوله هرعنا لمشاهدته، فما كان من الأب جولي والكاهن الآخر إلا أن قاموا بمجزرة بحق هذه الحيوانات الغازية بالدوس عليها. ولكن هذه الحيوانات الصغيرة كانت أذكى منهم، فقد أخذت تقفز بعيدة عن مدى أحذيتهم التي كانت تقتل عشرة في كل مرة، لقد كانت بالفعل أكثر ذكاء وفطنة منا.

عندها قال لي الأب جولي: «أعطني كحل البارود وسأريك ماذا يحدث». فأخذ يستخدم كل مهارته العسكرية بوضع خطوط من كحل البارود في مكان مرور الجراد، وفي النهاية انتهت المعركة بعد أن أحرق ما يعادل ثلاثة فرنكات من البارود مقابل قتل ثلاث جرادات فقط، فإن كان هنالك من خاسر، فلم يكن الجراد بل الأب جولي.

وقد أخطأ الجراد الذي أتى من طريق مار سابا بمسافة 300 متراً، ولكنه عدّل خطّ سيره من فوق الحقول، حتى عاد وأخذ طريق بيت لحم، وكان بالفعل منتظما كجيش له قيادة حكيمة، واستقرّ على شجر الزيتون الذي يقع تحت بيت لحم فأبادوه جميعا، وكانوا بانتظار النوع الآخر من الجراد وهو الطيار، وقد انتظروا حتى نمت أجنحتهم لينضموا إلى البقية.

كانت أيام 31 أيار وأول يومين من شهر حزيران عبارة عن عاصفة من الجراد الذي يختلف عن جميع الموجات السابقة، وقد كان الدمار الناتج عن الجراد كبيراً، ولم ُيشاهد مثل هذه الكارثة في فلسطين وسوريا من قبل. وكانت السنوات السابقة مع الجراد أخفّ وطأة، إذ كان الناس يكتفون بإحداث فوضى وأصوات عالية كي يهرب الجراد بعيداً، ولكن هذه المرة لم تنجح فيها أية وسيلة، فإن كان الناس ينجحون بطرد خمسين جرادة متجمّعة على كرمة، كان يأتي بعدها على التوّ مائة أخرى، أكثر جوعاً وشراسة من الأولى.

نعم لقد خُذِلنا! فكأنه كان لدى هذا الجراد أمر إلهي في التهام كل شيء كنوع من العقاب للبشر الخاطئين. وفي اليوم الأول أتى 5 أو 6 أشخاص إلى حقلي حيث العنب والزيتون، وقد بقي عليها شيء من الثمر، إلا أن الجراد كان يأتي بمجموعات كبيرة ولم يُبقِ على شيء منها في النهاية، ولم نستطع أن نعمل شيئا، فاضطررنا أن نستسلم ونلقي بأسلحتنا. هكذا ومنذ مساء اليوم الأول أوقفنا الضجيج، وبقينا نتأمل في هذا المنظر المخيف لهذا الجراد الزاحف، وانتظرنا كي يجلبوا القهوة إلى أولئك الذين قاوموا بدون نتيجة جحافل الأعداء الصغار هؤلاء، الذين كان يزداد عددهم بشكل متسارع وبدون توقف. أما كاهن الروم الأرثوذكس، الذي تواجد في ذلك الوقت، فقد أخذ يشرب القهوة معنا بهدوء، وهكذا استسلمنا لمشيئة الله.

في اليوم التالي اكتشفنا مجزرة حقيقية ألمّت بكروم العنب والشجر بشكل عام، التي ذهب ورقها بالكامل، ذلك لأن الجراد استمر يأكل طول الليل. فلم يبق هناك لا ثمر ولا ورق.

وعندما بدأت حرارة الشمس بالاشتداد، عاود الجراد ذو الأجنحة هجومه من جديد وبشكل أشدّ. أما الجراد الذي قضى ليلته في بيت ساحور فقد رحل وجاء مكانه جراد آخر بأعداد أكبر، وقد بقي على هذه الحال مدة ثلاثة أيام.

نعم ومنذ ضربات الجراد في مصر في سفر الخروج، لم نرى أمرا مخيفا مثل هذا في التاريخ. فلم تكن هذه مثل السابق مجرد سحابة ضائعة في الجو، تهبط على مكان ما بعيد، بل كانت عبارة عن سحابة عظيمة تمتد من لبنان إلى مصر، وكانت تضرب كل مكان وفي نفس الوقت. وكان سمك هذه السحابة يتراوح بين 15 إلى 20 متراً من الأرض حيث كانت طبقات الجراد متجمّعة على بعضها البعض مغطية الأرض حتى قمتها، فكانت بالتالي تحجب الشمس عن الأرض. ومع هذا السُمْك من 15 إلى 20 متراً من الجراد الطيار، كنت تسمع ضجيج ضرب الأجنحة، مصدرة أصواتا مخيفة، مثل صوت مياه البحر العظيمة، أو صوت ريح قوية تضرب شجر غابة كبيرة، إذ كانت على مسافة قريبة من حيث كنا. أما ما بقي من قشور الشجر ودوالي العنب، فبالكاد كان يكفي غذاء لهذه الجحافل من الجراد، ومن أجل سد جوعها، استطاعت بأقصى جهدها أن ثقب الأرض، لتصل إلى البصيلات والأدران فيها، فالتهمتها أيضاً. ودخلت تحت الصخور وفي الجدران بحثا عن الأعشاب والنباتات، إلى أن أتى اليوم الثالث، فلم يبقى شيء أخضر يمكن أكله، حتى ولو دفعت مائة ألف فرنك بحثا عن نبتة أو ورقة خضراء فلن تجدها في تلك الأنحاء.

كانت مشاعر المصيبة والإحباط سائدة في ذلك الوقت، وقد أخذ الفلاحون يبكون ويصرخون قائلين: «إنها نهاية العالم! إنها نهاية العالم !» فقد بانت الحقول كأنها محروقة عن بكرة أبيها، وكانت الأشجار وكروم العنب بيضاء اللون، وقد فقدت لحاءها وقشورها، وكنت تجد على كل شجرة 4 أو 5 أو 6 جحافل من الجراد المتجمعة بعضها على بعض، وملتصقة بالأغصان. في ذلك الوقت انتشرت المجاعة بين صفوف «جيش الرب» هذا، الذي قضى على كل شيء يؤكَل. وهكذا وجب عليه أن يرحل ليبحث عن ضحية أخرى في مكان آخر، مراعي في السهول بين الجبال والبحر، فأخذت تختفي شيئاً فشيئاً من بلادنا لكي تغزو الغرب، ولكنها في نهاية المطاف هلكت في البحر، حيث سبقتها الرياح لتمنعها من عبور أوروبا.

MORETAIN, Mémoires, 398-402.

بذل البطريرك فاليرغا، وهو رجل أعمال المحبة وذو الطاقة التي لا تعرف الكلل، كل جهده لمساعدة الفلاحين المتضررين، وكانوا بأعداد كبيرة. وبغياب السلطات التركية، المشلولة في الأصل في مثل هذه الظروف، هبّت المؤسسات المسيحية، مع غبطة البطريرك، لتطلب مساعدات من أوروبا، من أجل تعويض الخسائر الفادحة. ومع بداية العام 1867 كتب البطريرك إلى مجمع نشر الإيمان تقريراً عن نتائج جهوده، وعن إخفاقاته في هذا المجال:

وسط هذه المآسي التي ازدادت مع قدوم فصل الشتاء ومع متطلبات الحكومة التركية التي لا ترحم، من السهل أن نفهم كم هو محزن وصعب الوضع الذي يعيش فيه الكهنة المرسلون، الذين يهتمون في الرعايا الكاثوليكية الناشئة. فقد استطعنا في السنة الماضية أن نخفف من مآسيهم ببعض الصدقات التي وصلتنا من مؤسسات خيرية في أوروبا، وبها استطعنا أن نوفر لهم فرص عمل، سواء في القرى أم في القدس، وقد كانت البطريركية اللاتينية تقريباً الوحيدة التي أوجدت مجالات عمل لبعض المئات من العمال من أجل تحصيل قوتهم اليومي، وذلك في أثناء بناء المقر البطريركي اللاتيني الجديد. وفي هذا العام ترى البطريركية نفسها مجبرة على إيقاف هذه الأعمال. ومن أجل تجنب ذلك، خاصة في هذا الوقت العصيب، الذي فيه الحاجة إلى العمل والخبز أكثر منه في أي وقت مضى، قمت باقتراض مائة ألف فرنك. ولكن ولغاية اليوم ما أزال أرزح تحت ثقل المبالغ التي اقترضتها من أصحاب الأموال.                       

VALERGA, Rapport à la Propagande de Lyon, le 3 fevrier 1867

بعد هذه الأحداث، قام الأب موريتان، وهو المؤرخ الأول لهذه الكارثة، ولكي يعزي نفسه بعد اختفاء الجراد، برحلة حج إلى منطقة الجليل، وذلك على ظهر دابّة. ولاحظ أن الخراب الذي سببه هجوم الجراد وبشدة في منطقة اليهودية والسامرة، كان أخفّ وطأة في منطقة الجليل. وحين مرّ في نابلس، وهو في طريق العودة، بتاريخ 27 حزيران، لاحظ أن الجراد لا يزال موجوداً هناك.

في المساء وبينما كنا نتجول في المدينة لنشاهد ما هو غريب، وجدنا الجراد لا يزال في وسط المدينة. وكان يمشي مثل الجيش في المعركة ويجوب الشوارع، وكان يصعد على الجدران، ويدخل عبر الأبواب والنوافذ في البيوت والمحلات التجارية، مسببا إزعاجا وحرجا أكثر من الجراد الطائر، وهذا النوع من الجراد كان يُدعى بالزاحف، ولم يكن بالإمكان التخلص منه أو قتله، وهو مثل ذاك الذي تكلمنا عنه في قرية الرعاة، بيت ساحور.

 

MORETAIN, Mémoires, 423.

 

ومع وصوله إلى مشارف بيت ساحور في 28 حزيران، لاحظ أن الطبيعة قد استعادت قوتها ونضارتها، وقد قاومت أضرار الجراد.

شاهدنا من أعلى الجبل، بالقرب من دير مار الياس، منظراً شرح صدورنا، وهو أن كروم الإرسالية، وكذلك أشجارها، استعادت خضرتها. واستطعنا أن نميز أرتال جذوع الكروم المخضرة. ولكن من المؤكد أن في هذه السنة لن يكون هنالك محصول عنب، كذلك الأمر في السنة التي تليها، لن يكون هنالك محصول زيتون، والقليل من العنب، لأن الجراد في العادة يجرف معه محصولين على الأقل.

 

أخيراً كاهن مقيم في بيرزيت (1871)

الأب ألكسندر مكّانيو

 

مع نهاية العام 1865، تم استبدال الأب جولي الذي أُرسِل إلى بيت جالا، بالأب كوديرك، الذي عاد إلى جفنا، ومن ثم بالأب بوست اللذان كانا يهتمان ببيرزيت أيضاً، ولكن انطلاقاً من جفنا الرعية الأم. ولكن في العام 1868، أرسل البطريرك إلى الأب بوست كاهناً مُرسَلاً شاباً إيطاليَّ الجنسية، عمره 27 عاماً، وهو الأب ألكسندر مكّانيو. كان رجل الله بالفعل، وأصبح يُعرف بعد ذلك باسم «أبونا اسكندر»، وقد اشتهر بتأسيسه إرسالية الكرك ومادبا، وذاع صيت قداسته في تلك الأنحاء.

كان ضمن مجموعة مُرسَلين إيطاليين، قدموا إلى البلاد بعد المُرسَلين الفرنسيين، من أجل مساعدة البطريرك فاليرغا في رسالته في الأرض المقدسة. وقد أتى هؤلاء المُرسَلون من كلية في مدينة جنوى الإيطالية، أُُسست عام 1855 لتنشئة أشخاص يرغبون في تكريس أنفسهم للعمل الإرسالي الخارجي. وكانت هذه الكلية خاضعة لمجمع نشر الإيمان في ليون، وقد استفاد منها البطريرك فاليرغا لتحقيق رسالته. وقد استقبلت البطريركية الناشئة من هذه الكلية ثمانية مرسلين ذوي خصال حميدة، ومن بينهم غبطة البطريرك الثاني على القدس، المونسينيور منصور براكّو، خليفة البطريرك فاليرغا.

بوصوله إلى جفنا، درس الأب مكّانيو، بروحه الرسولية الغيورة على خلاص النفوس، الظروف المحيطة برعيته في بيرزيت، والتي كانت تعدّ في ذلك الوقت 92 مؤمناً. وعندما نُقل الأب بوست في العام 1869 إلى نابلس، بقي الأب مكّانيو وحده كاهن رعية لجفنا وبيرزيت في آن واحد. فاعتنى في بيرزيت بالمدرستين التابعتين للرعية، وكانتا متواضعتين: فهنالك مدرسة الأولاد وفيها 16 تلميذاً، ومدرسة البنات، التي كانت قد افتُتِحت حديثاً، وفيها 20 تلميذة. وباشر العمل مع النساء، وذلك بفضل معلمة المدرسة، التي كانت تذهب وتزور العائلات. وقد أعرب الأب مكّانيو عن ارتياحه لأن بعض ربّات البيوت بدأن يأتين إلى القداس، الأمر الذي كان يُعتبر نادراً حدوثه، وقامت نحو العشرة منهن واعترفن وتناولن. ولكن الأمر كان مختلفاً بالنسبة للرجال، حيث أعرب الأب مكّانيو عن تشاؤمه حيال ذلك، إذ يقول واصفا إياهم في هذه الرسالة المؤثرة جداً، والتي بعثها لغبطة البطريرك فاليرغا بتاريخ 1/1/1869، وها نحن نوردها بنقل حرفي، وقد حصلنا عليها من أرشيف البطريركية في القدس:

«غبطة المونسينيور الموقر،

بهذه الكلمات الأزلية لربنا يسوع المسيح: «اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم»، فإنني أتقدم من غبطتكم مرة ثانية لكي أعرض عليكم احتياجات الإرسالية الموكلة إلي. وبادئ ذي بدء، أودُّ أن أنوّه إلى أولى الثمار التي بدأت تنضج حتى الآن، وهي مدرسة البنات التي تم افتتاحها قبل فترة وجيزة. فقد كان عدد الطالبات في هذه المدرسة يتراوح بين ثلاثين وثلاث وثلاثين، وقد وصل في بعض الأحيان إلى خمس وثلاثين، ما بين كبار وصغار، ومنهن بعض البنات من الطائفة الأرثوذكسية. وهناك أيضاً بعض ربات البيوت، اللواتي لا يذهبن إلى الكنيسة أبداً، وبعضهن يذهبن نادراّ. أما بالنسبة للبنات، فقد قامت المعلمة بتحفيزهنّ على حضور القداس. كما أن بعض البنات «الأرثوذكسيات» كن يحضرن القداس الإلهي في أيام الأعياد، ونحن نأمل، مع توجيهات المعلمة ومثالها الصالح، أن تنضم هذه البنات إلى حضن الكنيسة الكاثوليكية. ومن بين بنات الرعية اللاتينية، تقدّمت تسع أو عشرة منهنّ بطلب قبول سرَّيْ الاعتراف والمناولة، في حين لم يكن هذا الأمر مألوفاً بين نساء تلك المنطقة.

أما الأولاد، الذين عبّروا عن رغبتهم هم أيضاً في الانضمام، فقد بدأوا بتلقي التعليم المسيحي بشكل جدي وبصبر. ومن بين هؤلاء هنالك خمسة أوستة أطفال، يترددون على المدرسة بشكل دائم، أما الأكبر سنناً بينهم، فكانوا مجبرين على العمل من الصبح وحتى المساء، ولكن صباح الأيام الماطرة لا يذهب هؤلاء إلى العمل في الحقول، فيأتون إلى المدرسة، وقد تركوا انطباعاً جيداً عن سلوكهم.

أما بالنسبة للرجال، فكان الغالبية العظمى منهم فاترين في إيمانهم، ومغرمين بالأرض، ومتعلقين بمصالحهم الحياتية، أكثر منه بحقيقة الكنيسة الكاثوليكية! ومنهم نفر مادي لدرجة كبيرة، ومتعلق بالأرض، مثل الديدان، ولا يكترث بالله لا من قريب ولا من بعيد، ولا بالدين، ولا بالعالم ولا بالظروف المحيطة بهم. ونجد هؤلاء كاثوليكاً بالاسم فقط، إذ نراهم أمام أية شدة ما، ينزعون عنهم ثوب الحملان، مظهرين ما في حقيقة أنفسهم.

ففي هذا الصباح، وبينما كنت أخلع ملابس القداس في سكرستية كنيسة بيرزيت، حضر أحد الأشخاص وللمرة الثانية، ليستدين مني مبلغاً من المال، يسدُّ به دين أحد أقاربه، الذي كان بدوره مديناً بدوره لآخرين، وكان قد طلب مني هذا الدين في جفنا قبل أن آتي إلى بيرزيت، فقلت له أن يذهب ويطلب من آخرين في القرية، فما كان منه إلا أن ردّ عليّ بنيته الانشقاق عن الكنيسة، وتركني وذهب. ولكنني تأثرت كثيراً، وانقبض قلبي من الهمّ، فذهبت إلى الكنيسة والدموع تملأ عينيَّ، والتجأت إلى القديس يوسف، وهناك قررت الخروج في الحال لمساعدة هذا الرجل، فخرجتُ لكي أجلب المال لأعطيه إياه، بشرط أن يشتغل في الحقل بجانب كنيسة بيرزيت. لكنني لم أجده ولم أره بعد ذلك. ومثل هذه الحادثة التي يبتعد فيها الناس عن الحقيقة، بشكل علني، أو بشكل واقعي، ليست نادرة الحدوث.

نعم مساكين هؤلاء الناس، وهذا الشعب المفلس !! فليس هنالك إلا محبة أبوية حقيقية مليئة بالصبر، وطول الأناة والرحمة، يمكنها أن تخلصهم. إن هذا القطيع المتبدد لا يمكن أن نجمعه إلا في حظيرة راعٍ، يكون في الحقيقة أباً حنوناً. كم مرة كنتُ على وشك أن اصطدم معهم وأردّ عليهم بكلمات قاسية. ولكن إن أخذنا بعين الاعتبار طبعهم الغير مبالي، والبارد والمتقلب في التديّن، فلا يسعنا إلا أن نبكي على وضعهم المأساوي هذا. غير أن هذه النفوس المفتداة لهي غالية الثمن. فكيف لنا أن نخلصها من شدق الذئاب الجهنمية، الجائعة المفترسة، وقد افتداها راعيها الإلهي، بعد أن كلفته الكثير من المخاطر والدموع والألم والدم ؟ وكم من مرة كانت ترنّ في أُذنَيَّ تلك الكلمات: «الحصاد كثير أما العملة فقليلون، فاسألوا رب الحصاد لكي يُرسل عملة إلى حصاده».

وهنالك أمر آخر يتذمّر منه الناس: ففي العديد من المناسبات أظهروا احباطهم وقلة حظهم، فعندما يأتيهم كاهن مُرسَل، ليس عنده خبرة، ويجهل لغتهم، لا يلبث أن يُنقَل إلى مكان آخر بعد أن يكون قد بدأ في التعرُّف عليهم، ويصبح مفيداً لهم. وقد هددوا بالعودة إلى الانشقاق بأعداد كبيرة هذه المرة، إذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن.

كذلك هنالك من هو مقتنع بأن الكاهن المُرسَل، وهو تحت إمرة كاهن رعية جفنا، يستطيع أن يخدم إرسالية بيرزيت. ولكن الواقع يُعلِّمنا أن كون إرسالية بيرزيت تحت إمرة إرسالية جفنا، لهو مثل وضع حمار تحت إمرة سيدين، سرعان ما يضيع اتجاهه.

وفي العديد من المرات يستطيع مُرسَل بيرزيت، بالقليل من الصدقات والأعمال الحسنة هنا وهناك، أن يكسب العديد من النفوس إلى حظيرته، ويجعلهم يعملون الخير ويبتعدون عن الشر، وهكذا يمكنه أن يفوح عبيراً حسنا ويكسب بذلك إعجاب وتقدير «البروتستنت»، ويفتح لهم بالتالي الباب للعودة إلى الكنيسة الكاثوليكية. ولكنه، ومع قلة الإمكانيات، ينقصه الجناحان لكي يطير، وهذا بالفعل ما حصل مع أهل بيرزيت، في شخص ذلك الرجل المسكين الذي أتى يطلب المعونة من شخص، فتم تحويله إلى شخص آخر.

إني أكتب إليكم هذه الأمور لكي أعبِّر لكم عن هموم قلبي، وأضعها بين يدي ذاك الذي، بعد إلهي، أعتبره أباً لي ومعلماً في سر خلاص النفوس. إنني لا أطلب هذه الأمور من أجلي، ولكن من أجل أولئك المساكين، ولكل ما يمكن أن يكون مفيداً ومهماً لخلاص نفوسهم.

 

خاضعاً دائماً بطاعة بنوية إلى غبطتكم الموقرة

ابنكم بالمسيح يسوع

الأب الكسندر، مُرسَل بيرزيت

Lettre de D. Maccagno au Patriarche Valerga, le 1er janvier 1869

بعد شهر حدد الكاهن المُرسَل للبطريرك طلبه منضما بذلك لطلبات أهل بيرزيت: يجب أن يكون لهذه الجماعة الكاثوليكية في بيرزيت كاهناً مقيماً باستمرار. وقد أعلن للبطريرك أنه سيبعث بوفد صغير من وجهاء رعيته بقيادة موسى ناصر، معلم مدرسته، لكي يعرضوا عليه طلبهم هذا.

 

 الرسالة التي بعث بها موسى بن ناصر ووجهاء رعية اللاتين في بيرزيت

إلى البطريرك فاليرغا يطلبون منه كاهناً مقيماً عندهم

 

«أدام الله تعالى غبطته آمين»

نقبل الأرض بهامة خاطية لدى الأيادي الطاهرة والأقدام الفاخرة الأب الطوباوي وريس كهنة الله الحقاني صاحب البيعة خزانة الكتب الإلهية وبرهان الصحف الناموسية سيدنا البطريرك الأورشليمي المعروض لأعتابكم الكريمة من خصوص أولادكم أهالي قرية بيرزيت بترجوا غبطتكم أن يكون الخوري ساكن عندنا لأنه قدسكم لم يخف عليه حال العالم في أسباب من موت الفجا وأمراض لم يفهموها الناس ويموتوا منها لأنها صارت عند أولادكم ومات أناس عندنا قبل حضور الخوري وغبطتكم بتريدوا خير النفوس لأن فيها ناس يموتو بعض في ليالي شتا من غير استعراف وأولادكم تجاسرنا بالاعراض لقدسكم حتى تكون هذه الكيفية في مسامعكم والأمر لغبطتكم دمتم وربنا يديم لنا وجودكم إلى مدا الأحقاب آمين، 29 كانون أول 1870

 

                                                                       يقبلون أياديكم

                                                        أولادكم طايفة قرية بيرزيت

 

وقد هيّأ الأب مكّانيو البطريرك لاستقبال هذا الوفد، عارضاُ عليه الأسباب العاجلة التي تُبرر مطلبهم هذا. وقد استشهد بحالة مؤمن لاتيني مسنّ ومريض كان قد زاره مسبقاً، ولم يكن قد ظهر عليه الخطر بعد. ولكنه ما فتئ أن أصيب بنوبة فجائية في الليل توفي على أثرها هذا المسن «الذي كنت أحبه كثيرا وأزوره باستمرار». وقد أطلع البطريرك على حزنه العميق لهذا، وأضاف يقول أن مثل هذه الحادثة تتكرر باستمرار بسبب المسافة بين القريتين، وأيضاً بسبب فتور الناس الشديد في إيمانهم. وقد أضاف الأب مكّانيو بدافع من غيرته على أبنائه سبباً آخر، وهو وضع النساء البعيدات عن الدين، فيقول في الرسالة المؤثرة التي بعثها لغبطة البطريرك من جفنا بتاريخ 15/2/1869، والتي حصلنا عليها أيضاً من أرشيف البطريركية في القدس، وها نحن نوردها بالكامل مع نقل حرفي:

«غبطة البطريرك الموقر،

منذ وقت بعيد وأنا أردد طلب الناس في بيرزيت بالاجماع، ليس فقط اللاتين منهم، ولكن أيضاً «الأرثوذكس»، ورغبة الجميع في أن يكون لديهم كاهن رعية لاتيني، يكون مقيماً بينهم وبشكل دائم، وقد أعرب العديد من «الأرثوذكس» أنهم سوف يعودون إلى حضن الكنيسة الكاثوليكية الأم، إن أقام بينهم كاهن كاثوليكي بشكل دائم.

وقد تصاعدت في هذه الأيام طلبات ورغبات العديد من الناس، لدرجة التوسُّل والتضرُّع من أجل أن يُستجاب طلبهم هذا.

ومن أجل هذه الغاية، فإننا نبعث إلى غبطتكم الموقرة، وباسم جميع الأهالي، بموسى ناصر، معلم مدرستنا في بيرزيت، ليمثل رغبة الأهالي، ومعه شخص لاتيني آخر من بيرزيت.

ونحن ننصاع إلى أمر مخلصنا الحبيب يسوع المسيح الراعي الأول للنفوس، والذي قال بأنه يجب أن يكون هنالك رعية واحدة وراعٍ واحد، «والذي لا يجمع (معه) فإنه يفرّق»، وإنني بالتالي أخضع في كل شيء، وبالذات في هذا الأمر، إلى الراعي الأسمى لهذه الأبرشية البطريركية، وإلى غبطتكم الموقرة، يا قائدي وأبي، وأنتظر إرادتك الفاصلة، لكي أخضع لها بتواضع وباستعداد كلي.

من ناحية أخرى فإن الغيرة الرسولية، والمحبة، التي يُلهمني بها الرب، من أجل الخير الروحي والأبدي، لهذا الشعب المُفتدَى بالدم الإلهي، يدفعني لأن أعرض عليكم رغبة قلبي، التي أشارك بها الشعب، لتحقيق ذلك. وإن الأسباب التي سأستشهد بها لكثيرة، ولكنني سأترك الآخرين يعرضونها عليك. ولكن هنالك حادثة واحدة تتعلق بي شخصياً، سأعرضها عليك، وهي التالية:

في يوم الخميس من الأسبوع الماضي، عند منتصف الليل، توفي في بيرزيت شخص لاتيني عجوز، كان مريضاً بسبب الشيخوخة، وقد قمت بزيارته قبل فترة قصيرة، حيث وجدته في حالة أفضل من الأيام السابقة. وفي تلك الليلة التي توفي فيها، وقد كان الناس حوله، ورغم علمهم بأنه تحت خطر الموت، لم يقم أي منهم باستدعائي للحضور: وهكذا توفي هذا العجوز عند منتصف الليل، وكانت إلى جانبه إحدى بناته، ولكن من دون أن ينال الأسرار الأخيرة. آمل ان يرحمه الرب، خاصة وأنه كان إنساناً لطيفا، وقد اعترف قبل فترة قصيرة أمام كاهن رعية جفنا، وناوله القربان الأقدس في يوم عيد الميلاد. لكن ما أصاب هذا المسكين، يمكن أن يصيب أي شخص آخر، وللموت أسباب أخرى أخطر من التي أصابته. وهكذا أيضاً يمكن أن يصيب أبناءنا اللاتين المساكين خطر كبير في الهلاك الأبدي. وأستطيع أن أقول أيضاً أن ليس هنالك من بين هؤلاء الناس من يجرؤ على الذهاب إلى جفنا ويطلب كاهنها في شهر كانون أول وفي الليل، فيموت دون أن ينال الأسرار المقدسة، لأنه، وكما يُقال، فالعرب باردون جداً في الديانة والإيمان لكي يتكلفوا هذا العناء. وقد كنت أعرف هذا قبل أن يقوله لي أحد.

إنني أعترف وبكل حزن يا صاحب الغبطة، أنني قد شعرت بالألم يعتصر في قلبي عندما قيل لي في صبيحة اليوم التالي: إذا أردت أن تدفن عجوزك (الذي أحببتُه بشدة والذي كنت أزوره بشكل دائم) فها هو قد مات !! فدفنتُه، وصليتُ قداساً عن راحة نفسه في اليوم الثالث لوفاته، ولكني كنتُ أودُّ أن أودع نفسه بين يدي ذاك الذي فداه بدمه الثمين.

وأريد أيضاً أن أورد سببا آخر لمطلبنا، إذ لا يمكنني أن أمرَّ عليه مرَّ الكرام. وهو أمر نبكي عليه حقيقة ويحزُّ في نفسي باستمرار أن أرى النساء، خاصة ربات البيوت والبنات البالغات، يعشن دون أية معرفة بالدين، والقليل منهن يذهبن إلى الكنيسة للمشاركة في القداديس الاحتفالية فقط. لقد عملنا كل ما هو ضروري، وتكلمنا مرارا واستخدمنا من الأساليب ما هو ضروري لكي نجذبهنّ إلى الكنيسة، ولكن لم يجدِ ذلك نفعاً! وإنني أرجوا أن نصل إلى بعض النتائج، إذا ما خصصنا معلمة للفتيات الصغار، ولكني أعتقد أنه إذا ما لم يكن كاهن الرعية فيما بينهم وبشكل دائم، فإن الوضع لن يكون أفضل مما هو عليه الآن.

مسكينة هذه الأنفس التي افتداها الدم الإلهي، هذا القطيع الضائع، المحاصر والمهاجم من قبل ذئاب كثيرة مفترسة ومدفوعة وبقوة نحو الشر والضلال الأبدي، عندما يطلع عليهم يوم الفداء والخلاص الرهيب. إنني أتمنى ومن كل قلبي على غبطتكم، يا ذا القلب الأبوي والمتفهّم، أن تحققوا هذا المطلب، بحق رحمة إلهنا ومخلصنا.

 

أقبّل خاتمك بتواضع وانسحاق

أبنك الوضيع المطيع

الأب ألكسندر

 

ملاحظة: إن كان هنالك رفض من غبطتكم لهذا المطلب بسبب المصاريف المترتبة على ذلك، فإنني أريد أن أعرض عليكم أنني على استعداد لقبول قيمة المعيشة التي تدفعونها اليوم إلى مُرسَل جفنا من أجل الاهتمام بإرسالية بيرزيت، فالذي يهمني في الواقع هو إرضاء أهل بيرزيت، وإنني أتخوّف من أن أي رفض سوف يشكل خطراً على خلاصهم الأبدي مثلما أتوقع ذلك.

 

 وفي الرسالة التي بعثها الأب مكّانيو للبطريرك بتاريخ 1 كانون ثاني 1871 يذكر أن أبناء رعية اللاتين في بيرزيت قد خصصوا ما مقداره 40 شجرة زيتون لحاجات الإرسالية في بيرزيت، وليس هنالك حاجة لأية مصاريف أخرى لإرسالية بيرزيت، أو أية تكاليف لأي بناء إضافي. كذلك ومن ناحية أخرى يتحدث الأب مكّانيو عن صعوبات في العيش المشترك بين المرسلين تحت سقف واحد، بسبب اختلاف في الطباع، وأيضاً بسبب ضيق المكان وبُعد المسافة مشياً على الأقدام، عندما يطلبه الناس في حالات الطوارئ، أضف إلى ذلك هشاشة الإيمان لدى هؤلاء الذين انتموا إلى الكنيسة اللاتينية حديثاً، والذي لا يسمح لهم بأن يغامروا في النزول إلى جفنا في الليل أو حينما يكون الطقس ماطراً. كذلك إن عدم وجود كاهن مقيم بين رعيته يعيق العمل الرعوي، خاصة أنه لا يستطيع أن يعلم الأولاد بشكل دائم بعض الترانيم، والقيام ببعض الاحتفالات الليتورجية الكنسية، الخ. وهذا الأمر سيؤدي إلى إضعاف المدرسة ويشتت طلابها، بسبب عدم وجود عناية دائمة لها من قبل الكاهن، وهذا ما حصل مع الكهنة السابقين وما أراه يحدث اليوم...».

(من رسالة الأب ألكسندر مكانيو إلى البطريرك فاليرغا في 1/1/1871).

 

وكان لنتيجة إصرار الأب مكّانيو على طلبه هذا، ومطالبات أبنائه المؤمنين المتكررة أن وافق البطريرك على مطلبه بعد أن رأى أنها واقعية وضرورية. فبعث إلى جفنا في العام 1871 كاهناً شاباً، إيطالي الجنسية أيضاً، ًوهو الأب لويس بيكّاردو (1845-1917)[1] وقد وصل البلاد عام 1870، فاعتمده البطريرك كاهن رعية لجفنا ليترك بدوره المجال للأب مكّانيو ليصبح أول كاهن رعية مقيم في بيرزيت.

أصبح الأب مكّانيو يُعرف وبسرعة بـ«الأب إسكندر» وقد بقي في بيرزيت مدة خمس سنوات، عمل خلالها بجد ونشاط وفي العمق مع أبناء الرعية، حيث كان الشلل قد أصاب العمل الرسولي فيها، كما سبق وأن ذكرنا ذلك، بسبب بُعد الكاهن عن الرعية، وإقامته في جفنا، وبسبب التغيير المستمر لكهنة بيرزيت. وعدا عن الاحصائيات السنوية فإن الأرشيف لم يترك لنا للأسف الشديد الكثير عن هذه الحقبة من تاريخ الرعية. وقد تميّزت هذه الفترة بالصراع الذي قاده الأب مكّانيو ضد مدرسة البروتستنت. ولكن عدد المؤمنين في رعيته، والذين كانوا 92 شخصاً عام 1869، قد زادوا إلى 112 شخص، حين ترك الرعية. وفي العام 1869 افتتح مدرسة البنات مع 20 طالبة، لم يبق منهن إلا 15 حين ترك الرعية، بينما كان عدد الأولاد في المدرسة أقل ويتراوح ما بين 10-12 طالباً فقط.

في العام 1875 تم الانتهاء من بناء الطابق الأول من سكن الكاهن، وقد بُني على شكل مثلث قائم الزوايا مع الكنيسة، وقد جاءت مثل مخطط كنيسة ودير الطيبة، بطريقة مناسبة ومريحة، حيث السكرستيا تقع في المنطقة الوسطى، أي حلقة وصل، بين الكنيسة والدير.

مع نهاية العام 1875 قام البطريرك براكّو، والذي خلف البطريرك فاليرغا، الذي توفي في 2 كانون أول 1872، بإرسال الأب مكّانيو إلى السلط، وأعاد إلى بيرزيت الأب اسطفان جولي. وهذا الأخير، الذي عالج وضعاً خطيرا في رعية بيت جالا، بقي هذه المرة في بيرزيت مدة 13 عاماً. إلا أن أرشيف البطريركية أيضاً لم يترك عنه أي شيء يُذكَر.

تميّزت فترة خدمة الأب جولي للمرة الثانية في بيرزيت، بازدياد في عدد المؤمنين المنضمّين إلى الكنيسة الكاثوليكية. فقد ارتفع الرقم من 112 في نهاية العام 1875 إلى 218 في 1889 السنة التي ترك فيها الرعية. بينما ارتفعت مدرسة الأولاد من 10 إلى 28 طالباً، والبنات من 11 إلى 27 طالبة. وكما حصل في بيت جالا، فقد استطاع الأب جولي أن يجذب إلى مدرستيه تقريباً كافة الأولاد والبنات التابعين لرعيته الصغيرة. ومثلما جرى في بيت جالا، أراد الأب جولي أن يؤمّن للعنصر النسائي في رعيته وجود راهبات بينهم. فقامت رهبنة الوردية، والتي تأسست عام 1880، بفضل الأب يوسف طنّوس، ودعم البطريرك براكّو، وطبعاً استنادا للموهبة فائقة الطبيعة التي حصلت عليها الأم ماري ألفونسين، بوحي من العذراء مريم، بإرسال أولى راهباتها إلى بيرزيت عام 1885، وهكذا كانت بيرزيت من الرعايا الأولى التي يخدمنها هؤلاء الراهبات، أما أول راهبتين خدمن في بيرزيت فكانتا: الأخت أليصابات أبو صوان (من عين كارم) والأخت لويز بطرس (من القدس)، فاهتممن بمدرسة البنات (1885)، وهكذا أخذت راهبات الوردية موقعهن في العمل الرعوي بهمة ونشاط وتفاني، سواء في المدرسة أو في العمل الرعوي، خاصة مع البنات، وكان لهن اليد الطولى في زرع بذور الخير والإيمان في النفوس.

في النهاية، كان هذا عرضاً موجزاً للمرحلة الأولى من حياة الرعية الناشئة، والتي امتدت على مدار 30 عاماً، وقد كانت هذه الرعية في بادئ الأمر مترددة في خطواتها، وكان كاهنها يتابع وبصعوبة خرافه من موقع إقامته في جفنا، ثم انتظمت أكثر بعد ذلك، وتثبتت دعائمها، خاصة مع استقرار كاهناً فيها. ومن جهة أخرى وكما رأينا، فإن شخصية كاهنَيْها المرسَلين، ألا وهما الأب مكّانيو، والذي كان وبحق رجل الله، وخدم الرعية من العام 1868-1875، ومن ثم الأب جولي، وهو رجل اجتماعي وطيب القلب، ويملك كفاءات طبية جيدة، وقد خدم الرعية من العام 1875-1889، قد ساعدا بالفعل على تثبيت واستقرار هذه الرعية وبشكل نهائي وقوي. وقد تحققت انجازات في عهديهما لا يمكن نسيانها، بالرغم من كل الصعوبات، وبالرغم من الطبع الغليظ والبارد لأهلها، وأيضاً بالرغم من المنافسة البروتستنتية، أولئك المبشرين الجدد الذين وضعوا امكاناتهم المادية العالية في خدمة أغراضهم التبشيرية.

 

 

بيرزيت بين الأعوام 1889 و 1919

 

تم تغطية هذه السنين الثلاثين (1889 – 1919) في خدمة رعية بيرزيت من قِبَل كاهن واحد، وهو الأب بشارة عبدربّه (1863-1943). وتُعتبر هذه المدة الطويلة من الحالات النادرة في تاريخ البطريركية، تشبهها فترة الأب يعقوب عوّاد، الذي بقي كاهناً في رفيديا (نابلس) مدة 37 عاماً (1894-1931) والأب جورج غات، الذي بقي 36 سنة كاهن الرعية في غزة (1878-1915).

وكما كان الحال لدى  سلفه الأب جولي، فإن الأب بشارة لم يُرسل إلى أرشيف البطريركية، مدة الثلاثين عاما التي قضاها في بيرزيت، سوى أربعة رسائل. وذلك لأن الكهنة المرسلين حول القدس كانوا يفضّلون الذهاب إلى دار البطريركية، ليعالجوا مشاكلهم بأنفسهم، دون الحاجة إلى كتابة الرسائل.

تميزت هذه الفترة من إقامة الأب بشارة في بيرزيت بأحداث هامة، أولها تغيير البطريرك مع بداية القرن العشرين، وخطر مجزرة بحق المسيحيين، في العام 1909، والتي تم إيقافها في آخر لحظة بسبب حدوث ثورة في قصر السلطان التركي في اسطنبول. ثم تلى ذلك اندلاع نيران الحرب العالمية الأولى من العام 1914-1918، والتي أثّرت بشكل كبير على البلاد كافة، وعلى أهلها، وعلى البطريركية اللاتينية وإرسالياتها ومرسليها. وقد تأثرت منطقة بيرزيت وجفنا بالذات، حيث عانت بيرزيت في شهر كانون ثاني 1918، من قصف عنيف بالمدفعية الإنجليزية، أدى إلى هروب سكانها، ومعهم كاهنها وراهباتها.

إن الصفحات التي ستلي ستحاول، وبفضل وجود شهادات كثيرة مكتوبة ومسموعة، أن تحدد الأحداث التي جرت في المنطقة وتضعها في قالبها الفلسطيني العام.

 

مُرسَل بيرزيت من العام 1889-1919

 

إنه الأب بشارة سليمان عبدربّه (1863-1943)، وهو من كهنة البطريركية من الجيل الثاني. وُلد في 15 حزيران 1863 في بيت جالا، ودخل السمينير وعمره 12 عاماً في شهر حزيران من العام 1875. سيم كاهناً في 22 أيلول عام 1888 على يد البطريرك القديس منصور براكّو، الذي توفي بعدها بسنة واحدة. ثم أصبح كاهن بيرزيت عام 1889 وهو في ريعان شبابه.

كان لدى الأب بشارة ابن عم كاهن، ارتسم بعده بست سنوات، وهو الأب أنطون إلياس عبدربّه (1869-1916). الذي دخل السمينير عام 1879، وسيم كاهنا في العام1893. وكان من حظ الأب أنطون أن يكون كاهناً مساعداً في رعية السلط للأب لويس بيكّاردو، الذي كان مُرسَلا بارعا، وذا خبرة كبيرة، وذلك ولمدة 8 سنوات، بعدها انتقل إلى الكرك ليصبح مساعداً للأب اسكندر مكّانيو، والذي كان من قبل كاهن بيرزيت. وبعد هذا التدريب الاستثنائي الذي حصل عليه، أصبح الأب أنطون مُرسلاً بارعا، وعُيّن كاهن رعية في السلط، وبقي فيها مدة 14 عاماً، وقد ترك فيها بصمات واضحة، وهي الرعية الأم لباقي رعايا شرق الأردن، ثم أصبح اليد اليمنى للبطريركية في تأسيس باقي الرعايا في شرق الأردن، ولكن ما لبث أن أصيب بمرض التيفوس نتيجه عطفه ومساعدته للمصابين، فمات سنة 1916 شهيد غيرته الرسوليه.

ولكن من جهة ثانية فإن الأب بشارة كان ذا شخصية صعبة وصلبة للغاية، وكان يحتاج بالفعل إلى كاهن قديس آخر، لكي يساعده على تلطيف حدة طباعة. لكنه كان بنفس الوقت شديد الذكاء، ونبيلا في أخلاقه ولكن غليظ الطباع وحاد المزاج. وفي إحدى المرات، تلقى التوبيخ من البطريرك بارلسينا، وكان ذلك سنة 1924، حين قال له البطريرك وبحدّة: «الله أكبر، رأسك قاس مثل الحجر»، وذلك بعدما أظهر ردة فعل غير محبّذة أمام البطريرك حين كان يُعلن له أنه قد تم ترقيته إلى رتبة قانوني للقبر المقدس، وذلك على لسان الكاردنيال جورجي، والذي كان في زيارة إلى جفنا، في ذلك الوقت، وهو في طريقه لتكريس كنيسة الجسمانية في القدس.

بقي الأب بشارة كاهن رعية لبيرزيت، ولمدة 30 عاماً، وبدون انقطاع، سوى لمرة واحدة، حين قام بعض الأشخاص بالشكوى عليه لدى البطريركية في القدس، وذلك في العام 1909، بسبب بعض عمال قطّاع الحجارة الذين قام بطردهم من العمل، من دون أية شفقة وبتسرّع. وقد خدم الأب بشارة أول 15 عاماً من خدمته ككاهن في بيرزيت في عهد البطريرك لويس بيافي (1889-1905). وكان البطريرك بيافي أيضاً ذا طبع صعب وحاد، وقد كانت علاقته مع بعض الكهنة تتسم بشيء من الخشونة، مما أدى بالبعض منهم إلى ترك البطريركية. ولكن لم يتم تسجيل أي تصادم بينه وبين كاهن رعية بيرزيت، بل ترك ذلك لخليفته البطريرك بارلسينا، الذي في العام 1919، قام بنقل الأب بشارة من بيرزيت إلى جفنا.

من ناحية أخرى كتب الأب بشارة في الرسالة المؤرخة في العام 1899 عن عملية بناء تتم في دير بيرزيت، خاصة في الطابق العلوي. وكان وضع المراحيض على بسطة الدرج من مميزات البنايات التي أُنشئت في عهد الأب باربريس، الذي كان وكيلا للبطريركية في ذلك الوقت، وبنفس الوقت مهندسا مرموقاً للعديد من البيوت. أما البطريرك بيافي فلم يؤسس رعايا جديدة بل اكتفى بالقائمة، وعمل على تطويرها لتكون مريحة أكثر للكاهن، وأثبت من تلك التي كانت قد بُنيت بطريقة سريعة وعلى أساس غير متين. هكذا إذا هو الأب باربريس، مع مجموعة من البنّائين الذين درّبهم وعلّمهم المهندس الأكثر اعتباراً لدى البطريرك بيافي.

وفي عهد الأب بشارة تقوّت الحركة البروتستنتية في بيرزيت. فقد تم تأسيس مطرانية الأنجليكان في القدس عام 1841 بهدف تبشير اليهود. إلا أن صموئيل غوبات، مطرانها الثاني، من العام 1846 إلى 1879، السويسري الأصل، قد اقتنع بعبثية تبشير اليهود، فعاد إلى استقطاب المسيحيين الفلسطينيين أهل البلد. وفي عهده تم تأسـيس مؤسـسة أنجليكانية لدعم المطرانية، وهي «المؤسـسة المسـيحية التبشيرية» Christian Missionary Society، وكان ذلك في العام 1851، وهي التي أمّنت تمويل عمل المطرانية التبشيري. ثم أسّس في القدس مدرسة ذات مستوى راقِ، دُعيت بمدرسة غوبات، وكان يرتادها الطلاب من القدس، ومن القرى المحيطة، وكان يشرف عليها القساوسة، أما التعليم فيها، فكان مستواه أعلى من المدارس الأخرى، وقد تخرّج من طلابها قساوسة بروتستنت ذو جدارة، أمّنوا وجود قساوسة محليين من أهل البلد.

أما البروتستنت في بيرزيت، فقد قاموا بحملة تبشيرية بقيادة موسى بن ناصر، معلم مدرسة اللاتين السابق، من عهد الأب مكّانيو، والذي قاد وفداً في السابق (1869) إلى البطريركية يطالبون البطريرك بكاهن مقيم لديهم. وقد أصبح ابنا موسى قسيسين، أحدهم لبيرزيت، والآخر ليافا. أما مدرسة البروتستنت، فقد نالت الدعم الجيد من المؤسسة المسيحية التبشيرية، وتطوّرت بشكل ملحوظ، إلى أن أصبحت كلية جامعية، ومن ثم إلى أولى جامعة فلسطينية متكاملة وكبيرة عام 1975.

في 24 كانون ثاني 1905 توفي البطريرك بيافي، فقام مساعده المطران لويس بيكّاردي (1845-1917)، والذي سيم أسقفا عام 1902 بإدارة البطريركية. وظل يديرها حينما كان الكرسي البطريركي شاغراً لفترة طويلة في هذه الحالة، وذلك لأن البطريرك الجديد كاماسّي، والذي جرى تعيينه في 6 كانون أول 1906، لم يصل القدس إلا في 19 أذار 1907، أي بعد أكثر من سنتين على وفاة البطريرك بيافي. وكان المطران بيكّاردي قبل ذلك كاهن رعية جفنا، والطيبة، وشفاعمرو، والسلط، وبيت جالا، ويعرف اللغة العربية، ولديه معرفة جيدة في البلاد وبإرسالياتها وبالأتراك. ولكنه كان يتسم بضيق الأفق، الأمر الذي جعل السنتين اللتين خدم فيهما هذا المطران البطريركية ثقيلة على الجميع. وهذا الأمر حدا بابن عم الأب بشارة عبدرّبه، وهو الأب أنطون، كاهن رعية السلط آنذاك، وكان كاهنا غيورا تقياً، وقوي الشخصية، ترتكز على كاهله إرساليات شرق الأردن بكاملها، بأن يكتب وبدون تحفّظ للبطريرك الجديد عام 1907 حول إرساليات شرق الأردن قائلاً:

«مرة أخرى أريد أن أقول لكم كانت نظرة النائب البطريركي العام ضيقة. وقد ترى يا صاحب الغبطة كم تألمنا جميعا من ذلك، أثناء السنتين اللتين طالتا علينا، والتي شغر فيها الكرسي البطريركي».

كان البطريرك كماسّي رجلا مسالما، طيبا، وليّن الطباع، الأمر الذي جعل الجميع يتناسون قساوة سابقه البطريرك بيافي. أما الأب بشارة، الذي لم يواجه أية مشلكة مع البطريرك بيافي، فلم يجد أيضاً ذلك مع هذا البطريرك الجديد، ولا مع أخوته الكهنة الآخرين، فقد كانت الصعوبات تأتيه من الأوضاع الخارجية المأساوية.

 

تحت تهديد المجزرة

 

تلقى أهل القدس أخبار تهديد بالمجزرة من قبل الطغاة الأتراك عام 1909، وقد بقيت عالقة في أذهانهم أحداث مجزرة دمشق عام 1860، والمجزرة ضد الأرمن والسريان في تركيا، عام 1895-1896، وبالطبع المجزرة التي حدثت في القدس عام 1876. وقد هرع سكانها يومذاك يطلبون العون لدى قناصلة الدول الأجنبية، ويبحثون عن ملجأ يأويهم في الأديرة والمؤسسات الدينية. ولكن في ذلك الوقت أطيح بالسلطان التركي، وجاءت الأوامر العاجلة من القسطنطينية بإيقاف المجزرة، وهكذا انتهى الخطر. وكان التهديد يعمّ جميع أنحاء فلسطين، خاصة قراها، ومن بينها طبعا بيرزيت، التي كانت مُحاطة بقرى يسكنها المسلمون في غالبيتها، وكان من السهل على الأتراك أن يستميلوا هؤلاء، ويثيروا فيهم النعرة ضد المسيحيين.

 

الحرب العالمية الأولى 1914-1918 في فلسطين

 

لكونها مقاطعة من مقاطعات الإمبراطورية العثمانية منذ 1516، لم يكن أمام فلسطين ألا أن تنجرّ وراء هذه الأحداث المؤلمة التي عصفت بالعالم كله. ففي العام 1909 قامت حركة تركيا الفتاة بالإطاحة بالسلطان الطاغية عبد الحميد، والذي كان يُلقَب بـ «السلطان الأحمر»، لكثرة المجازر التي اقترفها، خاصة ضد الأرمن والسريان. فاستلموا الحكم من بعده، ولكنهم لم يستطيعوا أن يوقفوا حركات الانفصال والاستقلال، التي أخذت تحدث في بلدان عديدة من اقطاعيات الامبراطورية الشاسعة. فلم يستطيعوا أن يمنعوا ضياع دول البلقان من بين أيديهم، ولم يقدروا أن يقفوا في وجه جفاء العرب لهم، الذين أخذوا يستعدّون ليوم الاستقلال. ولما جاء العام 1913 استلم السلطة في تركيا ثلاثة شباب، وهم جمال باشا وطلعت باشا وأنور باشا، وكانوا من محبي الثقافة الألمانية، فعقدوا حلفاً في العام 1914 مع ألمانيا، وحصلوا منهم على سفينتين حربيتين، فنفضوا عنهم الروح الاستسلامية، وأعلنوا الحرب على الحلفاء.

ولما كان جمال باشا مسؤولاً عن منطقة سوريا قام بالتجهيز مع ضباط ألمان لهجوم عسكري على مصر، التي كانت آنذاك تحت الانتداب البريطاني. ولكي يقوموا بعملية نقل الجنود والعتاد، عملوا بجد على مدّ سكك الحديد، ابتداء من نابلس إلى طولكرم فاللد، وذلك في العام 1914، ومن اللد إلى بئر السبع في العام 1915، ومن بئر السبع إلى العوجا، على الحدود المصرية، في العام 1916.

في العام 1915 حاول جمال باشا أن يجتاز قناة السويس بالقرب من الاسماعيلية، ولكنه فشل بعد أن اعترضتهم ثلاثة زوارق حربية فرنسية. ثم قام باحتلال شبه الجزيرة، وبدأ يجهز نفسه لهجوم ثاني. ولكن الإنجليز قاموا بهجوم مضاد وسريع ضد الأتراك في 2 آب 1916، فوصلوا العريش ورفح. وقد قاموا بدعم تقدمهم ضد الأتراك بمدّ سكة حديد ابتداء من قناة السويس. عندها بدأ جمال باشا يشعر بمرارة الهزيمة، بفضل المقاومة العربية المحلية، وهروب العديد من جنوده من أصل عربي من صفوف جيشه. وبنفس الوقت، اندلعت شرارة الثورة العربية، على يد الشريف الحسين في 5 حزيران 1916 في الحجاز، وقد دعمها الإنجليز أنفسهم بقيادة الكولونيل الشهير لورنس.

ثم جاء جيش الجنرال موراي من جهة القناة، وقام بهجوم كاسح على غزة في شهر آذار 1916، والتي كان يدافع عنها جيش تركي مؤلف من 20 ألف جندي. إلا أن الإنجليز ارتدوا على أعقابهم، فقاموا بهجوم ثاني في 19 نيسان، وأيضاً خسروا المعركة، ولكن هذه المرة مع خسائر فادحة في الأرواح، بلغت أربعة آلاف قتيل. ثم استلم الجنرال اللنبي القيادة مكان الجنرال موراي، فقام بدحر الأتراك من بئر السبع، وعاود الهجوم على غزة، فقصفها من البحر قصفا عنيفا، مما أدى بالأتراك إلى إخلائها في 6 تشرين ثاني. وكانت يافا قد احتلها الإنجليز، ومنها انطلقوا إلى القدس. وعندما احتلوا القسطل في 8 كانون أول، أخلى الأتراك المدينة المقدسة، فدخلها الإنجليز في 9 كانون أول، واحتفلوا بدخولها في الحادي عشر من ذلك الشهر، وقد استقبلهم المونسينيور فلّينجر، النائب البطريركي للبطريرك كاماسّي، الذي كان قد نفي إلى الشمال. ولكن في عيد الميلاد، حاول الأتراك يائسين أن يشنوا هجوما آخر على القدس، من جهة طريق أريحا، ومن جهة رام الله. ولكن الإنجليز الذين كانوا آنذاك يتمركزون في عين عريك، أغاروا عليهم فجأة وطردوهم من رام الله، فهربوا إلى جفنا وأقاموا قيادتهم العامة في دير اللاتين.

في شهر شباط من العام 1918، قام الإنجليز بهجوم جديد أدى إلى دحر القوات التركية باتجاه شمال جفنا، وقد أكمل الجنرال اللنبي انتصاراته على الأتراك حتى طردهم من الديار الفلسطينية جميعها بعد احتلال دام أربعة قرون متواصلة، دُمَرت وأفقرت به البلاد.

 

البطريركية اللاتينية تحت وطأة الحرب

 

كانت تأثيرات الحرب كبيرة ومباشرة على مؤسسات البطريركية اللاتينية. وقد كانت فلسطين ممراً لهجوم القوات التركية على قناة السويس في مصر. وهكذا كانت أبرشية فلسطين تعاني وتزداد معاناتها من تأثيرات هذه الحرب.

وقد اعتبر الأتراك، ومنذ الأشهر الأولى للحرب، كل الأجانب الموجودين في فلسطين، جواسيس للحلفاء أعدائهم. فبدأت عملية نفي لهؤلاء الأجانب، وخاصة الفرنسيين، الذين كانوا يملأون المؤسسات والجمعيات الدينية، في شهر كانون أول 1914. وقد أصاب هذا النفي أيضاً كهنة البطريركية من أصل أجنبي، وكان ممن تم نفيهم في البداية ستة كهنة فرنسيين، ومن بينهم: الأب جان ديسّارت (1856-1936) كاهن رعية بيت ساحور آنذاك، والأب أدولف بيران (1971-1948) وكان وكيل البطريركية. ولكن هنالك أيضاً مجموعة من أربعة كهنة شباب، وكانوا كهنة مساعدين في بعض الرعايا، وهم: الأب لياندر جيرارد، وجان مارك هادور، وكانا مساعدين في رعية السلط، ثم فرنسوا جوليك وهنري غوتاي، وكانا مساعدين في رعية بيت جالا. وقد قام كاهن رعية نابلس في ذلك الوقت، وهو الأب جورج غولوبوفيتش (1857-1942)، من أصل نمساوي، بإيواء هؤلاء المنفيين في ديره (وحسب مذكرات هذا الكاهن يقول أنه قد أوى في ذلك الوقت في ديره الواسع 129 شخصاً). وقد بقي قطارهم ينتظر لبعض الوقت في محطة المسعودية أسفل سبسطية، لحين تدخل الكرسي الرسولي لكي يتم نقلهم من دمشق إلى بيروت، ومن ثم إلى إيطاليا.

في العام 1915 دخلت إيطاليا الحرب، وهنا جاء دور المُرسَلين من أصل إيطالي، لكي يغادروا البطريركية. وما عدا البطريرك نفسه ومساعده المونسينيور بيكاردو، لم يبق سوى ثلاثة كهنة رسموا في العام 1911. أما الأب أنطونيو فرغالي، والذي كان كاهن رعية مادبا، فقد نُفي إلى تركيا عام 1916، ولكنه ذهب من هناك إلى إيطاليا. ثم الأب فيليب تالافاكيا (1889-1957)، والذي بقي في البطريركية، فقد نُفي عام 1917 إلى دمشق، ولكنه عاد إلى الناصرة ليكون بالقرب من البطريرك. ثم الأب باسكال أبّودْيا (1888-1971)، والذي استطاع أن يهرب من النفي في العام 1915، ومرة ثانية في العام 1917.

أما الكهنة الذين بقوا على رأس عملهم، فقد كانت الصعوبات والمشاكل تلاحقهم. مثلما حصل مع الأب جورج غولوبوفيتش، كاهن رعية نابلس، الذي تعرض لمضايقات من قِبَل الأتراك، لكونه من جنسية نمساوية.

وقد أعطى الأب منصور جلاد، كاهن جفنا، نظرة عن الوضع الذي كان سائداً في ذلك الوقت في جميع أنحاء البلاد مع بداية الحرب فقال:

في السنوات الثلاث الأولى للحرب، وبشكل عام، كان الشعب يعيش بهدوء نسبي بما يخص العبادة وما يتبع الخدمة العسكرية. أما حصاد الحقول فقد استمر، بالرغم من أنه كان بكمية أقل عن المعتاد. ولكن العوز والجوع كان يضرب البلاد بسبب تأثير كارثة الجراد والضرائب...»

 

أما الجنود والذين كانوا يُستَخدَمون كاحتياط وفي نفس البلد، فقد استفادوا من ذلك ليزوروا عائلاتهم.

«بالرغم من أن العدد الأكبر من الشباب قد دُعي للخدمة العسكرية من قبل الحكومة التركية، فقد كان بمقدورهم وبشكل عام العودة كل سنة إلى قراهم، وتناول مناولة الفصح كالمعتاد».

 

ومع نهاية الحرب بدأ هؤلاء الجنود من أهل البلاد بترك الخدمة العسكرية. ولكن ذلك قد أثار غضب الأتراك، ففرضوا عليهم العقوبات. ويروي الأب جورج غولوبوفيتش، في حديثه عن الحرب، هذه القصة المأساوية التي حدثت أمامه في قرية الطيبة حيث كان كاهنها، وذلك في شهر أيلول 1916. فقد وصل ضابط تركي ومعه 15 جندياً وطلب المبيت في الدير. وقد جاء، حسب ما ادّعى للكاهن، لكي يبحث عن الجنود الفارين في الطيبة وما حولها، وذلك لكي يعفو عنهم إذا ما قاموا بتسليم أنفسهم خلال ثلاثة أيام . فتقدم إليه نحو 350 شخصا من هؤلاء الجنود الفارين، وكلهم ثقة بوعود هذا الضابط، غير أنهم كانوا ساذجين جداً. حيث حلّت المأساة في اليوم الرابع.

«في صبيحة ذلك اليوم وعندما استيقظت شاهدت مشنقتين منصوبتين وسط مخيم هؤلاء الجنود الفارين، الذين سلموا أنفسهم، فسألت الضابط ماذا يعني هذا. فأجابني: «هذا لا شيء، فقط بعض الإجراءت البسيطة للتخويف». عند الظهر رفض ضيفي أن يتناول طعام الغذاء، متحججا ببعض الانشغالات العاجلة. وبعد ذلك بفترة قصيرة جاءني أحد أبناء رعيتي يقرع الباب ويصرخ: «يا أبونا، يا أبونا، الأتراك يريدون أن يشنقوا ستة مسيحيين». فهرعت إلى المعسكر ووجدت بالفعل ستة رجال موثوقين، ومن بينهم واحد من أبناء رعيتي، شاب يافع، وابن وحيد لأرملة فقيرة، وقد تزوج حديثاً. فهرعت إلى خيمة الضابط وسألته أصحيح انكم سوف تقومون بشنق هؤلاء الرجال المساكين. فأجابني بدون تردد بنعم، وأضاف قائلا: «إن السلطان أب رحيم، لذلك سنُجري القرعة، ومن ترسو عليه القرعة من بين هؤلاء الستة، سنقوم بإعدامه». فكان اسم هذا الشاب من رعيتي هو الذي وقعت عليه القرعة.

وعندما جاء وقت تنفيذ عملية الشنق، تدخّلتُ مرة أخرى لدى الضابط، وطلبتُ منه أن اختلي بهذا المسكين لخمس دقائق فقط. فمنحني الإذن. فركعنا أنا وإياه عند أسفل المشنقة، وضممته وسمعت اعترافه. فاسلم ذاته بطواعية، فمنحته الحلَّة عن الخطايا كاملة، عندها قبّلته وقلتُ له وأنا أبكي: «إلى اللقاء، سنلتقي يوما ما في السماء». ثم ابتعدتُ بضع خطوات. فتم إيقافه على طاولة، ووُضع الحبل حول عنقه، وبعد بضع دقائق، شُنق وأصبح جثة هامدة. أما أنا فلم استطع مقاومة هذا المشهد الرهيب، فسقطت مغمىً عليّ.

 

وقد أصاب الكهنة المرسَلين مصاعب أخرى تتعلق بمدارسهم. إذ صدر قرار من جمال باشا عام 1915 يأمر بإغلاق كل المؤسسات «الأجنبية» ومن ضمنها مدارس فلسطين التابعة للكنائس، والتي يديرها الكهنة والرهبان المحليين. وهكذا صار، سوى حالة واحدة شاذة في عابود، حيث اكتفى الضابط المسؤول هناك بأخذ مفاتيح المدرستين التابعتين لدير اللاتين، معتقداً أنه قد أتم الأمر، ولكن المدرستين أكملتا عملهما كالمعتاد ولكن بالسر. أما الأديرة، والتي بُنيت بطريقة متينة، فقد تم مصادرتها، وفي معظم الأحيان كان الضباط الأتراك يحتلونها ويحوّلونها إلى مكاتب. وقد سُلِبَت وخُرِّبت في معظم الأحيان، خاصة أثناء الحرب، وأثناء الاحتلالات المتتابعة للمنطقة، خاصة مع موعد خروج الأتراك من البلاد في شهر تشرين ثاني من العام 1917. ففي بيت جالا كان مصير الدير والسمينير الملتصقين ببعضهما البعض أن تعرضا للاستيلاء عام 1916، أولا من قِبَل الألمان ومن ثم الأتراك، وبالذات الجنود الذين حوّلوا الطابق الأول بكامله إلى اصطبلات لخيولهم. وقد اختفت الأبواب والنوافذ وحوالي 200 شجرة زيتون في لهيب النار التي كانوا يستدفئون بها في أول فصل شتاء. أما في نابلس وقد كان ديرها واسعا، فقد تم الاستيلاء عليه عام 1915، وحوّل إلى مستشفى عسكري، ومن ثم أصبح مدرسة إسلامية وبعد ذلك قاعدة عسكرية ألمانية. وهناك أيضاً تم حرق كل ما يمكن حرقه من أثاث وشجر. وفي رام الله تمت مصاردة الدير وتحويله إلى مركز طوارئ، أما الكاهن، الأب عمانوئيل حبش، فقد ذهب للسكن لدى راهبات مار يوسف. ومع نهاية الاحتلال التركي تم تجميع كل محتويات الارسالية في مكان واحد ولكنها سُرقت. وأيضاً في الطيبة حيث كل الأبواب والشبابيك وبنوك الكنيسة قد انتهت في النار.

أما الكنائس، فلم تسلم هي الأخرى. فقد تم مصادرتها واستعمالها بأحسن الأحوال كمستودع عسكري، ومن ثم كمركز طوارئ. وفي السلط قام بعض العسكريين الأتراك المتزمتين باستخدام أجراس الكنيسة للاستهزاء بالمسيحيين في شوارع البلد. وفي رام الله حيث كان جمال باشا في جولة تفتيش شاهد حميرا تدخل الكنيسة، وقد حُوّلت إلى مستودع عسكري، فأخذ يقول لها بتهكُّم: «وأنت ألا تعرفين ما معنى كنيسة؟» وأمر بخلع البلاط. وفي جفنا قام عصمت أينونو بمصادرة الدير لهيئة أركانه، تاركا الكنيسة للكاهن.

وقد تعرّض العديد من الكهنة المُرسَلين إلى معاملة قاسية ووحشية في بعض الأحيان، وذلك أثناء الحرب. ومن بينهم الأب أنطون فرغالي، كاهن مادبا، والأب اسطفان تلحمي كاهن يافا الناصرة، والأب موسى سليمان مسلّم (من بيرزيت)، كاهن الحصن، وقد اتُّهِموا بالتجسُّس لصالح الحلفاء، فتم اعتقالهم وسجنهم في ظروف قاسية، إلى حين اطلاق سراحهم بعد دفع البخشيش.

ولم تسلم السلطات الدينية العليا من مثل هذه المعاملة. فقد تم نفي بطاركة القدس الثلاث، اللاتين والروم والأرمن، وإبعادهم عن القدس. إذ بقي البطريرك كماسّي في الناصرة مبعدا عن بطريركته في القدس، حتى زوال الاحتلال التركي.

وقد توفي عدد من كهنة البطريركية نتيجة ظروف الحرب ومرض التيفوس، حيث فقدت البطريركية 12 كاهنا خلال 4 سنوات من الحرب بالإضافة إلى 9 كهنة كانوا قد نفيوا إلى الخارج. وكانت هذه ضربة قاسية أصابت اكليروس البطريركية في ذلك الوقت.

 

الحرب في محيط بيرزيت

 

لقد عرضت الصفحات السابقة إطارا عاماً لما كانت عليه البلاد أثناء الحرب بين الأعوام 1914-1918 وما كان لها من تأثير على البطريركية اللاتينية. وكان لبيرزيت ولمحيطها نفس المصير كسائر البلاد. وقد وجدت بيرزيت وجفنا عام 1917 نفسيهما في قلب الأحداث وفي مركز الأحقاد. وكان للرعيتين نفس المصير، وتأثرتا كثيراً بهذه الأحداث، حيث شهدت هذه المرحلة من الحرب مع نهاية العام 1917 وبداية 1918 تهجير جميع السكان من هاتين القريتين.

فبعد أن احتل الإنجليز القدس في 9/12/1917 تمركزوا في النبي صموئيل وعين عريك، وكان الأتراك يتمركزون في رام الله وطريق أريحا. وفي عيد الميلاد من ذلك العام، شنّ الأتراك هجوماً على القدس من الشرق والشمال، ووصلوا حتى جبل سكوبس، ولكن الإنجليز ردّوهم نحو الشرق، وهاجموا كل المواقع التركية في المنطقة. وأخذ الإنجليز يهاجمون الأتراك، عند عين عريك. وتقدموا إلى رام الله، وسقطت المدينة بدبابة واحدة، فأخلاها الأتراك، وفي اليوم التالي لدخول الإنجليز إلى رام الله (في 27 كانون أول) كان الجنرال الإنجليزي قد استدعى كاهن الرعية الأب عمانوئيل حبش، ومعه عدد من وجهاء المدينة، لكي يسألهم أين يمكن دفن الموتى الذين وُضعوا في الكنيسة، وفي تلك الأثناء وأثناء المقابلة، سُمعت طلقات نارية، أُصيب على أثرها الأب عمانوئيل حبش، فمد يده إلى فخذه فوجدها مضََّرجة بالدماء، فنُقل عندها إلى مستوصف راهبات مار يوسف للمعالجة، حيث بقي هناك مدة من الزمن، وقد كان يسكن عندهم عندما صادر الأتراك ديره.

وفي جفنا جاء الأتراك إلى الدير في ليلة الميلاد، وفتّشوه، وكان قائدهم جنرال مسؤول اسمه عصمت أينونو، الذي أصبح فيما بعد ثاني رئيس جمهورية لتركيا، بعد مصطفى أتاتورك. وطلب أينونو من الأب منصور جلاَّد أن يسمح له بالإقامة في الدير هو وعسكره، فخرج الكاهن ليسكن في بيوت القرية. فسكن الجنرال في ديره ولكنه ترك للكاهن حرية استخدام الكنيسة. إلا أنه في ظل الضربات الإنجليزية المتواصلة قرر عصمت أينونو نقل قيادته إلى الشمال. وكان الإنجليز يعرفون أن الأتراك احتلوا الكنائس وتمركزوا فيها، فتعرّضت هذه البنايات في بيرزيت، وجفنا والطيبة للقصف، فالتجأ السكان إلى المغاور القريبة، ولكن بيرزيت تعرّضت أكثر من غيرها للخسائر، فقد كانت ظاهرة عن بُعد وكانت تشكل هدفاً سهلاً لا يخطئه أحد. وكانت الخسائر فادحة، إذ كانت الهيكلية الخارجية للكنيسة والدير تظهر صلبة من الخارج ولكنها في الواقع كانت هشة، لأن معظم البناء كان يتم بالطين وليس بالرمل.

ومنذ أول أيام القصف في شهر كانون ثاني 1918، استعجل أهل بيرزيت، وقد كثر عددهم مع سيل النازحين الذين قدِموا من الساحل الفلسطيني إلى بيرزيت، بعد أن شاهدوا هجوماً جديداً للجيش الانجليزي تبعته معارك ضارية. أما كاهن بيرزيت آنذاك الأب بشارة عبدربّه والراهبتين فقد لجأوا إلى جفنا، لأنها كانت أكثر أمناً من بيرزيت، التي تعرّضت للقصف البريطاني. وفي جفنا وجدوا مكانا واسعاً لهم في دير الكاهن، بعد أن أخلاه الأتراك، وقد كانت راهبات جفنا في تلك الأثناء قد غادرنها إلى القدس.

وكان أهل البلاد الذين تعبوا من الاحتلال التركي وظلمه، قد تنفسوا الصعداء مع مجيء الإنجليز، وقد أملوا منهم العدل وتحسّن أواضعهم الاقتصادية. ولكن وفي ذات الوقت سرت شائعات بأنه سوف يحدث تهجير للسكان إلى شمال طبريا مع انسحاب الأتراك، وقد كتب كاهن جفنا في التقرير الذي بعثه للبطريركية يصف ما جرى:

«بعد أن قرر الأتراك إجلاء كافة السكان إلى ضفاف طبريا، اجتمعت شخصيات البلدة سراً، وقرروا أنه عند مجيء الليل عليهم أن يحاولوا اختراق الخطوط التركية والاستسلام للإنجليز، الذين كانوا يتمركزون على بعد كيلومترات إلى الجنوب من رام الله، ومن حسن حظهم أن الليل كان معتماً بلا قمر ولا نجوم، فنجح معظمهم في تخطّي المجموعات التركية وتعدُّوها، ولكن الذين لم يستطيعوا الهرب من الشيوخ والعجزة، فقد دفعوا الثمن، إذ ساقهم الأتراك إلى الشمال، ومات معظمهم في الطريق، من جراء الحرمان والمعاملة السيئة. أما القرية فقد تعرضت بعد ذلك للنهب والتخريب».

 

وقد حدثت الهجرة في 19/1/1918. أما الهاربين من سكان بيرزيت وجفنا، فقد ساروا إلى سردا، ولكن الإنجليز قد تقدموا أكثر واستقبلوا السكان الذين يتقدّمهم الكهنة: الخوري بشارة عبدربّه من بيرزيت والخوري منصور جلاَّد من جفنا. ثم استُقبلوا في رام الله من قبل أبناء دينهم، وساعدتهم الخدمات العسكرية البريطانية، وكانوا فرحين لهربهم من خطر الجلاء.

أما أهالي الطيبة فقد علموا بقرار التهجير قبل ساعتين من صدوره، فتجمعوا تحت الزيتون خارج قريتهم، وعندما حل الليل هربوا نحو وادي الأردن. أما الكاهن والراهبتان، فقد أُجبِروا على الهرب نحو الشمال، دون أن يأخذوا معهم شيئاً. لكن طبيبا عسكريا كان يسكن عندهم في الدير، أشفق عليهم، فأعارهم حصاناً وجندياً يحرسهم في الطريق، حتى وصلوا المزرعة الشرقية على بعد ساعتين مشياً على الأقدام. وقد انضم إلى قافلتهم الصغيره هذه راهب أثيوبي وامرأة مع أطفالها الثلاثة. وعندما وصلوا المزرعة أشفق عليهم قائد ألماني كان هناك، فزوّدهم بثلاثة حمير وحماية حتى نابلس. وقد أوصلتهم سيارة عسكرية إلى نابلس صادفتهم عند اللبن.

وبعد هجرة السكان، وزيادة التصعيد المدفعي البريطاني ضد الدفاعات التركية في بيرزيت، قام الأتراك واللصوص بنهب البلدة، فكانوا يأخذون كل شيء من أثاث وأبواب ونوافذ وبنوك وغيرها، وذلك لإشعال النار فيها من أجل تدفئة الجنود. وبسبب وجودهم في بيرزيت، تعرّضت البلدة لقصف مدفعية الإنجليز بشكل مكثّف وعنيف، ففقدت الكنيسة جزءاً كبيراً من قرميدها، ودُمّرت غرفتان من غرف الدير، وتشقق  الباقي، فكانت إرسالية بيرزيت أكثر ارساليات البطريركية تدميراًً بسبب الحرب. وفي أول زيارة للخوري إلى بيرزيت بعد انتهاء الحرب، في شهر أذار 1918، وكان آنذاك بصحبة ضابط فرنسي بروتستنتي، كتب تقريراً يقول فيه:

«وجدنا القرية قد عُبث بها بشكل رهيب من قبل الجنود الأتراك، بما في ذلك الكنيسة، حيث الصلبان والتماثيل والأجراس والكؤوس وملابس الكهنة كانت إما مدمرة أو مسروقة. وكذلك النوافذ الزجاجية والتحف الجميلة، كلها كانت قد سُرقت. وكانت حالة دير الكاهن مثل ذلك».

 

ومع انتهاء الحرب، علِمَ الخوري بشارة أن القسيس الأنجليكاني قد حصل على تعويضات لا يُستهان بها من قبل الإنجليز، الذين كانوا قد دمروا بمدافعهم أماكن عديدة في بيرزيت، في كانون ثاني عام 1918. وعرف أيضاً أن القسيس حنا ناصر حصل على مبلغ 248 جنيه استرليني للتصليحات التي أجراها في بيته في صيف 1920، بالقرب من دير اللاتين ذلك الموقع الذي أُصيب بنفس القصف المدفعي مع الدير.

وقد دُهِشَ الخوري لدى سماعه جواب الجنرال الإنجليزي موني 1919، الذي بعثه للبطريركية والذي يقول فيه: «بعد التحقيق الذي أُجري على المكان نفسه، مكان القصف في كانون أول 1919، لوحظ أن الخسائر التي حدثت بالكنيسة سببها القذائف التركية».

وقد رفض المواطنون هذا التقرير، وكتب الأب بشارة بأسلوبه العنيف للبطريرك بارسلينا في حزيران قال فيها:

«أنا لا أزال مشدوهاً من تصريح مكتب الادعاء بأن الخسائر التي لحقت بالكنيسة والدير هي من صنع الأتراك ومدافعهم، فهذا غير معقول، لأن ذلك يعني قلب الشمال جنوباً والجنوب شمالاً، وهذا ما يرفضه العقل. ففي الحقيقة يلاحظ الإنسان أن اتجاه الضربات التي سببت الخسائر والأضرار جاء من الجنوب، وهذا يعني أنها من جهة الإنجليز، وليس من الشمال حيث تمركز الأتراك. أضف إلى ذلك أنني أنا نفسي والراهبتين وعائلتين من حيفا كنا موجودين داخل البيت- بيت الرعية- عندما بدأ القصف المدفعي الإنجليزي من جهة رام الله، التي كان يحتلها الإنجليز. وسمعت بوضوح تام صوت القصف المدفعي الرهيب آتياً من ذاك الاتجاه كي يسقط على بيوت القرية والكنيسة». وقص خوري جفنا الأب منصور جلاَّد قصته كيف سمع الجندي المسؤول وهو يؤكد بملءِ فيهِ أنه هو الذي وجّه القصف المدفعي على كنيستنا والبيوت الأخرى الكبيرة معتقدا أن الجنود الأتراك متحصنون فيها».

Lettre du 28 juin 1919, (Dossier Birzeit)

ويبدو أن كل الجهود التي بُذلت، من أجل طلب التعويضات من الإنجليز، على قصفهم العنيف لبيرزيت، في شهر كانون ثاني 1918، قد باءت بالفشل. أما الشخص الوحيد الذي استفاد من التعويضات، فكان القسيس الأنجليكاني، وذلك لروابط الصداقة الشخصية مع الإنجليز.

وقد عولجت قصة التعويضات على مستوى عام وذلك عام 1923، على أن تشمل كافة الخسائر التي سببها الأتراك لمؤسسات فلسطين بشكل عام أثناء الحرب. فتم تعيين لجنة ترميم في 23 تشرين ثاني 1923، في باريس، وكان فيها ممثلين عن الحكومة البريطانية، والفرنسية، والإيطالية واليابان. وكان لديهم مصدر تمويل أساسي لهذه التعويضات مبلغاً من الجنيهات كانت مجمدة في أوروبا. ولكن هذه اللجنة لم تسـتطع أن تعوض سـوى 40 % من الخسائر، وقد أبلغ البطريرك بارلسينا أنه قد تم تخصيص مبلغ 18.000 جنيه تركي ذهب لأبرشيته. وقد خصص منها لبيرزيت مبلغ 3600 جنيه استرليني، ولكنها لم تكن كافية لإعادة تعمير جميع ما دمرته الحرب خلال فترة ثلاثة أشهر فقط.

 

كهنة وراهبات من بيرزيت في عهد الأب بشارة

 

ونعود إلى الأب بشارة عبدربّه، الذي بقي كاهن رعية في بيرزيت مدة ثلاثين سنة، وقد كان لديه همّ رسولي كبير، وهو إيجاد دعوات للكهنوت من بيرزيت. وقد نجح في إرسال ثلاثة من أطفال رعيته إلى السمينير للتحضير للكهنوت، اصبحوا فيما بعد من كهنة البطريركية اللاتينية وهم:

الأب موسى سليمان مسلّم (1880-1936)، وقد أُرسِل إلى السمينير في شهر آب عام 1896، وسيم كاهناً في 29 أيلول 1907، وأصبح كاهن رعية الحصن اثناء الحرب العالمية الأولى، ومن ثم كاهن رعية في السماكية وتوفي في الناصرة عام 1936، عن عمر 56 عاماً، وكان آنذاك كاهن رعية في يافا الناصرة. واثناء الحرب كان من بين الكهنة الذين لاقوا عذابات كثيرة. فقد اعتُقل من قبل الأتراك في شهر حزيران من العام 1916، ووضع في السجن أولا في إربد، ومن ثم في درعة، وأخيرا في دمشق. ثم نُقل في القطار إلى قطاني (بالقرب من الكرك) وكان مقيداً مع سجين آخر في إحدى العربات المكشوفة، ولما وصل هناك أُغلق عليه في قبو قبر، وكان الجنود يلقون إليه بالخبز الناشف ليسدّ به رمقه. ومع نهاية اليوم الخامس نُقل إلى سجن في السلط مقيد الرجلين بسلاسل كبيرة. وحين جاءت ساعة المحاكمة لم تستطع المحكمة العسكرية أن تُثبت عليه أية جُنحة، وبعد دفع البخشيش، تم إطلاق سراحه، بعد شهر من العذاب والمعاملة السيئة.

الأب يوسف سعادة (1884-1943)، دخل السمينير بالمرحلة الصغرى مع الأب موسى، وسيمَ كاهناً بعده بشهرين، أي في 17 تشرين ثاني 1907. أصبح كاهن رعية السلط، ومن ثم الحصن، فالفحيص، وبيت ساحور وجنين. صحته كانت ضعيفة، فتوفي نتيجة الضعف والإعياء في دار البطريركية عام 1943، وكان عمره 59 عاماً.

الأب لويس عودة شحادة (1891-1925)، سيم كاهنا في 2 تموز عام 1913، وكان من نخبة الكهنة، وقد عمل كاهنا في كل من الكرك، ومادبا، والحصن وأخيراً  في عجلون ولمدة أربعة أشهر فقط، إذ قد مرض هناك، فعاد إلى القدس ليموت في عمرمبكِّر في مستشفى القدس عام 1925.

وأرسل الأب بشارة أيضاً فتاتين من بيرزيت ليدخلن الابتداء في رهبنة الوردية، وهن: الأخت لورانس مسلّم، وهي أخت الأب موسى مسلّم، والأخت رفائيل سعادة.

وبعد ثلاثين سنة من خدمة بيرزيت، طلب الأب بشارة عبدربّه من البطريرك أن ينقله إلى جفنا مكان الأب منصور جلاد. وفي الواقع كان البطريرك بارلسينا قد عيّن الأب منصور جلاد، وكان لم يزل شابا ونشيطا، في السلط، لكي يحيي إرساليتها،  لأنها أول رعية أسست هناك، ولكنها كانت قد أُنهِكت بسبب الحرب.

وحين انتقل الأب بشارة إلى جفنا، وكان عمره آنذاك 56 عاما، وقد كان يعرف هذه الرعية عن كثب، لقربها من بيرزيت، بدأ هناك عملاً شاقاً. وبما أن البطريرك بارلسينا كان يرغب في إعادة تنظيم رعية بيرزيت، حتى يكون فيها له معاونين أكثر سلاسة من شخصية الأب بشارة، التي كانت صعبة جداً، فأخذ طلبه بالانتقال إلى جفنا على محمل الجدّ، فنقله هناك مع نهاية العام 1919. إلا أن الأب بشارة ما لبث أن ندم على خياره هذا، فحاول أن يتراجع عن مطلبه وتعيينه هذا، ولكن المونسينيور بارلسينا رفض ذلك. فصارت العلاقة بينهما صعبة للغاية، حتى أن تعيينه قانونياً للقبر المقدس، عام 1924، لم تكن لتلّين طبعه أو تصلح من علاقته مع البطريرك. فبقي الأب بشارة في جفنا أكثر من 20 عاماً. ولم يترك هذه الرعية إلا عام 1943، بعد أن تدهورت حالته الصحية، وأصبح شبه فاقد للبصر. فتقاعد وذهب ليقضي بقية عمره بين أهله في بيت جالا، حيث توفي عن 80 عاماً، في 18 أيار 1943.

وعرفت الأعوام الثلاثون التي قضاها في بيرزيت، كما رأينا سابقا، أي من العام 1889 ولغاية العام 1919، أحداثاً مهمة في حياة القرية وحياة الرعية.


  

بيرزيت تحت الانتداب البريطاني (1918-1948)

 

كما سنرى في هذا الفصل، فإن الثلاثين سنة التي تلت عهد الأب بشارة عبدربّه كانت قد أثرت بشكل كبير على مصير بيرزيت. وبعد المدة الطويلة التي قضاها الأب بشارة في بيرزيت، ككاهن رعية ولمدة ثلاثين عاما، خدم بيرزيت عدد من الكهنة، تتابعوا الواحد تلو الآخر، ولفترات قصيرة، بعكس ما حدث مع الأب بشارة. فخدم الرعية من بعد الأب بشارة، وخلال مدة 22 عاما فقط 8 كهنة، إلى أن جاء التاسع، وهو الأب أنطون بوزو، والذي فاق الأب بشارة في المدة التي قضاها ككاهن رعية لبيرزيت، وكانت 50 عاماً.

لقد شهدت فترة الأب بشارة الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، حيث كانت نهايتها، كما سبق ورأينا، كارثة بالنسبة لبيرزيت. وخلال الثلاث عقود التي تلت هذه الحرب، وهي موضوع هذا الفصل، سنرى أن الأحداث قد تسارعت أيضاً في فلسطين، خاصة ثورة سنة 1936، والعام 1939، ومن ثم حرب النكبة سنة 1948.

وإن لم تكن هذه الحرب الأخيرة كارثية على بيرزيت من ناحية التدمير والقصف، كما حدث سنة 1918، إلا أنها كانت مصيرية، إذ غيّرت وبطريقة فجائية وجذرية أحوال المعيشة في البلاد، وأيضاً في بيرزيت، فرزحت المنطقة تحت نظام حكم غريب وجديد عليها، وهو الحكم اليهودي والحكم الأردني. وبالتالي سنجد في هذا الفصل الكثير مما سنتحدث عنه من أحداث أثّرت في تاريخ بيرزيت.

 

كهنة مرسلون جدد

 

بعد الخروج من الحرب العالمية الأولى، وجد الإكليروس البطريركي نفسه قد انخفض عدده إلى النصف، إذ توفي 12 كاهنا ونُفي 9 آخرون. وقلّت الدعوات إلى الكهنوت في سمينير بيت جالا، ففي 26 أيلول 1920، كانت آخر سيامات لكهنة من الجيل القديم ثلاث فقط، وهم: الأب ماات، والأب شتاينير والأب زكريا شوملي. لكن البطريرك بارلسينا، والذي وصل البلاد في 28 تشرين أول 1918،واختير بطريركا في 8 أذار 1920، كان رجلا لامعا ومنفتحا وذا إرادة صلبة. فقرر أن يستفيد من كل الامكانات والظروف التي أصبحت متاحة للجميع في فلسطين، خاصة بعد زوال الاحتلال التركي عن البلاد، ومجيء الانتداب البريطاني. فلم تفته أية فرصة لكي يعمل. فللوقت افتتح السمينير من جديد في بيت جالا في 17 أذار 1921. ولكنه وبسبب الضغوط وضيق الوقت، عاد مثل سابقيه من البطاركة يستنجد بأوروبا ليرسلوا إليه كهنة من هناك.

وبما أن البطريرك قد أتى من سمينير في منطقة تورينو (شمال غرب إيطاليا)، فقد ذهب إلى هناك يطرق الأبواب ليرسلوا إليه بعض الكهنة. وهكذا في تاريخ 21 تشرين ثاني 1920، أي بعد شهرين من سيامة آخر طالب كهنوت في البطريركية، استقبل البطريرك بارلسينا في القدس أول مجموعة من طلاب الكهنوت من نفس السمينير السابق الذكر، وهؤلاء هم: الأب جوزيبه فيزتّي، الأب ألبينو غورلا، الأب برناردينو ميرلو، الأب أنطونيو فيرغاني والأب أنجلو فوريستو. وشكّل هؤلاء مع الأب ميشيل كرم من الناصرة نواة المرحلة الكبرى من السمينير في بيت جالا، حين تم إعادة افتتاحه سنة 1921. ثم لحق بهم آخرون من نفس منطقة سمينير ميلانو واصبحوا كهنة ضمن إكليروس بطريركية القدس، وهؤلاء هم: يعقوب بلترتي (الذي اصبح بطريركاً)، موريس ميرلو (أحد كهنة بيرزيت فيما بعد) ودومنيك فيليو. ثم لحق بهم آخرون ومن نفس المنطقة وهم: الآباء يعقوب كابرا وميشيل دي ماريا، وقد ارتسم هؤلاء الشباب التسع كهنة بين السنوات 1927-1937، وكانوا سندا كبيرا لإعادة إحياء الأبرشية المقدسية.

ثم قام البطريرك بارلسينا بطرق أبواب الإنجليز، إذ كانت أبرشيته تحت الانتداب البريطاني. فاستقبل في السنوات 1923-1924 خمسة شباب إنجليز وهم: إرنست بوندي، ثم سريل فاي وجون ديون، وألكسندر كيربي وباسيل فوستر. ومع أن وجود هؤلاء الإنجليز لم يكن بشكل دائم، إلا أنهم قدموا خدمات لا تنسى للبطريركية.

ومع كل ذلك، كان البطريرك بحاجة لمساعدة مباشرة وآنية، فالرعايا التي خرجت من دمار الحرب لا تستطيع أن تنتظر طويلا، لذلك لجأ البطريرك إلى الكهنة الموارنة في لبنان، والذين سبق للبطريركية أن طلبت معونتهم في العقود الماضية. وكذلك استفاد من مساعدة جاءته بطريقة غير متوقعة، وهي انضمام بعض رهبان السالزيان ضمن الإكليروس البطريركي، وقد سمحت لهم روما في أن يتركوا سلك الرهبنة ويصبحوا كهنة علمانيين. وكان البعض منهم قد سبق أن تمت إعارتهم من قبل رؤسائهم إلى البطريركية أثناء الحرب، للمساعدة في الإرساليات. ومن بين هؤلاء نذكر: الأب أنطون حيحي (1883-1965) والذي سبق أن خدم في مادبا في العام 1914 وفي الطيبة عام 1919. الأب اسطفان تلحمي (1875-1940)،والذي كان على رأس عمله في يافا الناصرة منذ العام 1916، ثم الأب عيسى سلمان (1879-1946) وهو من يافا الناصرة، والأب خليل شنّار (1883-1932) وهو من رام الله، والأب شكري سرور (1883-1953) من بيروت، والأب جبرائيل سويدان (1885-1948) من الحصن. وفي نفس الفترة وصل بعض آباء جبل صهيون، ومنهم الأب مارك دال مديكو (1921). و كان لهولاء الكهنة، والذي بلغ عددهم نحو الأربعين، وكلهم من العرب، ما عدا الأخير، اليد الفضلى في نهضة البطريركية من جديد بعد مآسي الحرب.

ونصل إلى بيرزيت، التي أرسل إليها البطريرك، بعد الأب بشارة عبدربّه، كاهنا مارونياً، بلغ من العمر في خدمة بعض الإرساليات في فلسطين، وله خبرة جيدة في هذا الحقل. هذا الكاهن هو الأب نعمة الله سعادة، وقد كتب تقريراً في 10 أيلول 1921، يذكر فيه أن قرية بيرزيت ورعيتها اللاتينية كانت لا تزال تعاني من مأساة شهر كانون ثاني  من العام 1918 (شهر القصف المدفعي الإنجليزي ونزوح أهلها عنها ونهب الأتراك لها)، وكان عدد لا بأس به من أهاليها نازحين ولم يعودوا إليها، حيث وجدوا مأوى وعملاً لهم في القدس ويافا. وكانت الرعية في العام 1914 تعدّ 322 شخصاً، لم يجد فيها حين وصوله إلا 262 شخصاً في العام 1921. وقد وثّّق الكاهن في سجل الكنيسة في تلك السنة زواجا واحداً و9 عمادات، و80 متناولاً في عيد الفصح. ومع نهاية هذه السنة وجد أبناء الرعية أن كاهنهم هذا الجديد تنقصه الخبرة والغيرة الرسولية، فرفعوا بحقه اعتراضا (مزبطة) لدى البطريركية لاستبداله بكاهن آخر أكثر نشاطاً.

 

مرسلية بيرزيت

 

أنا المدون إسمي بذيله ألبي طلب غبطة البطريرك برلسينا في الجواب المدقق عن سؤالاته التي القاها على كهنة الرعايا في أوائل شهر أيلول سنة 1920 بشأن الخورنية ومداخيل الكنيسة ومداخيل المرسلية من أراضي وبساتين ومخازن.

 

السؤالات

1)  عن حفظ القربان.

     ج: لم يُحفظ بسبب خراب الكنيسة.

2)  عن الوعظ.

     ج. ليس كل أحد فقط بل وكل عيد أيضاً.

3) عن تعليم الشعب كل أحد.

     ج. ما عدا عن كرزة الصبح لم يُصرْ بسبب خراب الكنيسة إذ لم نتمكن من زياح القربان بعد الظهر لكي بعد اجتماع الشعب يصير التعليم كما هي العادة الجارية في المرسليات.

4)  عن تفسير التعليم.

     ج. يصير ذلك للأولاد والبنات سوية مرتين في الأسبوع. ولكن يوميا يصير التعليم المسيحي: وقد يحدث تنقيص كل ثلاثة اشهر مرة للتغيب للقدس، أو لشغل فوق العادة أحياناً نحو مرة أو أكثر.

5)  عن المعلم.

     ج. السنة الماضية كان المعلم نصري بن إبراهيم نزال (رام الله) عاجز في العلم وقد أخذته حيث لم أجد خلافه (والطائفة تطلب) لم يدقق في واجباته كأول السنة. وقد نقص التعليم (ما عدا فرصة الميلاد أسبوع، وفرصة عيد الفصح أسبوع) غير ذلك مرة لأجل إعطاء شهادة بأمر الحكومة في القدس وزاد عن الميعاد وكان تغيبة 6 أيام. وأنا كنت أعلم بداله وغير مرة غابَ للقدس مُدعياً لأسباب ضرورية على أنه ثاني يوم رجع فمضّى أسبوع. سألته لماذا اعتذر عذراً فارغاً. ونحو12 تموز ترك المدرسة قبل الوقت المعين للفرصة حتى ولم يودعني وذهب إلى القدس محل إقامته.

6)  المعلمات راهبات الوردية

     ج. وهي سير “ جرترود” وسير “نظرفيا”.

7)  عن الجمعيات ليس يوجد سوى للنساء

ج. أي جمعية اخوية العذراء، حيثُ يجتمعن سوية، ويصير قراءة روحية مع تفسيرها أو إرشاد نحو ثلث ساعة أو نصف، وبعد ذلك تلاوة فرض العذراء ثم ترتيلة والإنصراف.

8)  عن غايتهن

     ج. هي مزيد التعبد لوالدة الإله.

9)  عن مُمارستهن الدينية

     ج. هو كما تقدّم أعلاه. أي قراءة روحية أو إرشاد وبعده الفرض وذلك نهار كل يوم أربعاء. ولكن ينقصن في بعض الأزمنة، لكثرة أشغالهن كأيام الربيع لأجل الحشيش وأيام الحصيدة، وأيام جمع الزيتون، وأيام الصيف شغلهنّ في العنب والتين.

10)  وعن عدد الأكاليل

ج. سنة 1921 حدث إكليل (وتصحح زواج لاتينية مع رجل رومي قد كان وقوعه في زمن الحرب وكل واحد بقي على مذهبه).

11)  عن البروتستانت

     ج. يوجد لهم طائفة وكنيسة ومدرسة.

12)  عن مَداخيل الدير

     ج. مخازن ليس عندنا، ولا أراضي مُفتلح. ومن جهة الزيتون يوجد كم عرق بمحلات كثيرة اي منذورات، وليس عليهم ثمر إلا قليل جداً، ومتى جمعنا الثمر نقدّم المعلومية من الناتج وعن البستان الملاصق للدير فحاصلاته من أثمار شجر وخلافه.

     فبعد الصرف على الزيتون من حراث وقنابة شجر وسياج وسناسل وغيره فجمع 986 غرش.

     مُشترى حوائج للدير ومصاريف فلاحة البستان والزيتون 434 غرش. الباقي 552

     (لم يؤخذ من أحد أولاد المدرسة دراهم أبداً فقط ولد واحد بروتستانت عند دخوله بمدرستنا أخذ منه المعلم 15 غرش مرة واحدة فقط).

أما عن مَداخيل الكنيسة عن سنة 1920 فمجموع ما حُصّـل من صينية يوم الأحد 57 غرش وأبطلناها لأنه ما عاد أحد يدفع.

     وعن زيت من نساء الطائفة 15 غرش

     وعن حنطة وقت البيادر 48 غرش

     وعن نُذورات بخور وشمع عسلي 86 غرش.

     المجموع 206 غرش.

وعن مدخول الكنيسة سنة 1921

     عن زيت من الطائفة 30 غرش وعن حنطة (طن واحد) 5 غرش.

     المجموع 241 غرش.

 

السؤلات:

     وأجيب أيضاً عن السؤلات المدرجة في القائمة الثانية بخصوص الطائفة:

1)  كم هو مجموع عدد نفوس الطائفة سنة 1921.

     هو 262 نفس الحاضر مع الغائب في الخارج.

2)  كم هو مجموع العمادات. (9).

3)  كم هو عدد الأكاليل. عدد الأكاليل 1 وشبكة عدد 6.

4)  الوفيات: لا يوجد.

5)  إرتدادات: سنة 1921 العدد 2 (وسنة 1920 العدد 4).

6)  هرطقات عدد: 3 ( والأمل كبير يرجع إثنين).

7)  مُناولات فصحية عدد 80 ما عدا الذين يتناولون في الخارج.

عدد أولاد المدرسة هذه السنة - عدد الصبيان 10 والأمل أن يكونوا بزيادة 3 عن السنة الماضية (ومتغيب في مدارس القدس عدد 9).

عدد البنات – قد كان في السنة الماضية نحو 10 ويوجد في الخارج نحو 3.

 

الخوري نعمة الله سعادة

خوري طائفة اللاتين في بئرزيت

حرر في 10 أيلول 1921

 

ترميم مباني إرسالية بيرزيت في عهد الأب اسطفان تلحمي

 

مع بداية العام 1922، أرسل البطريرك بارلسينا إلى بيرزيت أحد الكهنة، الذين تركوا رهبنة السالزيان لينضموا إلى إكليروس البطريركية، وهو الأب اسطفان تلحمي (1875-1940). وُلد في عكا، ولكن أصله من بيت لحم، كما يدل على ذلك اسمه. سيم كاهناً في العام 1907. وبعد موت كاهن يافا الناصرة في ذلك الوقت الأب إلياس شيحا، الذي أصيب بمرض التيفوس، تمّت إعارة الأب اسطفان من قبل رئيسه العام ليخدم رعايا البطريركية. و في العام 1917 تعرّص لمشاكل من طرف الأتراك بعد اتهامه بالتعاون مع عملاء للحلفاء، فسجن في الناصرة وعُذِّب، ثم أُطلِق سراحه بعد التحقق من براءته، ولكن تم اعتقاله من جديد في شهر كانون ثاني من نفس السنة ونفي بعدها إلى سوريا، حيث وجد له مأوى لدى الرهبان الفرنسيسكان في حلب، وبقي هناك لغاية عيد الفصح سنة 1919. فعاد بعدها إلى فلسطين لينضم إلى اخوته السالزيان الذين انضموا إلى الإكليروس البطريركي.

ولكنه وبسبب إعيائه وانشغاله برعاية والدته وشقيقته، اللواتي كن يعانين من أمراض، كما كان هو الآخر يعاني من عجز في عيونه لازمه مدة حياته من جراء التعذيب الذي لقيه لدى الأتراك. فكتب إلى البطريرك بارلسينا يقول له أن «العجز في عينيه كان السبب الرئيسي الذي جعله يترك الرهبنة السالزيانية»، لذلك قبل البطريرك أن ينضم هذا الكاهن إلى إكليروسه البطريركي، وعهد إليه أن يهتم بترميم الدير والكنيسة في بيرزيت، التي تضرّرت كثيراً في آخر سنة من الحرب. وقد كانت أعمال الترميم هذه ملحة وضرورية، بعد أن كانت قد أُجريَت بعض أعمال الترميم البسيطة والغير متينة بين الحين والآخر. فطلبت البطريركية من كاهن الرعية أن يقدم لها تقديرا بتكلفة الترميم بمساعدة أحد الخبراء.

وهكذا بدأت أعمال ترميم الكنيسة، حيث كان السطح منقوبا نتيجة القذائف، والجدران مصابة بدمار كبير، والنوافذ والأبواب قد اختفت، حيث قُدِّرت التكاليف بـ 4680 ليرة مصرية. أما تكاليف ترميم دير الكاهن والمدرسة فقد بلغت 1240 ليرة. فبدأ بالعمل وعهد إلى متعهد بناء وهو عبدالله نصّار بالقيام بذلك، فقدِم هو وعائلته للسكن في إحدى غرف المدرسة، دون مراعاة لأي أمر، كما لو كان في بلد محتَل. وكان الكاهن يقوم بمهمة المحاسب، وعندما رأى أن هنالك زيادة في النفقات عما كان مقرراً، الأمر الذي سيؤدي إلى عجز في الميزانية، كتب إلى البطريرك يخبره عن ذلك، وشكى له هذا المتعهد الذي يُهمل تشغيل عمال من الرعية، مفضلاً عليهم عمالا غرباء. ولكن هذا المتعهد احتال على وكيل البطريركية، متهما كاهن الرعية بعدم التعاون، وهكذا استطاع أن يقنع الوكيل بوجهة نظره، وكانت النتيجة أنه استطاع أن يزيل عن طريقه كاهن الرعية، متفرداً بالعمل لوحده. فصار العمل في الترميم يجري في جوّ من المشاحنات بين المتعهد وكاهن الرعية. وقد تمّ في هذا المشروع توسيع الكنيسة إلى الثلث، باتجاه الغرب، بعد أن كانت في الأصل صغيرة، حين بُنيت في عام 1865.

وبالإضافة إلى دخوله في حرب مع المتعهد، لم يكن الأب اسطفان على وفاق مع مدير المدرسة لديه، الأمر الذي حدا بعائلة هذا المدير أن تنقطع عن الصلاة يوم الأحد، وذلك كوسيلة  للضغط على الكاهن وعلى البطريركية، وقد ذكرت ذلك إحدى راهبات الوردية. فانتهى الأمر، كما هي العادة، بأن رفع أبناء الرعية إلى البطريركية بالشكوى (مزبطة) تلو الأخرى، يطالبون فيها بتغيير هذا الكاهن، الذي «لم يكن أهلاً لهذا العمل في رعيتهم». وفي مناسبة زيارة البطريرك للرعية، حاول أن يُصلح بين الكاهن ومدير مدرسته، وقد أبدى الكاهن حسن النية في ذلك، ولكنه في الواقع بقي على موقفه المعادي. ولما وجد نفسه معزولاً من قِبل أبناء رعيته، وقد زادت على كاهله المشاكل، بالإضافة إلى عدم درايته في إدارة شؤون الرعية، طلب من البطريرك أن ينقله إلى مكان آخر. إلا أنه تردد في ذلك حين عينه البطريرك في الكرك، فذكّره أنه وأثناء الحرب كان قد رفض طلبا من رئيسه العام للذهاب للخدمة في شرق الأردن، ذلك لأنه يجد نفسه غير قادر على ذلك، متسلحاً بمرض عينيه وبمرض والدته وشقيقته، اللواتي كنّ يفضّلن العيش مع الأهل في بيت لحم. وعندما زادت المشاكل بين الكاهن ومديرالمدرسة، وقد وصلت الأمور إلى حد تهديد مديرالمدرسة بإغلاقها، بالرغم من مساعي البطريرك ومحاولاته في إصلاح الأمور، ثم انتهى الأمر بالبطريرك، الذي ضاق من هذه الأمور، بنقل الكاهن إلى قرية الرينة بالقرب من الناصرة، حيث قضى فيها خمس سنوات كانت صعبة عليه أيضاً، فانتهى به المطاف ليصبح مُرسلا متجولا، قبل أن يستقر في بيت لحم عند أهله.

 

الأب مارك دال مديكو (1926-1927) وزلزال عام 1927

 

استبدل البطريرك بارلسينا في كانون أول 1926 الكاهن اسطفان تلحمي بالأب مارك دال مديكو (1874-1954). هذا الكاهن الذي كان قد بلغ من العمر 52 عاما، وكان يتمتع بشخصية غريبة الأطوار.

ولد الأب مارك في اسطنبول من عائلة يهودية، حيث اهتدى إلى الإيمان الكاثوليكي، وعُمِّد في باريس عام 1893. بدأ رسالته بالدخول في سلك رهبانية جبل صهيون، وسيم كاهناً في القدس، في 24 أيار 1902. عاد إلى فلسطين مع نهاية الحرب العالمية الأولى، بعد أن كان قد احتُجز في مدينة تريست في إيطاليا، وانضم في العام 1921 إلى إكليروس البطريركية، وأصبح معلماً في سمينير بيت جالا، بعد أن أُعيد افتتاحه في شهر آذار من العام 1921.

بين الأعوام 1922-1925 أصبح كاهن رعية في الرينة، وهناك ابتدأ بتعلم مبادئ العربية، وقد سهّل عليه ذلك لغته العبرية القوية. وحين أتى إلى بيرزيت ككاهن رعية، لم يكن لديه من يخدمه، فكان يتناول طعامه لدى راهبات الوردية. أما الرعية فكانت لا تزال قليلة العدد، أي 250 مؤمن فقط، مع مدرستين متواضعتين، حيث كان يوجد في كل واحدة 20 تلميذاً وتلميذة. وكما قلنا كانت شخصيته غريبة، ولكنه كان لديه حس مرهف وذوق رفيع. غير أنه، ومثل سابقه، قضى في بيرزيت سنتين مرهقتين، بالرغم من أن علاقته مع مدير مدرسته وأبناء رعيته كانت أفضل حالا من عهد سابقه.

أما أهم حدث جرى في فترة خدمته في بيرزيت، فكان ذلك الزلزال العنيف الذي ضرب كل أنحاء فلسطين في 11 تموز عام 1927، وكان ذلك في تمام الساعة الثالثة وخمس دقائق من بعد الظهر. ولكنه كان أقل دمارا من سابقيه في تاريخ فلسطين، مثل الذي حدث عام 1837، والذي دمر مدينة صفد، مخلفا وراءه 4000 ضحية، وفي طبريا، مدمرا سورها، وتاركا 600 قتيلاً. إلا أن هذه الهزة في السنة 1927 قد تركت هي أيضاً ما مجموعه 500 قتيل في كل أنحاء البلاد. وكانت نابلس أكثر تضرُّرا من غيرها، إذ دُمّر فيها 300 منزل وقتل 147 شخص. وقد كان تأثير هذا الزلزال بشكل كبيرة على سلسلة الجبال. و يقول الأب أبيل، من رهبان الدومنيكان في دير القديس اسطفان في القدس، في التقرير الذي كتبه: «لقد تضرّر بشكل كبير العديد من القرى التي تقع على أعالي الجبال، مثل أبو ديس، بيرزيت والرام». وفي القدس أصيبت العديد من المنازل بشكل كبير جراء الزلزال، إذ بلغ عددها 175 منزلاً. أما قبة كنيسة القيامة، المقامة منذ العصور الوسطى، فقد سقطت، مما أدى بالكنائس إلى عقد اتفاقيات من أجل إعادة ترميمها، وهذا ما سمح للاتين لترميم الكابيلا الخاصة بهم على جبل الجلجلة وللأرمن بترميم مغارة القديسة هيلانة. إلا أن ترميم القبة من قبل اليونان قد عرّض جدران الكنيسة للخطر، وذلك للوزن الثقيل الذي كانت عليه. فقام الإنجليز بدعمها بدعامات كبيرة، مما أجبر هذه الكنائس على عقد اتفاقيات جديدة شاملة، قامت على أساسها الكنائس بترميمات شاملة، اكتملت بعد عشرين عاماً.

أما في بيرزيت، فقد كانت الشقوق في البنايات كبيرة وعديدة، وقد ذكرها كاهن الرعية في التقرير الشامل عن حجم الأضرار للبطريركية، مركزا على الأضرار الأكثر خطورة. وكان الأب مارك يرغب أن يتم نقله إلى رعية أخرى، وكان ينتظر تدخل وكيل البطريركية في هذا الموضوع.

ومع نهاية العام 1927، كان الأب مارك يشعر بعجزه في إتقان اللغة العربية، ولخوفه من الشتاء القاسي في بيرزيت، التي تقع على مرتفعات، أبدى رغبته بالخدمة في بيسان، حيث يوجد فيها رعية صغيرة، وبالذات لمناخها الدافئ، إذ تقع ضمن غور الأردن، في حين كان كاهنها الحالي، الأب باسكال أبّوديا، لا يستطيع تحمُّل هذه الحرارة. وهكذا أرسله البطريرك إلى بيسان في شهر تشرين ثاني 1927. وبقي هناك مدة تسع سنوات، ومن ثم انتقل إلى رعية شفاعمرو، حيث بقي فيها مدة 14 عاماً، وبعدها أصبح مرشداً روحيا لراهبات القديس يوسف في نابلس في العام 1950.

 

وقت فاصل، الأب أنطونيو فرغاني

 

في 18 تشرين ثاني 1927 عيّن البطريرك بارلسينا الأب أنطونيو فرغاني، الكاهن الشاب الذي لم يتجاوز الـ 22 ربيعاً بدل الأب مارك، والذي كان قد بلغ 53 عاماً.

ولد الأب أنطونيو في تشرين أول 1905 في إيفريا (إيطاليا)، ووصل القدس عام 1920، وسيم كاهنا في 16 نيسان 1927، في باسيليكا القبر المقدس، بعد أن أنهى دراساته اللاهوتية في سمينير بيت جالا. ثم انطلق إلى بيرزيت بغيرة رسولية لكاهن شاب يافع، وحين شاهد الشقوق الخطيرة في بناية الكنيسة نتيجة الزلزال، طلب من البطريرك أن يتم تصليحها بأسرع وقت ممكن قبل اقتراب فصل الشتاء.

بعد شهرين من وجوده بينهم، بدأ الأب أنطونيو يتعرّف وبشكل جيد على أبناء رعيته. وقد أسرّ للبطريرك عن دهشته حين لاحظ، أنه، وبعد مغادرة الأب بشارة عبدربّه الرعية، مع بداية العام 1919، أن البالغين من أبناء رعيته لم يكونوا يتلقون الدروس الدينية الكافية من خلال الوعظات وغيرها من دروس التعليم المسيحي. وكانت بالكاد تُعطى للتلاميذ في المدرسة. والنتيجة لذلك كان هناك جهل كبير، ولامبالاة بالدين لدى أهل بيرزيت. أما الكنيسة، والتي كانت لا تزال صغيرة الحجم، فكانت تمتلئ يوم الأحد إلى الثلث فقط. عندها قام هذا الكاهن الشاب بتكثيف الدروس الدينية في مدرسة الأولاد ومدرسة البنات، وفي إعطاء الشروحات للبالغين يوم الأحد من خلال الوعظات.

وبعد ذلك قام بتأسيس أخوية للأطفال وللشباب، وخصص لهم مكانا للعب في ساحات الدير. وقد لاحظ أيضاً وبشيء من الدهشة أن في بيرزيت، والتي غمرتها موجات التبشير البروتستنتية، لم يكن هنالك ممارسات للشعائر الدينية كما يجب، مع أن الناس كانوا يتناقشون في أمور الدين فقط من أجل النقاش، كما كان الحال في الأسكندرية على عهد آريوس.

وقد قدّم الأب أنطونيو، في هذه الفترة القصيرة التي قضاها بينهم، حكما إيجابيا عن أبناء رعيته في بيرزيت، إذ يقول واصفا إياهم: «أناس لطفاء مسالمون، هادئون، يحترمون الآخرين، من دون إدعاءات، لا يأتون إلى الكاهن إلا حين ظهور أمر ما لمناقشته معه».

Lettre au Patriarche, du 28.1.1928

ولكن في شهر شباط 1928، وبعد أن شاهد البطريرك غيرة وذكاء هذا الكاهن الشاب، عُهد إليه بقيادة رعية السلط، التي كانت من الرعايا الصعبة. فخدمها بجدارة ولمدة 12 عاماً.

 

خمس سنوات مضطربة في بيرزيت

 

حل الأب زكريا الشوملي (1897-1963) مكان الأب أنطونيو فرغاني في رعية بيرزيت. وكان الأب زكريا المنحدر من بيت ساحور، قد سيم كاهنا في 26 أيلول عام 1920. ووصل بيرزيت قادما من مادبا، حيث قضى هناك أربع سنوات. عُرف عنه أنه كان من أول المطالبين ببطريرك عربي. وكان ذكيا جدا، ومندفعا وذا روح ثورية، وكان الحس القومي لديه قوياً. ولم يكن لينجح في عمله مع أهل بيرزيت القاسين في طباعهم أكثر من مادبا. وقد انجرف وراء التعقيدات والإشكالات العائلية في البلد، مثيراً ضده عداوات شديدة، فصدرت بحقه عدة شكاوي  إلى البطريركية. وكان أحد معلمي مدرسته، والذي كان يعلم بنفس الوقت في مدرسة جفنا، أكثر الأشخاص عداء للكاهن، حيث كان لديه الاستعداد الدائم لكتابة نصوص هذه «المزابط».

إلا أنه والحق يقال، فقد عمل هذا الكاهن بجد ونشاط في رعية بيرزيت، وفي عهده ارتفع عدد أفراد رعيته، في الوقت الذي شهدت فيه القرية بشكل خاص والمنطقة بشكل عام تطوراً تحت الانتداب البريطاني. فوصل عدد افراد الرعية عام 1932 إلى 358 شخصاً، بما فيهم 56 تلميذاً في مدرسة الاولاد و35 تلميذة في مدرسة البنات.

وجرت حادثة في عهد الأب زكريا في بيرزيت، في وقت كانت العلاقات لا تبدو طيبة بعد بين الكنائس المختلفة. وكانت هذه الحادثة قد عجّلت في ترك الأب زكريا لبيرزيت عام 1933.

كان عنده في مدرسة البنات التي تديرها راهبات الوردية، معلمة مارونية شابة، أمها أرملة، تزوجت من شقيق كاهن الروم الأرثوذكس في القرية. وقد رغب كاهن الأرثوذكس هذا بتزويج ابنه أيضاً من هذه المعلمة الشابة. ولكن المعملة لم ترغب به، بل كانت تفضل الزواج من شاب من عائلة سعادة،حيث لا يصح الزواج إلا بالرضى الأكيد والحرية التامة. إلا أنه وبالرغم من معارضة الفتاة وامتناعها ومعارضة الأب زكريا نفسه، تعرّضت المعلمة الشابة لضغوطات كبيرة ومتنوعة، نجحت في إقرار الزواج مع ابن كاهن الأرثوذكس، وطبعا في كنيسة الأرثوذكس. وحين مرّ موكب العرس أسفل دير اللاتين، قام شبان في «الزفة»، وقد طغت عليهم نشوة النصر، بترديد هتافات وأغاني نصر مليئة بالشتائم بحق الأب زكريا. فما كان من الأب زكريا إلا أن قام بقرع جرس الحزن، وهو العارف بمثل هذه العادات، وقد جرت مثلها في بيت لحم. فجاءت ردة الفعل في ليلة 22 أيلول، إذ قام مجهولون بإطلاق خمس طلقات نارية على نافذة غرفته من جهة الدير الشمالية ومن بستان الدير، وقد استقرت رصاصتان في سقف الغرفة. حينها أرسل الأب زكريا برسالة عاجلة إلى البطريرك يخبره بما حدث. فقام البطريرك بتعيين لجنة للتحقيق في هذا الحادث، مرسلاً إلى بيرزيت كلا من المونسينيور سميث والمونسينيور جلاد، والتي برّأت الكاهن من التهم الموجهة ضده. ولكن تدخل البوليس يومئذ كبّر من حجم المشكلة. عندها قرر البطريرك، ومن أجل حماية كاهنه، أن ينقله من بيرزيت إلى عابود، حيث قضى هناك خمس سنوات من العمل الرعوي الشاق.

بيرزيت 22 أيلول 1933

 

غبطة البطريرك،

في هذه الليلة اطلقت على الدير خمس طلقات نارية من بندقية. من المؤكد أن مثل هذه الطلقات كانت تستهدفني بشكل مباشر، وكان المهاجمون من «الأرثوذكس».

أرجو من غبطتكم أن تخبروا الشرطة بأسرع وقت ممكن وأن ترشدني إلى ماذا افعل، خاصة أن طلقتين منها قد اخترقت زجاج النافذة واستقرت في الغرفة.

أنحني مقبلا خاتمك يا غبطة البطريرك

ابنك المطيع الأب زكريا الشوملي

وقت فاصل آخر (1934-1935)

الأب موريس ميرلو

 

أرسل البطريرك بارلسينا مكان الأب زكريا كاهنا شابا آخر وعمره اثنتان وعشرون سنة ونصف  وهو الأب موريس ميرلو، من شمال إيطاليا وقد وصل إلى سمينير البطريركية في شهر تشرين أول 1926 وسيم كاهنا في 29 حزيران 1933. وبهذا الكاهن الشاب تتكرر خبرة الأب فرغاني الكاهن الشاب آنذاك سنة 1927 في بيرزيت. وكان الأب موريس فطناً وذكياً، ولكنه كان مريضاً في القلب، الأمر الذي عجّل في وفاته وهو لم يزل في الرابعة والثلاثين من عمره في سنة 1946، نتيجة أزمة قلبية بعد إصابته بإنفلونزا شديدة.

قضى الأب موريس 17 شهراً في خدمة بيرزيت، ولكن لم يترك له أي خبر في أرشيف البطريركية حول هذه الأشهر. غير أنه عرف كيف يدير الأزمة في بيرزيت، من بعد الأب زكريا، وقد ساعده في ذلك الأب بشارة عبدربّة الذي كان يخدم آنذاك في جفنا. وكان الأب بشارة في عمر السبعين عاما، يعاني من أمراض نتيجة برد شتاء عام 1933 القارص، فكان الأب موريس يذهب إليه ليساعده في الخدمات الرعوية، ويهتم به من ناحية صحية فكان يجلب له الأغطية من البطريركية.

في تلك الأثناء ولخوف البطريرك على صحة هذا الكاهن الشاب، نقله إلى دير رافات سنة 1935 ليرعى مصالح البطريركية هناك، حيث العمل أقل صعوبة من بيرزيت، خاصة بعد أن صار قلبه أكثر عرضة للأمراض والتعب.

 

في ظل أحداث ثورة 1936 في فلسطين والأب لياندر جيرارد

 

توجه الأب لياندر جيرارد (1890-1946)، الفرنسي الأصل، إلى بيرزيت، ليحلّ مكان الأب موريس ميرلو. وكان قد وصل من شرق الأردن بعد أن خدم هناك مدة خمس سنوات كنائب بطريركي. وبسبب اعتلال خطير في صحته، قرر البطريرك نقله إلى مكان أقل تعباً. وكان هذا الكاهن قد وصل عام 1903 من فرنسا إلى السمينير في القدس، وتمت سيامته كاهنا عام 1913، فبدأ خدمته ككاهن مساعد لرعية السلط، ثم نُقل بعدها سنة 1914 إلى فرنسا للخدمة العسكرية الإجبارية، فخدم في الجيش أثناء الحرب في قسم الخدمات الطبية، وقد أُصيب بالحرب، ثم طُلب منه أن يخدم كمترجم في إيطاليا. بعدها عاد إلى البلاد، ليخدم في بيرزيت، وليستعيد صحته، وقد شُهِد له لفطنته وطيبته وروحه المرحة. وكانت السنوات التي خدم فيها في بيرزيت، مليئة بأحداث ثورة سنة 1936، والتي جرت ابتداء من عيد الفصح 1936 ولغاية عشية الحرب العالمية الثانية سنة 1939.

بسبب اضطهادات النازيين لليهود في ألمانيا، تصاعدت هجرة هؤلاء إلى فلسطين، وكانت تزداد سنة بعد الأخرى. ففي العام 1933 كان عدد اليهود المهاجرين إلى فلسطين قد بلغ 30.327 مهاجراً. ثم بلغ في السنة اللاحقة 1934 إلى 42.359 مهاجر، وفي العام 1936 إلى 61.184. وقد عقب هجرات اليهود هذه، شراء جماعي لأراضي الفلسطينيين من قبل الصهاينة، ومن ثم مقاطعة نقابة العمال اليهودية (الهستدروت) للعمال العرب، مما أدى إلى إعلان الفلسطينيين للعصيان المدني، والإضراب العام في كل أنحاء فلسطين، في عيد الفصح سنة 1936، والذي استمرّ مدة ستة أشهر. وقد صاحب هذا الإضراب عدة عمليات ضد اليهود والإنجليز. ولكن وفي نفس الوقت، ازدادت حدة الخلافات بين عشيرتي الحسيني والنشاشيبي. وكان الثوار عبارة عن محاربين ضمن مجموعات متبعثرة، للبعض منها زي عسكري موحّد. وكانت لكل عائلة منطقة معينة في فلسطين تتحكم بها، تحت إمرة بعض الشخصيات الوطنية المحلية القوية. إلا أنها كانت تتوحد نوعا ما تحت قيادة لجنة عليا موحدة، كانت رئاستها في بداية الأمر بيد ضابط سوري وهو فوزي القوقجي، والذي عاود نشاطه مع اندلاع حرب 1948 في الجليل.

وشهدت الثلاث سنوات من الثورة فوضى عارمة اجتاحت البلاد، تخللتها أعمال عنف وانتقام وتصفية حساب بين أشخاص، واستمر هذا الوضع لحين اندلاع الحرب العالمية الثانية في أيلول 1939. ولمواجهة هذه الثورة عزّزت الشرطة البريطانية عناصرها بثلاثين ألف رجل، وأخذ الإنجليز يحاصرون المدن والقرى ويطاردون الثوار. وأصاب مدينة بيرزيت ما أصاب غيرها من القرى والمدن. فكانت بيرزيت ومنطقتها تحت إمرة قائد ثوري من مزارع النوباني وهو الشيخ محمد عمر، وفيها 24 رجل من الثوار. وشارك أعيان القرية في اجتماع جماهيري في دير غسانة لمحاولة إجراء الصلح بين العائلات المتخاصمة. إلا أن الإنجليز وقد عرفوا بموعد الاجتماع، هجموا بطائراتهم وأطلقوا النار على الاجتماع. وإن لم يكن هنالك ضحايا من وفد بيرزيت، إلا أن الباص الذي نقلهم قد عطب نتيجة القصف.

وكان على أهالي القرية أن يأووا الثوار الذين كانوا يمرون فيها، ويقدموا المعونات المالية لهم. وبرز في منطقة بيرزيت وما حولها أناس يدّعون أنهم من المسؤولين عن جمع هذه التبرّعات، ومن بينهم رجل وامرأة من جفنا، كانوا يجمعون المال لصالحهم الخاص، فتم القبض عليهم، ومثلوا أمام قائد الثوار في المنطقة، الذي أمر بإعدامهم على الفور، ليكونوا عبرة للباقي، فتم إعدامهم على الطريق الكبير المار بعين سينيا.

في العام 1937، أجبر قائد المنطقة، الشيخ محمد عمر النوباني، أهل بيرزيت على شراء 100 بندقية. وعندما علم الإنجليز بذلك قاموا بمحاصرة القرية وأجبروهم على تسليم الأسلحة. فاتفق أعيان القرية مع قائد للثوار، وهو عبد القادر الحسيني، على شراء اسلحة بديلة، وقد أعطى عبد القادر أمراً لقائد آخر لشراء مثل هذه الأسلحة، إلا أن مقتل ضابط في الشرطة البريطانية، وأصله من عين عريك، وهو سليم سعد ترجمان، قد عطّل هذه العملية. فقام الإنجليز، على إثر مقتل هذا الضابط، بمحاصرة مزارع النوباني، واكتشفوا فيها الأمر الذي يقضي ببيع مثل هذه الأسلحة لبيرزيت. فقدموا إلى بيرزيت وجمعوا مخاتيرها الثلاثة، وهم: جريس عودة (أرثوذكس) موسى ناصر (بروتستنت) وخضر صالح (مسلم)، وطلبوا منهم أن يسلموهم الأسلحة، إلا أن المخاتير الثلاثة قد أكدوا للإنجليز أن أمر شراء الأسلحة لم يتم تنفيذه.

استمرّت أحداث هذه الثورة حتى العام 1939، حين صدر ما عُرف بـ«الكتاب الأبيض»، وهو مشروع صلح بين اليهود والعرب بادرت إليه بريطانيا. وقد شكل هذا الكتاب تحولا واضحا في السياسة البريطانية تجاه فلسطين، إذ يحدد فيه الإنجليز عدد اليهود الذين سيهاجرون إلى فلسطين في السنوات الخمس المقبلة وهو 72 ألف مهاجر. أثار هذا الأمر غضب الصهاينة فثاروا على الإنجليز، إلا أن اندلاع نيران الحرب العالمية الثانية أسكت غضبهم، وأوقف مطامعهم لبعض الوقت. لكنهم عاودوا عملياتهم الإرهابية ضد الإنجليز هذه المرة، والتي أدّت في النهاية إلى إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، وبدء حرب الاستنزاف بين اليهود والعرب، والتي أدّت في نهايتها إلى تأسيس دولة يهودية سنة 1948.

وفي الجانب الفلسطيني، وبعد أن خمدت نيران الثورة، أخذ الناس يعلّقون آمالاً على انتصار هتلر في الحرب وبالتالي القضاء على اليهود، بينما أيّد بعض الناس السياسة البريطانية، فانقسم عندها السكان، وخاصة سكان بيرزيت، بين مؤيد للألمان ومؤيد للإنجليز، إضافة إلى انقسامهم بين مؤيّد للمجلس الإسلامي الأعلى ومعارض له، وبعبارة أخرى انقسم الناس الى «حُسينيين» و»نشاشيبيين»، وكان من نتيجة ذلك مقتل رئيس بلدية بيرزيت آنذاك السيد بطرس عرنكي، وحلّ المجلس البلدي في بيرزيت.

 

كاهن رعية بيرزيت والوضع الراهن

 

نعمت رعية بيرزيت، في الفترة الصعبة التي مرت بها البلاد بين الأعوام 1936-1939، بكاهنها الأب لياندر جيرارد، الذي تمتع بحكمة وذكاء في إدارة شؤون الرعية وسط هذه الأحداث، محافظاً على أبنائه المؤمنين. وتشير علينا الأرقام بمدى التطوّر الذي شهدته الرعية في عهده. ففي العام 1935 بلغ عدد أبناء الرعية 325 فرداً، بينما وصل عدد تلاميذ مدرسة الأولاد إلى 55 طالباً، ومدرسة البنات زاد عددها إلى 50 طالبة، ولكن العدد تزايد في العام 1941، ليصل إلى 405 فردا في الرعية، بينما وصل عدد التلاميذ في المدرسة إلى 70 تلميذاً والبنات إلى 64 تلميذة.

وقام المونسينيور لياندر أثناء وجوده في بيرزيت بعملية تطوير للدير. فقام ببناء صفين إضافيين، كما طوّر مسكن الراهبات، وتركّز اهتمامه على توفير أماكن إضافية في الكنيسة، التي لم تعُد تتسع لأبناء الرعية، رغم عملية التوسيع التي جرت عليها، أثناء الترميمات في العام 1923. فبنى المنصة الخلفية (الجلاجل)، ولم يبلغ البطريركية بهذا البناء إلا عندما انتهى من العمل بها، فحصل على تغطية مالية بقيمة 30 ليرة. ثم قام بإزالة قواعد الأعمدة من داخل الكنيسة والتي كانت تعيق الحركة. وفي عهده قامت متطوعة بلجيكية برسم صورتين كبيرتين للراعي الصالح والقديس جورج مع الوحش، ولكنها لم تكن لتتناسب مع الشكل الفني العام للكنيسة.

في تلك الأثناء كان الأب بشارة عبدربّه لا يزال في جفنا، وقد بلغ من العمر السبعين عاما وقد ضعف بصره، فكان يأتي إلى بيرزيت فيرحّب به الأب لياندر، وكان الأب بشارة يحاول التدخُّل أحيانا في شؤون الرعية، فيتعامل معه الأب جيرارد بأسلوب جيد وروح مرحة. وبنفس الأسلوب والروح كان يعامل صديقه الأب فروجي، كاهن الطيبة، الذي كان يأتي ليزوره، ويحب كثيراً أن يشرب من ماء النبعة في بيرزيت.

في 15 تشرين الأول عام 1936 بعث الخوري جيرارد إلى السمنير في بيت جالا تلميذا من تلاميذه الصغار واسمه سليمان باسيل سمندر، والذي كانت عمته راهبة من راهبات الرحمة، وقد سرّ المونسينيور جيرارد أن يرى بأمّ عينيه سيامة الأب سليمان سمندر في 4/7/1948 في بيت لحم، وكان ذلك خلال الهدنة التي تمّت بين اليهود والعرب.

في 11 آب 1942 عُيّن المونسينيور جيرارد وكيلا عاما للبطريركية، وذلك مكان الأب عمانوئيل حبش، الذي توفي في تلك السنة، وبالرغم من ذلك عزّ عليه أن يترك العمل الرعوي في بيرزيت، ولكنه قبِلَ هذا التعيين بأمر الطاعة، واستلم معه مهمة الإرشاد الروحي لطلاب مدرسة الفرير القريبة من البطريركية، وكانت كلية كبيرة آنذاك، فقضى فيها 22 عاماً، حتى وفاته المفاجئة في 5 كانون أول 1964.

 

كاهن رعية جديد (الأب جورج عكشة)

 

في 2 آب 1942، وبعد نقل المونسينيور جيرارد من بيرزيت، عيّن البطريرك كاهناً جديداً، هو الآخر كان لا يزال في ريعان شبابه، وهو الأب جورج عوابدة عكشة (من السماكية - الكرك)، وكان البطريرك لا يزال بحاجة إلى كهنة محليين، خاصة بعد اعتقال كهنته من أصل إيطالي وألماني، أثناء الحرب العالمية الثانية.

وُلد الأب جورج عكشة عام 1918 في عائلة أرثوذكسية، تحوّلت بعد ذلك إلى الكنيسة الكاثوليكية، في بلدة السماكية التي خرّجت كهنة آخرين.

تمت سيامته كاهناً في 12 تموز سنة 1941، وكان أول كاهن يخرج من قرية السماكية بجانب الكرك.

قام المونسينيور جيرارد نفسه بتقديم الكاهن الجديد إلى المؤمنين في بيرزيت، وبقي معه لعدة أيام درّبه فيها على العمل الرعوي، الذي يتطلّب اللباقة والفطنة. وبالرغم من انعدام الخبرة لديه، إلا أنه كان يمتلك الفطنة، وعنده غيرة رعوية واضحة، الأمر الذي حدا بالبطريرك لأن يوكل إليه مهام رعية جفنا أيضاً بسبب المكان الشاغر هناك.

وقد عمل الأب جورج في رعية بيرزيت وجفنا مدة سنة واحدة فقط، اتّسمت بالنجاح. ولكن وفي شهر تموز عام 1943، وبعد أن تم تحرير الكهنة المرسلين من الإقامة الجبرية في أديرة مختلفة، قام البطريرك بارلسينا بإرسال الأب جورج إلى شرق الأردن، حيث خدم هناك كاهناً مساعدا في عمان، ومن ثم كاهن رعية في قرية شطنا لمدة عام واحد، ثم خدم ست سنوات في السلط و26 عاما في إربد، حيث كان على رأس من قاموا بتأسيس هذه الرعية عام 1950.

 

كاهن جديد لبيرزيت ولمدة 50 عاما، الأب أنطون بوزو

 

في شهر تموز عام 1943، وبعد زوال خطر تهديد الألمان النازيين لمصر ولفلسطين، قام المونسينيور هيوغ، السفير البابوي لدى مصر، وهو من أصل إنجليزي، بالتدخل لدى تشرتشل من أجل اطلاق سراح الكهنة المحتجزين ضمن الإقامة الجبرية في الأديرة. وهكذا تم، فقد استعاد البطريرك مجموعة لا بأس بها من كهنته المرسَلين، فقام بالاعتماد عليهم من جديد لخدمة رعاياه. وجعلهم في بادئ الأمر يخدمون في فلسطين فقط. وبقي العديد منهم يخدمون في رعاياهم لفترات طويلة جداً. في ذلك الوقت اختار البطريرك الأب أنطون بوزو للخدمة في بيرزيت.

كان الأب أنطون من أوائل المرسلين الإيطاليين الذين قدموا للخدمة في فلسطين منذ العام 1935. ومن بين هؤلاء نذكر الأب لويس فافرو (كاهن رام الله السابق) والأب سيلفيو فيزانتان (كاهن الطيبة السابق) والمطران بولس مارقوتسو (مطران الناصرة) والأب إيلاريو أنطونياتسي.

ولد الأب أنطون بوزو في مدينة «أودرزو» في إيطاليا سنة 1912، ووصل إلى القدس في 2 كانون ثاني سنة 1935، وكان آنذاك في السنة الأولى لدراسة اللاهوت. وتمّت سيامته الكهنوتية في 10 تموز عام 1938.

خدم الأب أنطون في الفحيص وأدر وجفنا قبل أن يُحتجز مع باقي الكهنة الإيطاليين في حزيران عام 1940 من قِبل الإنجليز.

كان الأب أنطون مليئاً حماسةً وشجاعةً وذا شخصية هادئة، ولكنه كان إنساناً نبيهاً مع شيء من العناد. وقد عُيّن في بيرزيت في 24/7/1943 وكانت خدمته في هذه الرعية أطول من خدمة الأب بشارة عبدربّه، إذ دامت، وبشكل استثنائي، عن باقي كهنة البطريركية، مدة خمسين عاماً. وتميّزت بتطوير الرعية من الناحية العمرانية، وتشهد على ذلك بنايات المدرسة، وتوّجها ببناء الكنيسة الجديدة، التي تُعتبر أكبر وأجمل كنيسة في المنطقة.

تطوّرت الرعية بشكل طبيعي، بين الأعوام 1943-1948، ولكن في جوّ من الأحداث والانقلابات السياسية والأمنية، انتهت بزوال الانتداب البريطاني عن فلسطين، واندلاع شرارة الحرب العربية-اليهودية وإنشاء الدولة العبرية، وما لحقه من مآسي ومجازر وتهجير.

 

حرب العام 1948

 

كان تأثير حرب 1948 مأساوياً جداً على كافة نواحي الحياة لدى السكان في بيرزيت، كما في سائر أنحاء فلسطين. وذكرنا سابقاً كيف كانت الظروف أثناء ثورة 1936 و1939، والحرب العالمية الثانية، وعمليات اليهود الإرهابية ضد الإنجليز. ثم جاء قرار تقسيم فلسطين بين اليهود والفلسطينيين، وبعد ذلك انتهاء الانتداب البريطاني، وقيام الدولة العبرية سنة 1948، وما تبعه من عمليات عنف وانتقام بين اليهود والعرب. فازدادت الكراهية والعنف بين الفريقين، وأصبحت مفتوحة وأرضاً خصبة للقيام بأعمال تهجير للسكان الأصليين من المدن الكبيرة والهامة، مثل يافا، وحيفا، وصفد، وطبريا، وبيسان. وبعد سقوط يافا بأيدي اليهود، في شهر أيار، عادت إلى بيرزيت بعض العائلات، التي كانت قد سكنت يافا بعد العام 1920، بحثاً عن ظروف حياة أفضل. ولكن بعد سقوط الرملة واللد، في 11 تموز، تدفق وبأعداد غفيرة المهاجرون بسبب هذه الحرب من السهل الساحلي الفلسطيني نحو الجبال، والتجأوا إلى رام الله وبيرزيت وضواحيها.

وكانت بيرزيت، التي لم يصل عدد سكانها في ذلك الوقت الألفي نسمة، على موعد مع أكثر من عشرة آلاف من اللاجئين، وغالبيتهم مسلمون. وقد تدّفق اللاجئون على الدير، حيث لجأ إلى المدرسة والدير أكثر من ثلاثمائة شخص، بات ستون شخصاً منهم داخل غرف المدرسة والدير. ومن حسن الحظ أن كان ذلك في شهر تموز الصيفي، حيث قضى الآخرون ليلهم تحت نجوم السماء. وكان العديد من هؤلاء الناس المساكين قد أصيبوا بحالات هلع وذعر من هول ما شاهدوا من مجازر اليهود، فهربوا ولم يستطيعوا أن يحملوا معهم شيئاً. فقام الأب أنطون بفتح أبواب الصفوف وغرف الدير لهم، وبقي له غرفته الخاصة فقط، وتقاسم معهم ما لديه من مؤونة، قبل أن تصل مساعدات المنظمات الدولية.

ثم خرج بعد ذلك عدد كبير من اللاجئين لكي يسكنوا في مخيم الجلزون، وهو على اسم نبعة ماء قوية تقع على مشارف بيرزيت وجفنا، الأمر الذي جعل اللاجئين ينصبون خيامهم بالقرب من هذا النبع. إلا أن الأب أنطون الذي استطاع أن يحرر بعض صفوف المدرسة في شهر تشرين أول من اللاجئين، أبقى لديه بعض عائلاتهم مقيمة في غرف الدير ولمدة عامين، بالرغم من كل الازعاج الذي كانوا يسببونه.

ومع اللاجئين وعودة بعض العائلات من يافا إلى بيرزيت بلدهم الأصلي، عادت بعض العائلات من منطقة القدس إلى بيرزيت، وكانت قد ذهبت إلى هناك بعد العام 1920 بحثاً عن عمل وظروف معيشة أفضل. وكان وضع القرية بهذا العدد الهائل من السكان صعباً وكارثيا من الناحية الاقتصادية، خاصة بعد إغلاق منطقة الساحل والقدس عليهم. وكان مصير بيرزيت مثل باقي قرى فلسطين في ذلك الوقت. وهنا برز الحسّ الاجتماعي لدى الأب أنطون، الذي ما فتئ يقدّم المساعدات الكثيرة لأبنائه ولغيرهم من أهل البلد. خاصة فرص العمل تلك التي وفّرها للعمال وخاصة لقطّاع الحجارة. وقد أبدع الأب أنطون في هذا المجال، وكان له الباع الطولى في إنقاذ العديد من العائلات من مشاق الحياة وتوفير لقمة العيش لهم، وكذلك في بناء وتطوير الغرف الصفية في مدرسته.

وكان الجزء المتبقي من فلسطين ذي الصبغة العربية، والذي دُعي بعد ذلك بـ«الضفة الغربية» مقابل الضفة الشرقية من نهر الأردن، قد بقي تحت إمرة الجيش الأردني، إلى أن تم ضم هذا الجزء الغربي إلى المملكة الأردنية عام 1950 تحت إمرة الملك عبدالله. وهكذا اختفى خط المواجهة الشرقي مع إسرائيل.

وكان لذلك تأثيرات على الحياة في بيرزيت ومستقبلها، كما على باقي أنحاء فلسطين. إذ تسبب كل هذا، مع الوضع الاقتصادي الكارثي إلى هجرة العديد من أبناء بيرزيت إلى الخارج، خاصة إلى الأردن والولايات المتحدة الأمريكية ومنطقة الخليج.

هكذا نرى أن حرب العام 1948، وإن لم تدخل إلى القرى مثل حرب 1918، فإنها قد أثرت وبالعمق على ظروف الحياة في بيرزيت. وضمن هذه الظروف، انطلق الأب أنطون بوزو للعمل في بيرزيت، ولمدة خمسين عاما، ضمن قدراته الخاصة والمتواضعة، ومزايا شخصيته البسيطة.